تشهد قضية الصحراء المغربية، هذه الأيام، وبالخصوص منذ المسرحية الاستفزازية، التي لعبتها المجموعة الانفصالية، بدعم من القيادة الجزائرية في تيفاريتي، تناميا مضطردا للدعم الدولي للمقترح المغربي بخصوص الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية .
ومما زاد من قوة هذا الدعم المضطرد أن جلالة الملك محمد السادس يحرص باستمرار على جعل القضية الوطنية الأولى تخرج من الباب المسدود، الذي يسعى خصوم الوحدة الترابية إلى رهن النزاع المفتعل بآفاقه المظلمة.
ويسجل المراقبون، بهذا الخصوص، الإرادة الملكية الحاسمة في اعتماد نهج التفاوض من أجل حل عادل ودائم على أساس الاتفاق الإطار الأممي الذي يؤكد جلالة الملك أنه "حظي بالموافقة والتشجيع الدوليين الواسعين والوازنين، ولأنه قبل كل شيء يندرج في إطار احترام السيادة المغربية والوحدة الترابية، ويلائم توجهنا الاستراتيجي، القائم على الديمقراطية، والجهوية، واللامركزية، والحفاظ على استقرار المغرب العربي، وتوطيد وحدة شعوبه، بدل تمزيقها بافتعال كيانات وهمية".
وينطلق تصور جلالة الملك، في هذا السياق، من تكريس حكم ذاتي موسع للأقاليم الجنوبية، وهذا المخطط يندرج في صلب أوراش التحديث، التي دشن جلالته بها سياسته منذ اعتلائه العرش.
ويتعلق الأمر بإضفاء اللامركزية على نظام الحكم، من خلال تمكين السكان المحلين وممثليهم في المجالس المنتخبة من مسؤولية تدبير شؤونهم المحلية وبطبيعة الحال في إطارالمشاورات مع السلطات المركزية.
وتهدف هذه الدينامية الجديدة إلى إعطاء المبادرة للمواطنين في الأقاليم الجنوبية، ضمن إقرار ديموقراطية محلية فعلية، تتيح الفرصة لهذه المناطق كي تصبح نموذجا لديموقراطية معاشة في القاعدة، ومتميزة بالفعالية، على مستوى المؤسسات السياسية، المعززة بالبنيات الأساسية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى حتمية مواصلة جهود التنمية بوتيرة أسرع.
وفي هذا السياق، تتضافر الجهود والطاقات على جميع المستويات، طبق التوجيهات الملكية، الرامية إلى إشراك كل القوى الحية في الدفاع عن مغربية الصحراء، من خلال استشارة الأحزاب السياسية، بشأن منظورها الملموس للحكم الذاتي، في نطاق سيادة المملكة، في أفق بلورة وتقديم المقترح المغربي، بهذا الخصوص.
ويتعلق الأمر بالفعل بتشاور سياسي رسمي، وانطلاقا من إشعارها بوثيقة، وضعت في هذا الإطار، يمكن للأحزاب السياسية إدخال اقتراحاتها عليها، من أجل صياغة وثيقة منسجمة تعكس الإجماع الوطني تجاه القضية.
إن نزاع الصحراء يشكل اليوم نزاعا بين جيلين : عهد جديد برجالات جدد، لكن أيضا بتدبير جديد للمشاكل وجيل المسؤولين الجزائريين القدامى، أسرى الأطروحات المتقادمة، الذين لم يتوانوا في معاكسة المغرب.
ففي الجزائر يظل المسؤولون الذين تابعوا ملف الصحراء هم ذاتهم منذ 33 سنة
ولم يؤد لا سقوط جدار برلين ولا تصاعد المد الإرهابي إلى الكف عن دغمائيتهم
وفي الجهة الثانية، جيل آخر بقيادة جلالة الملك محمد السادس، جيل مقتنع بالديموقراطية وثقافة السلم.وجلالته على قناعة راسخة بأن العالم قد تغير إن المغرب يتهيأ ليقدم مخططا للتسوية أمام الأمم المتحدة.
