كان لدور الشباب دور جوهري في تزجية أوقات الفراغ والتدبير المثمر لساعات ما بعد التمدرس، بل وفضاء سانحا لصقل المواهب والتربية على حسن استغلال الطاقات الداخلية لناشئة في طور الوعي والتكوين، وتوظيفها، التوظيف الصحيح في اتجاه تسطير الخطوط العريضة لرجل الغد.
لقد كانت دور الشباب في سنوات مضت الدار الثانية لشباب ما قبل الأمس، حيث كان أعداد روادها يوافق عدد ساكنة المنطقة التي تقطن بها، وكانت الجمعيات التربوية بمثابة الأسرة الواحدة، من حيث العلاقات الأخوية التي كانت تربط منخرطي الجمعيات فيما بينهم، ومن رحم هذا التوادد والتآخي والتكامل كانت تولد الأنشطة والبرامج التربوية والثقافية والفنية، وبالتضامن والتآزر كانت تنجز المسرحيات.
وتنظم الرحلات والندوات واللقاءات، إذ لم يكن يهم في حينها، ما إذا كان هناك دعم مادي لتنفيذ برنامج تربوي أو غيره، بل كان فقط التآلف هو الضامن الرئيسي لنجاح أي عمل إبداعي، لأن الشعار الذي كان له حضوره ووقعه في نفوس جميع رواد دور الشباب في ذاك الوقت، هو الإصرار على إنجاح المبادرات وتدبيرها رغم ندرة الإمكانيات.
إن كل من عايش هذه الفترة سيخرج بنفس الانطباع وتبرز مدى صحة هذا النمط الذي كانت تسير على منواله الجمعيات التربوية في دور كانت متنفسا حقيقيا للشباب، لكن كيف حال هذه الدور اليوم وهل لا زالت تحكمها نفس الرؤى والأفكار التطوعية والمقاربات الأسرية، أم أنها انسلخت عن جلباب الماضي وارتدت لباسا يليق بالعصر الحالي، حيث الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام والتواصل، أصبحت الطاغية؟
وحتى لا نكون متحاملين على وضع دور الشباب في الوقت الراهن، ونبخسها حقها، ننقل لكم أدوار ووجهات نظر شباب اليوم، عن واقع دور الشباب، وكيف يقيمون أدوارها من خلال مقاربة لما كانت عليه هذه الدور بالأمس، وفي هذا الصدد أكد لنا يوسف كومري، على أن دور الشباب اليوم "لم تعد مثار رغبة الشباب، بسبب عتاقة الآليات التي تشتغل بها، والتي لا تواكب، مهما بذلت من جهد، التحديات التي يطرحها عالم اليوم، فدور الشباب مطالبة بأن تعطي لمسألة التربية والتثقيف بعدا تنمويا، وتجعله شحنة قوية من أجل الاستغلال الأمثل لفترة مهمة يقضيها الشباب خارج المدرسة، حيث الإغراءات على أشدها، فإكساب المناعة لشباب اليوم يقتضي أن تكون هناك استراتيجية مضبوطة الأهداف تربط زمانيا ومكانيا الشباب بمحيطه، حتى لا يجد منافذ سانحة للخروج به عن جادة الصواب".
ومن جهته أبرز خالد إبراهيمي، "أن الجهات المسؤولة، لم تراع ما طرحه النمو الديمغرافي من إشكالية عدم توازي الكثافة السكانية بمراكز الطفولة والشباب، فكثيرا ما لا يمكن لدار الشباب أن تستوعب الكم الهائل للأطفال واليافعين الذين يقطنون في منطقة معينة، زد على ذلك ـ يقول محدثنا ـ أن غياب مناصب شغل دفع ببعض منعدمي الضمير إلى تأسيس جمعيات يستغلونها لابتزاز الطفولة والشباب وجعلها بمثابة مناصب مالية تدر عليهم الأموال من خلال تنظيم رحلات وزيارات وما إلى ذلك من الأنشطة التي تحتال على براءة الصغار واليافعين منهم، خصوصا أبناء ذوي الدخل المحدود، والذين لا يجدون بدا لتزجية أوقات فراغ أبنائهم في خوض غمار هذه التجارب".
وفي السياق ذاته، أكد لنا عزيز الراجي، "أن تبني شعارات المخيم للجميع والقراءة للجميع، أفقدت دور الشباب البوصلة، لتحديد مسارها الصحيح وقياس ما إذا كانت وفية لتوجهها التربوي والتثقيفي، أم أنه عندما يحضر الكم ويكون طاغيا، فالكيف يكون استثناء"
ومن جهتها أضافت سليمة الموس، "أن الجمعيات التربوية لم تعد تشتغل وفق برامج من صميم إبداعها، بل أصبحت أمام مهرجانات وبرامج مملاة، ما على الجمعيات إلا الخوض فيها والاستجابة لها آليا، هذا دون الحديث عن الانحلال الخلقي والتفسخ والانحرافات التي أصبحت بمثابة مظاهر عادية في العديد من دور الشباب، مما يؤكد أن هناك شيئا من حتى، لم يتم الاستجابة إليه، أدى بدور الشباب إلى الخروج عن نسقها العادي والسليم".
من خلال مقاربتنا لطبيعة هذه التصريحات وآراء عفوية لثلة من الشباب، يتضح أن دار الشباب في وقتنا الحاضر تعاني أزمة حقيقية، في الجانب التربوي حيث تغيب البرامج الحديثة والتثقيفية الناجعة، وفي الجانب الأخلاقي، حيث لم يعد بمقدور مؤطري ومسيري هذه الدور إبداء الصرامة اللازمة لتغليب السلوك السوي على الشاذ والمنحرف، والمسؤولية الأكبر تتحملها الجهات الوصية على هذا القطاع، التي لم تقو مناعة أجهزتها التدبيرية بتحسين وضع الأجهزة والبنيات التحتية لهذه الدور كي تستجيب لما يطلبه شباب اليوم.