سلط مشاركون في ندوة عقدت بالرباط، الضوء على الإكراهات التي تواجه تجديد النخب داخل الأحزاب السياسية، مبرزين الدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه تجدد النخب في مجال تجديد القيم والتحديث داخل المجتمع، وفي مجال ترسيخ الديموقراطية الداخلية للأحزاب.
وركز المشاركون في هذه الندوة على الطابع المعقد لعملية تجديد النخب، مع التأكيد على ضرورة وأهمية هذه العملية لمسايرة التحديات المطروحة على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، لمواجهة تحديات العولمة.
وقال محمد أوجار، عضو المكتب التنفيذي للتجمع الوطني للأحرار ، إن المتمعن في المشهد الحزبي الوطني، لابد أن تستوقفه مجموعة من التساؤلات حول مظاهر القصور التي تعاني منها الأحزاب على مستوى الانفتاح على مكونات المجتمع، وعلى مستوى استقطاب واستدماج الأطر والكفاءات التي يزخر بها المجتمع المغربي في كافة المجالات العلمية والاقتصادية والفكرية.
وأضاف أوجار في عرض قدمه أول أمس السبت بالرباط بمناسبة انعقاد ندوة حول تجديد النخب داخل الأحزاب السياسية، أن نفور النخب من العمل السياسي والحزبي أملته عوامل متعددة معروفة، في مقدمتها محاصرة الدولة وأجهزتها طيلة عقود من الزمن لكل أشكال العمل السياسي الجدي والجاد، مشيرا في هذا الصدد إلى أن الإرث الثقيل والمؤلم لسنوات الرصاص، استتبع حرمان المغرب من الطاقات التي تعرضت إما للاعتقال أو للنفي.
وتساءل أوجار في العرض الذي قدمه خلال هذه الندوة التي نظمتها جمعية الغد وجمعية الإبداع بشراكة مع المعهد الديموقراطي الوطني للشؤون الدولية، عن السبل الممكنة المؤدية إلى التدبير الجيد للقدرات البشرية ولتجديد النخب، طارحا التساؤل حول السبب الكامن وراء نجاح الدولة في استقطاب النخب وتوظيفها في أجهزتها ونجاح عمل النخب في دواليب الدولة، وإخفاق النخب التي تغامر بولوج العمل الحزبي في تحقيق النجاح نفسه.
وأكد وزير حقوق الإنسان سابقا، على أن تجديد النخب يندرج ضمن هاجس البحث عن القيمة المضافة، على اعتبار أن عملية تجديد النخب تعتبر إثراء للممارسة الحزبية
وأبرز أن الاختيار بالنسبة للمغرب، لن يكون سوى لصالح الحداثة وترسيخ الديموقراطية، وهو ما يستدعي العناية بالأجيال الجديدة وتحويل النخب الجديدة المكانة التي تستحقها داخل الأحزاب.
وعلى مستوى آخر، وبعد أن عدد أوجار الإنجازات والإصلاحات الكبرى التي شكلت محطات مضيئة في المغرب منذ تولي جلالة الملك محمد السادس زمام الحكم، بدءا من ترسيخ الديموقراطية وحقوق الإنسان، بما فيها الحقوق الثقافية واللغوية، مرورا بالإصلاحات التي طالت مجالات كالقضاء والتعليم إصلاحات قانونية، وانتهاء بمدونة الأسرة، تساءل المتدخل عن مدى قدرة أجهزة الدولة على التنفيذ الجيد والسليم لهذه الإصلاحات، مشيرا إلى أن أي تعثر في التنفيذ من شأنه أن يحد من المفعول الإيجابي لهذه الإصلاحات داخل المجتمع.
من جهته، أكد محمد الأشعري، وزير الثقافة، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على الطابع المعقد الذي يميز عملية تجديد النخب، مشيرا إلى أن مقولة تجديد النخب تستهلك بنوع من السطحية.