ويظهر أن الوقت دقيق بالنظر إلى الطبيعة الحيوية للموضوع، مما يتطلب التشبث بالأمل من أجل الوصول إلى الطي النهائي للقضية، تحت إشراف الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، فإن التعبئة الوطنية تشكل الميزة الأساسية للمقترح المغربي لتسوية ملف لا مخرج مشرف له إلا في إطار حل سياسي شجاع وإنساني وعقلاني، مثل الحل الذي تعمل حكومة جلالة الملك على بلورته .
لقد رأينا كيف كانت الجزائر متشبثة بالاستفتاء وتقرير المصير لـ "الشعب الصحراوي"، ولكن أيضا كيف كانت سياستها العدائية تجاه المغرب تفشل كل حل توافقي، لأن أي حل طرحه المغرب لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
وأمام نوع من لامبالاة الأمم المتحدة، رغم وجود قوات المينورسو لسنوات في الصحراء، في مواجهة فشل المخططات المتتالية لجيمس بيكر، وخاصة مخطط الاستفتاء، واقتناعها باستحالة الحل العسكري، فإن المغرب بادر والتزم باقتراح حل آخر.إنه الطريق الديموقراطي، وهو بمثابة استفتاء داخلي، يندرج في صلب مبدأ الانفتاح، الذي وضع جلالة الملك فيه قضية حيوية مثل قضية الصحراء.
إن إحداث مجلس استشاري خاص بالصحراء قبل خمس سنوات، يضم أبناء الأقاليم الجنوبية، بالإضافة إلى الزيارات، التي قام بها جلالته لتلك الأقاليم، والمقترحات، التي لم يتوان في طرحها في خطابات جلالته، خاصة خطاب 6 نونبر الأخير، كل ذلك يعكس الإرادة الراسخة لإيجاد حل مشرف لنزاع دام أزيد من 33 سنة بين المغرب والجزائر
ويشكل الحكم الذاتي الجهوي، الذي يتهيأ المغرب لطرحه والدفاع عنه أمام الأمم المتحدة، تصورا جديدا للأجيال الشابة.
إنه يجسد السياسة الجهوية واللامركزية، باعتبارها آلية حقيقية للمشاركة، تسمح بظهور نخب جديدة منبثقة من مجلس جهوي حر ومندمج ويتعزز هذا النهج الحضاري بدعم المنتظم الدولي، الذي بات على اقتناع بإرادة المغرب الثابتة، في الخروج من الأبواب المسدودة.
فالمغرب ظل باستمرار يتعاون مع مجلس الأمن والأمم المتحدة وأمينها العام كوفي عنان وممثليه، لإيجاد حل يحفظ سيادته ووحدة أراضيه، وفي الوقت ذاته، ظل المغرب يسعى إلى تطوير علاقاته مع جيرانه، ويعمل بالخصوص على تذليل كل العراقيل من أجل الانطلاق الجماعي لبناء اتحاد المغرب العربي، على أسس متينة، تكفل النهوض برفع رهانات المرحلة ومواجهة تحدياتها المصيرية.
وعودة إلى مسرحية تيفاريتي، نجد أنها كشفت عن سلوكين في التعامل مع هذا النزاع المفتعل : من جهة، سلوك الاستفزار وانتهاك القانون الدولي، من خلال التصرفات، التي أقدمت عليها البوليساريو في منطقة تيفاريتي، بإيعاز من القيادة الجزائرية، والتي شكلت "إعلانا مدويا لخيار الحرب"، في تحد للشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة ومقررات مجلس الأمن بشأن النزاع في الصحراء، ما يهدد بالعودة بهذا النزاع إلى نقطة الصفر، وتعريض آلاف الصحراويين، المرحلين قسرا إلى هذه المناطق، للخطر ولمزيد من المعاناة المأساوية، التي طالت أزيد من ربع قرن.
