تصوير: يونس الرهوني
تصوير: يونس الرهوني
كشف محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن حصيلة أنشطتها برسم سنة 2025، سجلت ارتفاعا في عدد الملفات التي توصلت بها من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا سنة 2025، موزعة بين 237 شكاية و183 تبليغا، قبل أن تبلغ 742 ملفا منذ بداية سنة 2026 إلى حدود أمس الجمعة 16 أكتوبر 2026.
وأضاف أن المغرب حصل سنة 2025 على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد، مقابل 37 نقطة سنة 2024.
وأكد بنعليلو، خلال ندوة صحفية، خصصت لعرض حصيلة أنشطة الهيئة برسم سنة 2025، بالعاصمة الرباط، في أول تقرير سنوي يقدمه منذ تعيينه على رأس الهيئة، أن المملكة راكمت مكتسبات تشريعية ومؤسساتية مهمة "غير أنها لا تنعكس بالقدر نفسه في الحياة اليومية للمواطن والمقاولة"، مشددا على أن "المسافة بين الإصلاح كما تقرره النصوص والإصلاح كما يعيشه الناس تظل من أبرز التحديات التي يضعها التقرير".
واعتبر أن هذا الارتفاع مؤشر دال على الثقة وسهولة الولوج إلى الهيئة، مع التنبيه إلى أن عدد الملفات لا يقيس وحده حجم الفساد. وفي المقابل أبرز أن 218 ملفا صرح فيه بعدم الاختصاص و84 بعدم القبول، ما يكشف، حسب بنعليلو، فجوة بين انتظارات بعض المتوجهين إلى الهيئة وحدود اختصاصاتها، محملا إياها مسؤولية توضيح دورها وشروط قبول التبليغات.
وشدد على أن الحكومة الجديدة مطالبة بـ"مواصلة الإصلاح وترسيخ النزاهة في السياسات العمومية، واستكمال الإطار التشريعي لمنظومة مكافحة الفساد، وتحويل النصوص والمبادرات إلى نتائج وإلى ممارسات يلمسها المواطن، بما يضمن جاذبية الاستثمار وحماية المال العام، وإعداد استراتيجية وطنية جديدة من جيل جديد، من أجل عمل أكثر حرفية ومهنية، وأكثر ملائمة لمكافحة الفساد ومحاربة الرشوة"، موضحا أن التقرير السنوي لا يكتفي بعرض المعطيات، بل يبحث في دلالاتها، ويتفادى ثنائية النجاح المطلق والفشل المطلق، بالاعتراف بالمكتسبات ومواجهة الاختلالات في الآن نفسه، في انسجام مع المخطط الاستراتيجي للهيئة للفترة 2025-2030.
مؤشر مدركات الفساد.. تحسن بنقطتين لا يمحو التراجع
أبرز رئيس الهيئة، في مداخلته المطولة، التي قدم فيها التقرير في 6 محاور أساسية، أن المغرب حصل في مؤشر مدركات الفساد سنة 2025 على 39 نقطة من 100 مقابل 37 نقطة سنة 2024، وذلك بفارق نقطتين، متقدما من المرتبة 99 من 180 دولة إلى المرتبة 91 من 182، بمقدار ثمانية مراتب، معتبرا ذلك "إشارة إيجابية لكنها لا تسمح بالقول إن المغرب استعاد ما فقده منذ بداية منحى التراجع سنة 2018، وأن النتيجة ما تزال دون المتوسط العالمي البالغ 42 نقطة".
ودعا إلى قراءة حذرة لتقدم ثماني مراتب قائلا إن "الترتيب يتأثر بتطور نتائج الدول الأخرى وبعدد الدول المشمولة، بينما تتيح النقطة قراءة أكثر مباشرة لتقييم المغرب"، موضحا أن تحليل المصادر التي يستند إليها المؤشر أظهر أن التحسن الإجمالي لم يكن موحدا، إذ تحسن اثنان من المؤشرات الفرعية الثمانية، واستقر أربعة، وتراجع اثنان، مسجلا أن القدرة على بناء القواعد والمؤسسات ما تزال أكبر من القدرة على ضمان تطبيقها وإنتاج أثرها، وأن هذه الفجوة تظهر في "تعثر الشفافية المالية والامتثال رغم تطور الأطر القانونية، وفي الصعوبات التي تواجهها المقاولة، وفي الحاجة إلى تقوية حماية الحقوق وفعالية المساءلة، فضلا عن هشاشة في أخلاقيات العمل الإداري والسياسي وتدبير تنازع المصالح".
