"رفاسو" مزبلة معروفة جدا في مدينة الحسيمة، تتواجد وسط منظر طبيعي خلاب جمع بين صفاء ماء البحر الأبيض المتوسط وخضرة جرف سيدي عابد، انتصبت لتغير معالم هذا المكان وتحوله إلى فضاء مقرف بفعل تراكم النفايات على اختلاف أنواعها وأشكالها.
وقد أضحت تشكل خطورة على مختلف نواحي البيئة، سواء تعلق الأمر بالبر أو بالبحر أو بالجو.
إن للموقع الجغرافي لهذه الأخيرة حساسية خاصة، فهي من جهة تطل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وبرا فهي توجد على حافة جرف سيدي عابد المحاط بأحياء سكنية تضم العشرات من الأسر، التي تتأثر بطريقة مباشرة من موقع هذه المزبلة القريب منهم، خاصة على الصعيد الصحي، فساكنة أحياء سيدي عابد وفاريوا، هي المتضرر الرئيسي من هذه الكارثة البيئية.
فمنذ سنة 1975 تحول هذا المكان بفعل تدخل الإنسان إلى مستنقع اتسعت رقعته بمرور السنوات ليصبح بذلك مصدرا للأوبئة والأمراض بفعل الأزبال المتراكمة والمرمية على طول حوالي هكتارين، والمؤثرة سلبا كذلك على الثروة السمكية والحيوانية.
يبدو أن السلطات المعنية بالمحافظة على بيئة هذه المنطقة لا تكترث لهذا الخطر البيئي، إذ اعتاد السكان مشاهدة شاحنات جمع الأزبال تابعة للمجلس البلدي للمدينة، وهي تفرغ أكواما هائلة في هذا المكان، دون أي اعتبار لساكنة الأحياء القريبة والتي تتواجد على بعد 800 متر فقط، إذ تشكل المزبلة خطرا حقيقيا على صحتهم بفعل الغازات السامة الناتجة عن حرق النفايات الصلبة التي تعتبر المصدر الرئيسي للتلوث الهوائي للمدينة والمسبب الفعلي لمجموعة من الأمراض التي يعانيها سكان هذه الأحياء
وتتسبب هذه الأخيرة في أمراض تنفسية كالربو والحساسية وأمراض الجلد وسرطان الأمعاء والرئة.
بعض هذه الأمراض غدت منتشرة وسط شرائح عريضة من المواطنين القريبة من هذه المزبلة، بالإضافة إلى الروائح المقززة التي تصاحب هذا المكان طيلة أيام السنة
وإذا كانت الدول الراقية تحرص على حماية بحارها بسنها قوانين صارمة، فإن بلدية الحسيمة تستخلص 3٪ من مبيعات السمك ومع ذلك تقوم بإفراغ الأزبال من أعلى جرف سيدي عابد لتقع مباشرة في البحر، بعد أن تتراكم أسفله ثم تجرها تيارات مائية لتنشرها في عرض البحر مما يشكل ضربة قوية للمجال الإيكولوجي البحري.
فخليج الحسيمة منطقة لتوالد أنواع مختلفة من الأسماك، بمحاذاته تتواجد هذه المزبلة فمصفاة الواد الحار، وضع يلوث المجال البحري بشكل خطير، خصوصا في فصل الشتاء، حيث تعمل مياه التساقطات على نقل كمية كبيرة من النفايات الصلبة ونواتج الاحتراق، مثل الرماد إلى البحر، مما يهدد بتناقص الأسماك وانقراض عدد كبير من الكائنات البحرية الأخرى، وهو الشيء الذي يؤكده المهنيون والبحارة على السواء، مما يؤثر سلبا على الصيد الساحلي بصفة عامة، والصيد التقليدي بصفة خاصة.
كما لا يقتصر الأمر على الكائنات البحرية فقط، فجرف سيدي عابد حيث موقع المزبلة العمومية يعتبر مستنقعا ملائما لعدة أنواع من الحيوانات نظرا للحماية التي يوفرها لها، ففيه تجتمع أنواع مختلفة من الطيور كالغراب ذي المنقار الأحمر والحدأة السوداء والبوم، وعدد كبير من الطيور الموسمية والمهاجرة، بالإضافة إلى اعتبار هذا المكان مرعى يقصده مربو المواشي، مما يؤثر على صحة هذه الماشية.
واستغرب سكان، في اتصالات مع "الصحراء المغربية"، استمرار هذه الوضعية الكارثية، التي تشهدها هذه المزبلة، وطالبوا المسؤولين بالتفكير بجد في إيجاد حلول سريعة لنقل هذه المزبلة بعيدا عن التجمعات السكنية، معتبرين أن المسؤولية هنا تقع على عاتق من أعطاهم المواطنون أصواتهم، من أجل حمايتهم، والدفاع عن حقوقهم وعن بيئتهم، مبرزين أن المجلس البلدي لمدينة الحسيمة يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، باعتبار مسؤوليته الإدارية في تدبير شؤون المدينة، والحفاظ على بيئتها، وصحة سكانها، وخلصوا إلى طرح سؤال جارح : إلى متى ستظل قضية هذه المزبلة قائمة، تؤرق معها بال عشرات الأسر، التي تتطلع إلى يوم تنزاح فيه غمامة هذه الأخيرة، التي حجبت عنهم رؤية الأشياء الجميلة، لتعود معها بسمة مدينة الحسيمة، التي حازت جائزة أنظف مدينة مغربية سنة 1986، منحتها إياها إسبانيا.