ذكرت القناة التلفزية )فرانس 5) في وثائقي حول استقلال المغرب بثته السبت الأخير أنه "بعد أزيد من 40 سنة من التواجد الفرنسي بالمغرب، فإن الصرح المعقد والقوي للحماية التي فرضتها فرنسا على المملكة انهار في لمحة بصر".
وبدأ هذا الوثائقي، الذي يحمل عنوان "ربيع 1956، استقلال المغرب" وأخرجه فريديريك ميتران بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لاستقلال المغرب، ببث صور للعودة المظفرة لجلالة المغفور له محمد الخامس إلى المغرب بعد أزيد من سنتين قضاها بالمنفى في مدغشقر، ومشاهد تعكس الفرحة العارمة التي غمرت المغاربة بعد تجدد اللقاء.
وأشاد مخرج الوثائقي بحكمة وشهامة جلالة المغفور له محمد الخامس بعد المحن التي واجهها بالمنفى، مذكرا بأن جلالته كان قد قال لأبنائه، لدى وصولهم إلى المغرب، إنه يرفض بتاتا أن يسمع أبسط كلمة تدل على الحقد أو الانتقام.
وجاء هذا الشريط، الذي تصل مدته إلى 52 دقيقة، ويستقي مادته بالخصوص من وثائق من الأرشيف الفرنسي، معززا بشهادات لشخصيات مغربية، خاصة صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أمينة، والوزير الأول الأسبق أحمد عصمان، والوزيرين السابقين محمد الشرقاوي وأحمد بنكيران، والأمين العام السابق لحزب الاستقلال محمد بوستة والكاتب الفرنسي جون لاكوتير.
وأشار فريدريك ميتيران إلى أن هذه الشخصيات "قدمت إفادات توضيحية، تساعد على تجسيد المحطات التاريخية من خلال تجربتهم، وعلى استرجاع الجو الذي كان سائدا في تلك الحقبة".
كما توقف الوثائقي، الذي سلط الضوء، بوضوح ودقة، على تاريخ المغرب طيلة 44 سنة من الحماية، عند دور المقيمين العامين الفرنسيين بالمغرب، وبالخصوص الأول منهم المارشال ليوطي الذي كان قد شيد مدنا جديدة ووضع أسس اقتصاد عصري بالمملكة.
وأشار المخرج إلى محاولة الجمهورية الفرنسية، بعد انسحاب ليوطي، اعتبار شمال افريقيا كتلة واحدة، تشكل مجالا خصبا لمشاريع الإدارة المباشرة، مضيفا أن المقيمين العامين الذين جاؤوا بعد ليوطي اختاروا نهج سياسة "وضع اليد على غرار ما كان يجري بالجزائر" وتطرق بهذا الصدد لدور المقيم العام نوغيس الذي قدم إلى المغرب من أجل القضاء على الحركة الوطنية قصد تسريع وتيرة الإصلاحات.
وحسب الشهادات التي أوردها الوثائقي، فإن نوغيس كان قد زج بقيادات الأحزاب السياسية في السجن ونفى مؤسس حزب الاستقلال علال الفاسي إلى الغابون وبالحسن الوزاني إلى جنوب المغرب وخلافا للمارشال ليوطي، فقد نهج نوغيس سياسة مبنية على القمع والقوة، وأخطأ عندما قرر محاربة نزول الحلفاء بإفريقيا الشمالية، مما خلف سقوط المئات من القتلى.
وأبرزت الشخصيات التي قدمت شهاداتها في هذا الوثائقي، الموقف الشهم لجلالة المغفور له محمد الخامس الذي كان قد عارض عملية تسجيل اليهود التي كانت تطالب بها حكومة فيشي، معتبرا أنهم مواطنون مغاربة يتمتعون بمواطنتهم كاملة، وكذا بشجاعته حين رفض تلبية طلب المقيم العام نوغيس بتنظيم المقاومة ضد قوات الحلفاء في المملكة.
وتطرق الوثائقي من جهة أخرى لمؤتمر الدارالبيضاء الذي كان قد شارك فيه جلالة المغفور له محمد الخامس، والرئيس الأميركي روزفلت، والوزير الأول البريطاني وينستون تشرشل، والجنرال دوغول.
وذكر مخرج الوثائقي بأن الرئيس الأميركي كان قد جاء إلى الدارالبيضاء للدفاع عن ميثاق الأطلسي الذي يدعو إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما تطرق الفيلم من جهة أخرى إلى ميلاد الحركة الوطنية المغربية بجامعة القرويين ودور الريادة الذي اضطلع به الزعيم علال الفاسي في الدفاع عن استرجاع حرية واستقلال المغرب.
ومن جهته ذكر الأمين العام السابق لحزب الاستقلال محمد بوستة في شهادته بأن ما كان يجمع بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، هو التزام أخلاقي يكتسي أهمية قصوى يلتزم بموجبه الحزب بعدم التخلي أبدا عن الملكية، والملك من جانبه بعدم التخلي أبدا عن زعماء الحركة الوطنية
أشار فريديريك ميتيران إلى أنه "لم يكن هناك مجال للشك، سواء بالنسبة للمغاربة أم للإقامة العامة، بأن جلالة المغفور له الملك محمد الخامس كان يدعم عمل حزب الاستقلال".
وذكر الوثائقي من جهة أخرى بأن جلالة المغفور له محمد الخامس كان قائد الدولة الأجنبي الوحيد الذي منح صفة رفيق التحرير من قبل الجنرال دوغول، كما أبان طيلة الحرب العالمية ومن خلال جميع مواقفه عن وفاء نادر بدعمه للحلفاء.
ويشكل هذا الوثائقي مرجعا مهما بالنسبة للباحثين والمؤرخين، حيث تطرق لجميع الأحداث المهمة التي ميزت فترة الحماية الفرنسية بالمغرب وهكذا تطرق الوثائقي الموجه، حسب معده، لفرنسا بالدرجة الأولى التي تتنكر لتاريخها الاستعماري، للنضال ضد الاستعمار الإسباني بجبال الريف 1921 - 1925، وللظهير البربري سنة 1930، وتقديم وثيقة الاستقلال سنة 1944، وللخطاب التاريخي لجلالة المغفور له محمد الخامس بطنجة سنة 1947، ولنفي المغفور له محمد الخامس سنة 1953، وكذا لعودته المظفرة من المنفى.