وعلى المستوى الوطني، أفاد أن معطيات المتابعات الجنائية والتأديب المالي تعكس دينامية في الكشف والمساءلة، لكنها تظهر اختلالات تتكرر في المجالات نفسها وبأنماط متقاربة، كالصفقات العمومية والتدبير الترابي والتعمير، متسائلا "لماذا تستمر بعض الاختلالات بالطريقة ذاتها رغم كشفها ومساءلة مرتكبيها؟".
التبليغ الآمن.. حماية المبلغ مفتاح كشف الفساد
وبخصوص آليات الرقابة والتحري، أشار بنعليلو إلى أن الكثير منها ينطلق من معلومة يقدمها شخص شاهد واقعة أو لاحظ اختلالا، مؤكدا أن التزام الهيئة تجاه المبلغين يقتضي مسارا موثوقا يحترم السرية وقرينة البراءة والحقوق الأساسية، معتبرا أن التوصل بتبليغ لا يعني ثبوت الفساد، ولا يبرر المساس بسمعة أي شخص.
وعرض بنعليلو أبرز الإجراءات التي اعتمدتها الهيئة في هذا الباب، وتتمثل في:
-وضع دليل للمساطر يؤطر معالجة الملف، من التسجيل إلى اتخاذ القرار، ويوحد معايير الدراسة ويجعلها قابلة للتتبع.
-اعتماد آليات لإخفاء هوية المبلغ وفصلها عن الوثائق المتداولة أثناء الأبحاث، مع حفظ معطياته الشخصية في محاضر سرية، وإمكانية تمتيعه بأشكال الحماية الواردة في قانون المسطرة الجنائية.
-تنويع قنوات التبليغ بين الإيداع المباشر والبريد العادي أو المضمون والبريد الإلكتروني والمنصة الإلكترونية "تبليغ فساد"، إضافة إلى مركز نداء أُطلق في أبريل 2026 تحت الرقم 3003.
-دعم المنظومة بنظام معلوماتي لتسجيل الملفات، وتتبع مراحل معالجتها والاحتفاظ بأثر رقمي للعمليات المنجزة، مع لوحات قيادة وتقارير تحليلية.
توصيات الهيئة.. آراء ما زالت تنتظر التنفيذ
واستعرض رئيس الهيئة آراءها وتوصياتها لسنة 2025، والتي همت 3 مجالات لم تحظ، بحسب تعبيره، بالتفاعل المنتظر. ففي مجال النزاهة الانتخابية، كشف أن الهيئة اقترحت، في رأي وجهته إلى رئيسي مجلسي البرلمان، 4 مداخل تتعلق بحرمان من صدرت في حقهم عقوبات عن المحاكم المالية بموجب المادة 54 من مدونة المحاكم المالية من أهلية الترشح للانتخابات التشريعية، ونقل مقتضيات تنازع المصالح من النظام الداخلي لمجلس النواب إلى القانون التنظيمي، وإلزام الأحزاب بمواثيق للأخلاقيات وتعزيز شفافيتها المالية، وحماية المبلغين عن الجرائم الانتخابية الذين يتصرفون بحسن نية.
أما في مجال المسطرة الجنائية، فأوضح أن الرأي الذي عرض أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالبرلمان، ركز على 5 قضايا، شملت "الحفاظ على قدرة النيابة العامة على المبادرة بالبحث والمتابعة في الجرائم الماسة بالمال العام، دون ربط تحريكها بإحالات محددة سلفا. وملاءمة قواعد التقادم مع الطبيعة الخفية لجرائم الفساد، عبر تعليق سريانه أو احتسابه من تاريخ انتهاء العلاقة الوظيفية. صون دور الجمعيات في الانتصاب طرفا مدنيا، دون اشتراط إذن مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل. فضلا عن الاستفادة من التحقيق الإعدادي في الجرائم المعقدة، كجنايات الفساد وغسل الأموال. وضبط نطاق الامتياز القضائي وعدم التوسع غير المبرر في الاختصاص الاستثنائي".
وفي مجال استرداد العائدات غير المشروعة، أفاد بنعليلو أن الهيئة دعت إلى إحداث مؤسسة عمومية متخصصة لتدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة، بعدما سجلت تفاوتا بين تطور الإطار القانوني للحجز والمصادرة والبنية المؤسساتية المكلفة بتدبير تلك الأصول.
