قالت مصادر وثيقة الصلة بالتنظيمات الإسلامية إن عددا من أطر العدل والإحسان، المنتظمين ضمن الدائرة السياسية بقيادة عبد الواحد المتوكل، وكذا من اللجنة الحقوقية، بدأوا في الانسحاب من الحركة، احتجاجا على تفشي الفكر المتعارض مع جوهر تعاليم الإسلام.
وتفيد المصادر ذاتها أن بعض أطر الجماعة فتحوا حوارا مع التيارات الإسلامية المعترف بها قصد بحث إمكانية الالتحاق بها، خصوصا في ظل وجود رغبة لدى العديد منهم للانضمام لحزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، التي وجهت "رسالة النصيحة"لعبد السلام ياسين، لحمله على العودة إلى الرشد، وترك الترهات، التي تمضي فيها جماعته
ويعتقد المطلعون على فكر الجماعة أن الياسينيين أتباع الشيخ عبد السلام ياسين يؤمنون بحدوث المعجزة سنة 2006، وهو تصور قديم أنتجته التنظيمات الدينية السرية، مثلما هو الشأن بالنسبة للدافيديين "أتباع ديفيد كوريش"، الذين قضوا في ولاية تكساس، بعد أن أوهمهم زعيمهم بتنفيذ عملية انتحار جماعي للتخلص من ذنوب الدنيا والصعود إلى الجنة .
وقد بدأ أعضاء الحركة من التيار المتشدد في بناء هذا التصور الانقلابي، من خلال رفع وتيرة الاحتجاجات الطلابية، التي يسيطر عليها فصيل العدل والإحسان، واستغلال بعض المظاهرات السلمية ذات الطابع الاجتماعي، وتنظيم الرباطات الدينية الداخلية، والتركيز على خرجات الشيخ عبد السلام ياسين بدعوى التنزه في إيفران أو أكادير أو غابة المعمورة من أجل إثارة الرأي العام، وعرض ياسين في صورة "المرشد العام الخليفة"
وقالت المصادر ذاتها إن الجماعة دخلت مرحلة متقدمة في الدعاية لهذه الأفكار الغريبة عن المجتمع المغربي المسالم من خلال منشورات الحركة، التي هي عبارة عن كتب يساهم في إعدادها أعضاء الجماعة، وتصدر باسم الشيخ عبد السلام ياسين مثل الإسلاميون والحكم، الإسلام غدا، الخلافة والملك، بالإضافة إلى تدشين مواقع إلكترونية جديدة وتطوير اللقاءات عبر الانترنيت في ما يعرف بـ "لقاء الأحد"، الذي يتواصل فيه ياسين مباشرة مع مريديه والمتعاطفين مع أفكاره.
ويحاول أعضاء مجلس الإرشاد في الجماعة توظيف وسائل الإعلام الوطنية والدولية لتلميع صورة الحركة وإبراز توجهها السلمي، وفي الوقت نفسه التعبير عن وجهة نظر الحركة تجاه ثلاث قضايا أساسية الوضع العام في المغرب، والمشاركة في العمل السياسي، والحوار مع النظام وباقي التيارات السياسية، الشيء الذي عبر عنه الناطق الرسمي باسم الجماعة فتح الله أرسلان ورئيس الدائرة السياسية للحركة عبد الواحد المتوكل ونادية ياسين في حواراتهم مع الصحف المغربية والأجنبية.
ورأى مراقبون أنه، من خلال تخصيص جلسات خاصة في فروع الجماعة بعدة مناطق للحديث عن ما يسمى بـ "المبشرات الموعودة لتحقيق "القومة«، بات واضحا أن أعضاء الحركة يراهنون كثيرا على الإشاعة لقتل الحقيقة، وممارسة التضليل الإعلامي بدعوى أن الجماعة تنبذ العنف وتدعو إلى السلم .
