"إننا لن نفرط في شبر من صحرائنا العزيزة، بل ولا في حبة من رمالها".
بهذه العبارات الصريحة التي لا تحتمل التأويل، جدد المغرب على لسان صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ومن قلب مدينة العيون، موقفه من مشكل الصحراء، وهو موقف لم يتغير ولن يتزحزح قيد أنملة. <
فمن قلب الصحراء حيث تعانق جلالة الملك مع شعبه الوفي الذي جاء للقائه في حماس منقطع النظير، ذكر جلالة الملك العالم أجمع بأن البوابة الكبرى للحكم الذاتي التي فتحها المغرب لتمكين الجميع من الخروج من المأزق الحالي لمشكل الصحراء ما زالت مفتوحة وأن الكل سيجد فيها مصالحه، وأنه بولوج هذه البوابة ستجد سياسة حسن الجوار، مع المتطلبات التي يفرضها ذلك، طريقها نحو التطبيق، وبان المغرب العربي الكبير سيصبح قوة يحسب لها حسابها، وبأن السلام، في إطار التعاون والارتباط الأخوي والمثمر، سيسير قدما بتلقائية كبيرة.
إن العالم أجمع يشهد بأن هناك فعلا طريقا مسدودا, وبأن المغرب، ضمن كل محاولات تجاوز المأزق، كان سباقا لتقديم الحلول ولتوسيع مجال الرؤية .
إن المغرب لم يعمد قط إلى وضع عراقيل أمام النقاش ولا فرض شروطا مسبقة ضدا على رغبة المجتمع الدولي ولا تحدى الشرعية ولا القانون الدولي.
إن التاريخ لا ينسى شيئا، بما في ذلك الانزلاقات,فإذا رجعنا إلى الأمم المتحدة، فإنه يجب التحلي بالشجاعة السياسية والفكرية والامتثال لتقارير مبعوثيها الخاصين الذين توافدوا على المنطقة بدءا برجل القانون الأوروغوايي هيكتور غروس سبييل الذي عين في أكتوبر1999، وانتهاء بالهولندي فان وارسوم الذي عين في هذا المنصب في يوليوز 2005 ، مرورا بالأميركي جيمس بيكر والبيروفي ألفارو دي سوتو .
ومن البديهي أن أي ديبلوماسية لا يمكنها أن تحظى بالمصداقية، إذا كانت ترجع إلى قرارات الأمم المتحدة فقط عندما ترى فيها ما يخدم مصالحها الذاتية، لكنها تتنكر لها كلما لاحت فيها عناصر لا تخدم مصالحها.
وإلى حدود الآن فإن الأمم المتحدة شخصت من خلال قراراتها ذات الصلة، الوضعية على أساس معطيات ميدانية، أي ما يتعلق بعدم قابلية تطبيق الاستفتاء في الصحراء واوصت في المقابل بحل سياسي متوافق بشأنه.
والمغرب سجل هذا الموقف واجتهد في هذا الاتجاه من خلال الإعلان عن استعداده لمنح حكم ذاتي موسع لأقاليمه الصحراوية في إطار سيادته التي لايمكن أن تكون موضوع أي نقاش أو مساومة.
إن منطق السلام الذي يأخذ به المغرب ويواصل نهجه هو منطق يخدم جميع الأطراف، وهو المنطق ذاته الذي يتعين أن يترسخ بشكل دائم في القلوب والعقول.
وعلى العكس من ذلك، فإن منطق التأزيم الذي يتمسك، عند وقوع أي مشكل، بالبحث عن مذنب ما عوض العمل على إيجاد حل، يعتبر في حد ذاته منطقا ضارا جدا، وهو في النهاية منطق تخريبي، تعاني منه شعوبنا التي تلاحظ في حسرة، في ظل هذه الانتكاسات المتكررة، أن الآخرين عبر أنحاء العالم يعملون من أجل التقدم ويخططون بهدف التطور، في حين نراوح نحن الخطى في أحسن الأحوال بسبب الجمود والتقهقر.