وفي سبيل منح هذه المقولة مدلولها الحقيقي والأعمق، قال الأشعري، إنه لابد من رفع ثلاثة التباسات، الأول، هو أنه عادة ما يقدم مطلب تجديد النخب، كما لو كان مطلبا ديموقراطيا، والحال أن مدلول النخبة يحيل على تحكم الأقلية في الأغلبية، أقلية نخبوية، ما يشير إلى توجه معاكس للديموقراطية.
والالتباس الثاني هو أنه يقع التعامل مع تجديد النخب، كما لو كان إجراء تقنيا يقتضي تمرير السلطة في فترة معينة لنخب جديدة، وهذا مظهر كاريكاتوري لمفهوم تجدد النخب
فالنخب، حسب الأشعري، ليست عملية تجميع وتحديد لفئة معينة في فترة محددة، بل إن ما يميز النخب هو قدرتها على إنتاج قيم جديدة في وسط مركب، وهو عمل ناتج عن تضافر أطراف ومؤسسات تسهم في خلق قيم جديدة، وبالتالي، فهي تسهم في خلق مجتمع جديد.
وأكد الأشعري، في معرض حديثه عن الالتباس الثالث، أن صناعة النخب في المغرب، لم تبدأ إلا في وقت متأخر، خاصة بعد فترة الاستقلال، وقال في هذا الصدد، إن المغرب إلى حدود النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم يكن يعرف النخبة، باستثناء المخزن وأعوانه، والفئة الخاصة، وأن بداية تشكل النخب بالمغرب، بدأت مع مجيء الإدارة الاستعمارية وتأسيس المدارس الحديثة، وهو ما تواصل بعد الاستقلال.
وأكد الأشعري على ضرورة التمييز بين استبدال المواقع وبين تجديد النخب التي ترتبط بتجديد القيم، كما دعا إلى التمييز بين تناوب الأجيال وتجديد النخب، مشيرا إلى أنه ليست كل حركة في مواقع السلطة تعتبر تجديدا للنخبة.
وأبرز عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، أن تجديد النخب يرتكز أساسا على اعتماد آلية الانتقاء والامتياز المرتبطة بالكفاءات والقدرات الشخصية للفرد، معتبرا أن المعيار الموضوعي المحدد للنخبة هو الاستحقاق، وهو ما يعني أنه لا يمكن اعتبار الوساطة والمحسوبية والفئوية مجالا لتجديد النخب.
وقال، إن الوساطة والمحسوبية، قد تنتجان شبكات من اللوبيات، لكنهما لا تنتجان نخبا
مضيفا، أن الإصلاحات في مجالات التعليم، والمقاولة، والإصلاح المؤسساتي، تعتبر المفتاح الأول لتجديد النخب.
في الموضوع نفسه، قال عبد العزيز الرباح، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، إن تجديد النخب، وما يستلزمه من تجديد الأفكار والقيم، يعتبر أمرا ضروريا قصد مواكبة التحديات الراهنة المطروحة في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وقصد مواكبة تحديات العولمة، مضيفا أن موضوع تجديد النخب مطروح على كافة الأحزاب الوطنية.
وحدد الرباح، الإكراهات التي تواجه بروز نخب جديدة داخل الأحزاب في غياب الديموقراطية الداخلية وهيمنة المجموعات التاريخية داخل الأحزاب، وغياب بنيات الاستقبال للكفاءات داخل الأحزاب، بالإضافة إلى ضعف الهيئات الموازية للأحزاب، بحيث إن العمل الشبابي ومراكز التقريب والتأهل لا تكاد توظف سوى في محطات الصراع وليس لصناعة النخب.
وأكد الرباح، من جهة أخرى، على ضرورة أن تعتمد الأحزاب على منطق التنافس حول البرامج، وأن تتخلى عن الصراعات في ما بينها، بعدما دخل المغرب مرحلة المصالحة مع الذات ومع الماضي.