ويعبر عن هذا التوجه عبد السلام ياسين في أحد لقاءاته بمقر الجماعة بقوله "القومة وما أدراك ما القومة ماذا سنعمل؟ إن انتظاراتنا أكبر"، وهكذا فإن عددا من أعضاء الجماعة يطرحون السؤال العريض حول مبدأ "التقية"، الذي يمارسه مجلس الإرشاد على باقي مكونات الجماعة، في ما يخص إخفاء حقيقة التوجه الانقلابي للحركة من أجل "إقامة الخلافة على منهاج النبوة«، وهي أدبيات تم استلهامها من أفكار مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بمصر حسن البنا ومن كتابات العالم الباكستاني أبو الأعلى المودودي
وتفيد مصادر من الجماعة أن تيار "شباب العدل والإحسان"بدأ في إعداد شعارات وأناشيد تدعو إلى "القومة"، حيث جرى توظيف جزء من أغنية المسيرة الخضراء في نشيد "القومة"بالقول قومي يا أرض بلادي، أرضك أصبحت حرة ، كما يسهر شباب الحركة على إعداد موقع إلكتروني جديد بغرض الدعاية لهذه الأفكار وإشاعتها عبر الانترنيت.
وفي السياق نفسه، جرى تأسيس لجنة للعلاقات العامة والإعلام مكلفة بالرد على ما ينشر في الصحافة والإعداد للمشروع الإعلامي المقبل والتواصل مع المنظمات الإسلامية في العالم وفتح حوار مع البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية غير الحكومية المعتمدة بالمملكة، وذلك قصد استقطاب أصوات مؤيدة، وكسب عطف الغرب، حتى يتسنى الاستفادة من تجربة الإخوان المسلمين في مصر، خصوصا أن الولايات المتحدة تشمل بعطفها كثيرا حزب العدالة والتنمية الذي سيستفيد أمينه العام الدكتور سعد الدين العثماني من دعوة خاصة للمعهد الوطني الديمقراطي لزيارة واشنطن في أبريل المقبل، وحركة التوحيد والإصلاح التي يستفيد رئيس تحرير صحيفتها مصطفى خلفي من دورة تدريبية بمعهد كارنيجي في موضوع الإسلام السياسي.
ويتوقع متتبعون للحركات الإسلامية ولنشاط الجماعة أن تكون 2006 سنة التصدعات والانشقاقات داخل الحركة بسبب اتساع الهوة بين القاعدة والقمة، وتزايد حالة الغضب والاحتجاج في صفوف "شباب العدل والإحسان"و"اللجنة الحقوقية"و"الدائرة السياسية"، في الوقت الذي يحتكر مجلس إرشاد الجماعة الخطة المستقبلية للحركة، ويقع تهميش باقي الأعضاء، الذين لا يؤخذ بآرائهم، بدعوى أنهم لم يصلوا بعد إلى درجة الإحسان، ومن واجبهم الاستماع فقط دون الإدلاء بوجهات نظرهم، وكل هذا من شأنه توسيع دائرة الخلاف، وتعميق الانشقاق، مما سيؤدي، حسب المتتبعين، إلى بروز ثلاثة تيارات، واحد يتشبث بأفكار عبد السلام ياسين، ويستمر في الدعوة "للخلافة«، والثاني يراهن على دخول اللعبة السياسية من خلال الالتحاق بتنظيمات سياسية موجودة في الساحة، خصوصا العدالة والتنمية والبديل الحضاري، والثالث يسعى إلى تأسيس حزب سياسي جديد.
يشار إلى أن حركة الإصلاح والتوحيد كانت وجهت "رسالة النصيحة"لجماعة العدل والإحسان، أكدت فيها أن "ما وصلت إليه عندكم ثقافة الرؤى، قد بلغ من الغزارة والغرابة، حدا لا مثيل له في تاريخ الأمة سلفا وخلفا"، موضحة أن "المجاهدات والاجتهاد في العبادات لا يمثل ضمانة ولا يعطي لأصحابه حصانة من تطرق الخلل والزلل في الفهم والاعتقاد والعمل.
بل قد يكون هذا الاجتهاد والاغترار به سببا ومدخلا لعدد من الانزلاقات والانحرافات، خاصة مع ضعف التمحيص العلمي و التفكير النقدي".
وشددت الإصلاح والتوحيد على أن أعضاء جماعة العدل والإحسان "قد بالغوا وأسرفوا في ترويج رؤاهم والتعويل عليها"، وأضحت "مصدرا ومجالا للمدح والإطراء والتبجيل والتفضيل لشيخ الجماعة ومرشدها، مع إحاطته من خلالها بكثير من معاني العصمة والقداسة والمنزلة الأسطورية"، مما جعل الإصلاح والتوحيد تعتبر أن "هذه الموجة الأخيرة من الرؤى قد احتوت على كثير من الغرائب والمناكر المستبشعة، التي يمجها ويشمئز منها كل ذوق سليم، فضلا عن الشرع وأحكامه وآدابه".