ومن جهة ثانية، سلوك المسؤولية والاتزان وضبط النفس، في تعامل المغرب مع هذه النازلة، معتمدا الوسائل الشرعية، واللجوء إلى الأمم المتحدة، برسالة موجهة إلى الأمين العام الأممي، كوفي عنان، لإثارة الانتباه إلى تمادي الأطراف الأخرى في منطق الاستفزاز، معتبرا أن ما يجري في تيفاريتي يكتسي طابعا خطيرا واستفزازيا، ويمثل انتهاكا صارخا لوقف إطلاق النار، منبها إلى أن هذه الأنشطة "ساهمت في ازدياد حالات التوتر في الميدان، وقد تسفر عن حوادث، وتؤدي إلى تدهور الوضع على طول الجدار الدفاعي".
لكل هذه الاعتبارات وغيرها، كان من الطبيعي أن يتنامى الدعم الدولي للسلوك المغربي المتمسك بالشرعية، ذلك أن الأسرة الدولية لا يمكن أن تقف في صف الخارجين عن القانون الدولي. ولاحظ مراقبون كيف أن وزارة الخارجية الروسية حرصت، خلال الزيارة الرسمية، التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للجزائر الأسبوع المنصرم، على تأكيد أن "التوصل إلى حل سياسي ومقبول لجميع الأطراف، وتحت إشراف هيئة الأمم المتحدة، لمشكلة الصحراء، يشكل عنصرا مهما في الحوار الروسي الجزائري" .
وأبرز يانسن، خلال المؤتمر الدولي الأخير، الذي انعقد بلاس بالماس (جزر الكناري) في موضوع "الصحراء : رؤى من أجل المستقبل"، أنه "لأسباب ومبررات مختلفة، فإن الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا ملزمة بدعم حل سياسي متفاوض بشأنه ومتفق حوله بين كل الأطراف المعنية"، مبرزا أن الولايات المتحدة لها مصلحة في سوق شمال إفريقيا، ومنشغلة بشكل عميق بموضوع الإرهاب وتوسع تأثير منظمة (القاعدة) بالمنطقة، بينما فرنسا، التي لها روابط تاريخية مع دول المنطقة وعلاقات جيدة مع المغرب، تدعم بدورها فكرة إيجاد حل سياسي للنزاع، في حين أن إسبانيا، يضيف يانسن، ليس من مصلحتها دعم "خيار الاستقلال بالصحراء"، بغض النظر عن الدعم، الذي يستفيد منه دعاة الانفصال في إسبانيا، و"المشاعر التواقة إلى الماضي"، التي يحن إليها البعض تجاه المنطقة.
وأضحت مواقف المنتظم الدولي تتقاطع حاليا في اتجاه اعتبار مقترح الحكم الذاتي حلا أمثل للنزاع المفتعل، لن يمكن فقط السكان من تدبير شؤونهم الجهوية، في إطار الديمقراطية والاستقرار والتنمية المندمجة، بل سيجنب المنطقة من أن تصبح بؤرة للتوتر والصراع وتربة خصبة للإرهاب.
يقول الجنرال ماجور جوناتان س غرايشن، مدير الاستراتيجيات والسياسة وعمليات التقييم بقيادة القوات الأميركية المرابطة بأوروبا، إن تسوية قضية الصحراء تعد أحد الجوانب الرئيسية في محاربة الإرهاب في شمال إفريقيا، مشددا على ضرورة تسوية قضية الصحراء، والعمل من أجل عودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الإفريقي، وتعزيز الديمقراطية ودولة الحق والقانون والحكامة الجيدة في بلدان المنطقة، وكذا استثمار الفرص الاقتصادية لفائدة الشعوب المغاربية، هي المداخل لتحصين المنطقة من أن تتحول إلى أرض خصبة للجماعات الإرهابية.