ومن أجل فهم ذلك لنقم بجرد حصيلة هذه السنوات الثلاثين التي اتسمت بالتوتر في منطقتنا ليتبين لنا، ويالهول ما يتبين، أننا أضعنا وقتا ثمينا بكيفية مجانية، وأهدرنا الكثير من الفرص والوسائل، مع أننا نتوفر على الكثير من الخيرات التي لم نعرف كيف نستفيد منها.
إن المغرب لا يمكن أن يكون أوضح مما هو عليه الآن، كما لا يمكنه أن يكون أكثر تفتحا من التفتح الذي تحلى به دائما فسياسة اليد الممدودة التي ينتهجها المغرب لا يمكن أن يتم إدراكها وفهمها إلا انطلاقا من الإرادة الواضحة التي عبر عنها في عدة مناسبات، والهادفة لتجاوز كل العقبات التي تقف حاجزا في وجه إرساء جسور التفاهم والاتفاق، ومن حرصه على تجاوز اللاتفاهم والخلاف في أسرع وقت، خاصة وأن قطار التجمعات والعولمة ومختلف التحديات العصية أحيانا حتى على الفهم والإدراك، لا يتوقف أبدا ولا ينظر إلى الوراء مثله مثل التاريخ الذي لا يعود لما أكل عليه الدهر وشرب.
لذلك فعلينا أن نعرف كيف نصنع التاريخ ونؤثر فيه حتى نتفادى السقوط في حكمه الذي لا يرحم فمن البديهي أن مجال النزاع والتشويش أكثر اتساعا من مجال الحقيقية، لذلك يتعين أخذ ذلك بعين الاعتبار قبل أن يتحول الجرح القابل للمعالجة بسهولة إلى جرح متعفن عصي على العلاج.
إن المغرب بأجمعه ينكب اليوم استجابة لنداء صاحب الجلالة، على تفكير كله صفاء من أجل العمل، بشكل دقيق، على رسم المعالم التي يتعين أن يكون عليها الحكم الذاتي بهذه الأقاليم الصحراوية باعتبار ذلك الحل الوحيد لإيجاد مخرج لقضية الصحراء.
وأبناء هذه الأقاليم طرف في عملية هذا التفكير المسؤول من خلال المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية في تشكيلته الجديدة التي أعلن عنها صاحب الجلالة في مدينة العيون بالذات.
فتركيبته الجديدة واختصاصاته المتجددة، ضمان لمصداقيته وفعاليته، كما أن ثمار هذا العمل الجماعي ذي البعد الوطني، ستتعزز بمجموعة من الاقتراحات الملموسة التي ستضع كل واحد أمام مسؤولياته.
وإن الجزائر التي تقدم نفسها على صعيد هذا الملف وفي الوثائق الرسمية للأمم المتحدة "مرة كطرف معني ومرة كـ "فاعل هام" ومرة كطرف ذي صفات أخرى، تؤكد أنها ليست لها أية أطماع ترابية بالصحراء، إننا نأخذ علما بذلك.
إلا أنها عندما ترى في تقرير المصير استقلالا، فهذا لا يمكننا مسايرتها فيه على اعتبار أن مثل هذا التأويل لا يقبل في المناقشة، إلا إذا كانت الصحراء أرضا خلاء، علما أن ذلك دحضته كل الدحض محكمة العدل الدولية بلاهاي بإجماع قضاتها المشهود لهم بالنزاهة
وبما ان الشيء بالشيء يذكر، فالجزائر سبق لها ان لوحت في وقت من الأوقات بالتقسيم، متذرعة في ذلك بتقرير جيمس بيكر .
فعلى كل طرف، إذن، أن يقوم بتقييم عمله من أجل معرفة ما إذا كان هذا العمل سيمكنه من تبوئ المكانة اللائقة في سجل الوقائع الكبرى وفي تاريخ منطقتنا.