عقد من الاستراتيجية الوطنية.. حصيلة وأثر لم يتحقق
كما كشف بنعليلو، خلال مداخلته، خلاصات تقييم الهيئة لعشر سنوات من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي انتهى أفقها الزمني سنة 2025، معتبرا أن تعدد المبادرات التشريعية والتنظيمية والإجرائية لم يتحول إلى أثر يوازي الطموح المعلن، ولم ينعكس بالقدر المأمول على مؤشرات النزاهة.
وأوضح أن نسبة الإنجاز التي صرحت بها الجهة الحكومية، والبالغة نحو 76 في المائة، لا تعكس الإنجاز الفعلي، إذ بين التدقيق أن المشاريع المنجزة بالكامل لا تتجاوز 54 في المائة، فيما ظل 32 في المائة في طور الإنجاز، ولم يطلق 14 في المائة منها أصلا. ولم تحترم آجال التنفيذ سوى 38 في المائة من المشاريع المنجزة، وكانت المشاريع التشريعية الأكثر تعثرا بنسبة إنجاز كامل بلغت 44 في المائة، مقابل 57 في المائة للمشاريع الإجرائية والتقنية.
وسجل أن التقدم هم بالأساس أوراشا تقنية، كتدوين المساطر ونشرها ورقمنة بعض الخدمات وإحداث آليات لتلقي الشكايات، بينما تعثرت إصلاحات مهيكلة، منها تجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير التصريح الإجباري بالممتلكات والوقاية من تنازع المصالح، لافتا إلى أن التقرير انتقد كذلك تعديلات المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية، معتبرا أنها "تضيق على دور المجتمع المدني في الإبلاغ وعلى دور النيابة العامة في المتابعة، وتتراجع عن مكتسبات قائمة منذ سنة 2003".
وبخصوص الأهداف المرقمة، أشار إلى أن مؤشر مدركات الفساد انتقل من 37 نقطة سنة 2016 إلى 43 نقطة سنة 2018، قبل أن يتراجع إلى 37 نقطة سنة 2024 ثم يعود إلى 39 نقطة، بعيدا عن هدف قفزة قدرها 23 نقطة، وتراجع ترتيب المغرب في مؤشر التنافسية العالمي من المركز 70 إلى 75 من 140 بلدا، مقابل هدف التقدم بـ25 مرتبة، وفقد 32 مرتبة في مؤشر العدالة العالمي منذ 2016 ليحتل المركز 92 من 142 بلدا سنة 2023. واستثنى من ذلك مؤشر ممارسة الأعمال، الذي ربح فيه المغرب 15 مرتبة ليبلغ المركز 53 من 190 دولة، بحسب آخر إصدار سنة 2020.
وعزا بنعليلو هذا التعثر إلى التصميم والحكامة وأدوات القيادة، مبرزا كثرة المشاريع دون ترتيب للأولويات حسب المخاطر، وانعقاد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، المحدثة بمرسوم سنة 2017، مرتين فقط بدل اجتماعين كل سنة، إلى جانب غياب منظومة متكاملة لإدارة الأداء والمخاطر، وضعف وضوح التمويل، ومحدودية التواصل، وصعوبة الحفاظ على الأولويات خلال عشر سنوات.
وللمرحلة المقبلة، اقترح التقرير استراتيجية جديدة تقوم على ثلاثة مستويات: تعزيز منظومة الوقاية والكشف والزجر، واستهداف المجالات الأكثر تعرضا للمخاطر، وبناء دعامات أفقية تشمل المعرفة وأدوات القياس والتحول الرقمي والتواصل وتقييم الأثر. داعيا إلى منح الأولوية للإصلاحات المؤجلة، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع وتطوير التصريح بالممتلكات، وإقرار إطار متكامل لتنازع المصالح وحماية المبلغين، وإلى مراجعة المرسوم المؤطر للجنة الوطنية، وإحداث لجان دائمة متخصصة وربط البرمجة بالموارد الفعلية، مقترحا تخفيض الأفق الزمني للاستراتيجية من عشر سنوات إلى خمس أو أقل.
وختم بالتأكيد على أن مكافحة الفساد ورش وطني جماعي، وأن المواطن ينتظر أن يلمس النزاهة في الخدمة التي يتلقاها، والقرار الذي يمس حقوقه، والفرصة التي ينافس عليها، معتبرا أن المعيار الذي سيحكم به على المرحلة المقبلة هو القدرة على تحويل الإصلاحات إلى أثر مستدام.
تصوير: يونس الرهوني