تواجه المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتبر المحرك الاساسي للاقتصاد الوطني جملة من العراقيل تحد من تطورها، بل وتهدد العديد منها بالإفلاس في حالة عدم تجاوزها، وهي عراقيل تشمل التمويل والتكوين والاستشارة التقنية.
فيما تطالب المقاولات الصغرى بتحفيزات لمساعدتها على مواجهة الصعوبات التي تواجهها، تطالب المؤسسات البنكية من المقاولات الانتقال إلى وضعية المقاولة المنظمة والشفافة في حساباتها المالية إذا هي رغبت في الحصول على التمويل من أجل تحديث آليات الانتاج والتسويق.
ويرى محللون اقتصاديون أن هذه المقاولات، التي تمثل 95 في المائة من الاقتصاد المغربي وتساهم في الصادرات المغربية بـ 30 في المائة والاستثمارات الخاصة الوطنية بحوالي 40 في المائة، تمثل خزانا كبيرا لمناصب الشغل، حيث تشغل ما يقارب 50 في المائة من اليد العاملة المشتغلة بالقطاع الخاص.
ومع انفتاح الاقتصاد على الخارج في ضوء التوقيع على عدد من اتفاقيات التبادل الحر، بات أمر تأهيل المقاولات ضروريا لمواجهة التنافسية القوية المفروضة من قبل السلع الأجنبية المتدفقة على السوق الوطنية والعالمية على حد سواء.
ومن أجل مساعدة المقاولات على إنجاز برامج للتأهيل، جرى إنشاء الوكالة الوطنية لإنعاش المقاولات الصغرى مهمتها قيادة البرنامج الوطني للتأهيل وتقديم المساعدات اللازمة في مجال الهندسة والاستشارة التقنية، بالإضافة الى إيجاد حلول لمشكل التمويل.
من جهتها، تباشر فيدرالية المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها ممثلة لهذا النسيج الواسع من المقاولات أوراش التأهيل بشراكة مع السلطات الحكومية ومختلف المؤسسات المعنية، وهي أوراش تتعلق بالإسراع في وتيرة تأهيل وعصرنة وتنميط المقاولات الصغيرة جدا، والاستثمار بكثافة في مجال الابداع والابحاث المرتبطة بالتنمية، وكذا التوفر على العديد من المقاولات الصغرى والمتوسطة الموجهة للتصدير والمزيد من المقاولات المتداولة في بورصة القيم.
وإذا كانت مطالب المقاولات مشروعة في علاقتها بالتحديات الخارجية التي باتت تفرضها مقتضيات تحرير التجارة، فإن المقاولات ذاتها مطالبة ببذل المزيد من الشفافية في مجال تدبيرها من أجل إنجاح التأهيل، والاستثمار في الموارد البشرية من خلال التكوين المستمر وعصرنة طرق التدبير والتسيير، بالإضافة الى الاستفادة من التكنولوجيات الحديثة في التصنيع والتسويق.
ويواجه أرباب المقاولات الصغرى والمتوسطة مشاكل تتعلق بضعف رقم المعاملات وارتفاع الأعباء الضريبية والاجتماعية بالاضافة الى مشكل العقار.
ورغم الجهود التي قامت بها الأبناك من أجل مساعدة المقاولات الصغرى في مواجهة تحديات المنافسة، فإن هذه الاخيرة ترى ان احد العراقيل التي تواجه برامج التأهيل تبقى في نظر الفيدرالية الممثلة لهم، هي المتعلقة بمطالبتهم بـ "الضمانات الحقيقية"، علما أنه في المدة الأخيرة تم تفعيل صندوق " فومان " الذي تموله الحكومة بمساهمة من الاتحاد الأوروبي، وهو صندوق يهدف إلى تمويل عمليات الاستشارة والمساعدة التقنية التي يقوم بها خبراء مغاربة لفائدة المقاولات الخاصة العاملة في القطاع الصناعي.
وترجع أسباب عدم وصول المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى مصادر التمويل حسب تقرير اقتصادي إلى عدم ملاءمة الآليات البنيوية والمؤسساتية، إذ أن أهم العراقيل التي تعيق تمويل المقاولات الصغرى، هي بالأساس عراقيل تتعلق بغياب تفويض السلطات المتعلقة باتخاذ قرارات منح القروض في البنوك من جهة، ونقص تأهيل الموظفين المكلفين بدراسة ملف المقاولات من جهة أخرى، ناهيك عن كون القطاع البنكي لم يقتنع بجدوى التعامل بهذا النظام.
أفادت الصغرى والمتوسطة أن الطلب بالنسبة إلى خدمات الاستشارة والهندسة الصناعية تبقى محدودة مقارنة مع الحاجيات الحقيقية للصناعة المغربية.
وأوضحت الدراسة أن المقاولات المغربية لا تخصص سوى جزءا قليلا من رقم معاملتها حوالي 1 في المائة لهذه الخدمات التي تعتبر حاسمة بالنسبة إلى عملية تأهيل المقاولة .
وأكدت الوكالة التي نشرت أخيرا نتائج الدراسة أن المقاولات مطالبة باللجوء الى الخبرة الخارجية في مجال خدمات الاستشارة والهندسة الصناعية حتى تتمكن من الدفاع عن تنافسية منتوجاتها في مواجهة المنتوجات الأجنبية التي أصبحت أكثر فأكثر شراسة في السياق الحالي للعولمة .
وتكمن حاجيات المقاولات المغربية في مجال الاستشارة والهندسة الصناعية في تحسين الانتاج من الناحية التقنية وترشيد الكلفة وضمان الجودة والتسويق الجيد واكتشاف الأسواق وتطوير أداء الموارد البشرية والمالية وتحسين التدبير.
وبينت الدراسة أن اللجوء للطلب الخارجي في مجال الخبرة والهندسة الصناعية بالمغرب يختلف حسب حجم المقاولات وطبيعة الأسواق المستهدفة داخلية كانت أو خارجية، وتهم بالخصوص المقاولات الكبرى وكذا المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في مجال التصدير، وبالضبط في القطاعات التي تستفيد حاليا من الحماية وفروع الشركات المتعددة الجنسيات.