يتجدد النقاش حول الهجرة في إسبانيا على وقع التجاذبات السياسية وتصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين، وفي مقدمتهم المغاربة، في وقت تكشف الأرقام الرسمية عن حضورهم الوازن في سوق الشغل ومساهمتهم في قطاعات اقتصادية أساسية، فضلا عن دورهم في دعم الاقتصاد المغربي من خلال التحويلات المالية الموجهة إلى أسرهم.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز المغاربة كأكبر مجموعة من العمال الأجانب المنخرطين في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني، إذ بلغ عددهم 425 ألفا و64 أجيرا، وفق أحدث المعطيات التي أوردتها بيانات وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية. وتضع هذه الأرقام المغاربة في المرتبة الأولى من حيث عدد المنخرطين الأجانب، متقدمين على الكولومبيين الذين بلغ عددهم 387 ألفا و371 شخصا، والرومانيين بـ338 ألفا و810 أشخاص، والفنزويليين بـ250 ألفا و468 شخصا.
ويشكل العمال المغاربة 16.2 في المائة من مجموع الأجانب المنخرطين في نظام الضمان الاجتماعي، ما يعكس مكانتهم داخل سوق العمل الإسبانية، خاصة في قطاعات ترتبط مباشرة بالنشاط الاقتصادي اليومي، من قبيل الفندقة والمطاعم والفلاحة والبناء.
حضور وازن في قطاعات حيوية
وتظهر المعطيات المنشورة أن العمال المغاربة يمثلون 33.7 في المائة من المنخرطين الأجانب في قطاع الفندقة والمطاعم، و30.7 في المائة في الفلاحة، و27.9 في المائة في قطاع البناء، وهي مجالات تعتمد على اليد العاملة وتؤدي دورا مهما في استمرارية أنشطة اقتصادية واسعة.
وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة في سياق النقاش السياسي حول كلفة الهجرة ومنافعها، إذ تبرز أن وجود العمال المغاربة لا يقتصر على الحضور الديمغرافي، وإنما يمتد إلى سوق الشغل والمساهمة في أنظمة الحماية الاجتماعية، من خلال العمل والتصريح بالأجور وأداء الاشتراكات المستحقة.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن النساء يمثلن 42.6 في المائة من مجموع الأجانب المنخرطين في الضمان الاجتماعي الإسباني، فيما تصل حصة العمال الأجانب في النظام الخاص بالعاملين المنزليين إلى 48.7 في المائة، بما يعكس أهمية اليد العاملة الأجنبية في عدد من الخدمات والأنشطة التي تحتاج إليها الأسر والاقتصاد الإسباني.
تحويلات مالية تدعم الاقتصاد المغربي
ولا تتوقف آثار الهجرة المغربية عند حدود سوق العمل الإسبانية، بل تمتد إلى الاقتصاد المغربي عبر التحويلات المالية التي يرسلها أفراد الجالية إلى أسرهم، والتي تشكل موردا مهما للإنفاق الأسري والاستهلاك والاستثمار.
ووفق الأرقام الواردة في المادة المنشورة، بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بإسبانيا نحو مليار و589 مليون أورو خلال سنة 2025. ويعادل هذا المبلغ أكثر من 1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب، كما يجعل إسبانيا ثاني مصدر للتحويلات المالية نحو المملكة بعد فرنسا، بحصة تقارب 15 في المائة من مجموع التحويلات الواردة من الخارج.
وعلى المستوى الإجمالي، تمثل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج نحو 7.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمملكة، بقيمة سنوية تناهز 12 مليار أورو، وفق المصدر نفسه، وهو ما يجعلها موردا أساسيا للعملة الأجنبية، ومصدرا للدخل بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية.
وفي هذا السياق، تعتبر روت برميخو، الباحثة في المعهد الدراسات الملكي "إلكانو"، أن الجالية المغربية في إسبانيا تشكل فاعلا اقتصاديا مهما بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى قدرتها على توفير تدفقات مالية منتظمة، في مساهمة تقارنها الباحثة بأهمية أحد مصادر الصادرات الوطنية.
وتبرز هذه المعطيات الترابط القائم بين البلدين في مجال الهجرة والعمل والتدفقات المالية، إذ تستفيد قطاعات من الاقتصاد الإسباني من اليد العاملة المغربية، فيما تستفيد أسر مغربية من التحويلات التي يرسلها أفرادها العاملون في الجارة الشمالية.
الهجرة في قلب التجاذب الانتخابي الإسباني
في المقابل، تحولت الهجرة المغربية إلى أحد محاور الخطاب السياسي لحزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي يتخذ من ملف الهجرة موضوعا مركزيا في حملاته الانتخابية ومواقفه من السياسات الاجتماعية.
وذهب زعيم الحزب، سانتياغو أباسكال، إلى الادعاء بأن الإسبان يتعرضون للتمييز في الولوج إلى السكن الاجتماعي والمساعدات العمومية، وربط الضغط على المستشفيات بما وصفه بمنح الحكومة الأولوية للمهاجرين. كما يدافع الحزب عن مبدأ «الأولوية الوطنية»، الذي يرمي إلى إقرار معايير تفضيلية لفائدة المواطنين الإسبان في الاستفادة من بعض الخدمات والإعانات العمومية.
غير أن هذه التصريحات تثير نقاشا بشأن مدى استناد الخطاب السياسي إلى المعطيات الفعلية المتعلقة بالاستفادة من الخدمات الاجتماعية. فبحسب الأرقام التي أوردتها المادة المصدر، فإن الإسبان يمثلون 82.5 في المائة من مجموع 798 ألفا و312 شخصا يستفيدون من الحد الأدنى للدخل المضمون، وهو معطى يضع ادعاءات التفضيل الواسع للمهاجرين أمام الحاجة إلى التدقيق في الأرقام وشروط الاستفادة.
كما أشارت المادة إلى واقعة تتعلق بلوائح مرتبطة بالسكن في مدينة ماخاداوندا، قدمها حزب «فوكس» باعتبارها دليلا على استفادة مهاجرين من مساكن اجتماعية، قبل أن يتبين، وفق المصدر نفسه، أنها تضم مرشحين للمشاركة في عملية توزيع بالقرعة، وليس مستفيدين نهائيين. وأثارت الواقعة انتقادات بسبب الاستدلال على جنسية أشخاص انطلاقا من أسمائهم العائلية، دون إثبات رسمي لهوياتهم.
وفي ما يتعلق بالخدمات الصحية، أورد المصدر أن المهاجرين يستخدمون بعض خدمات النظام الصحي بوتيرة أقل من الإسبان، بما في ذلك زيارة الأطباء المتخصصين والتلقيح. غير أن تعميم هذه الخلاصات يظل رهينا بالاطلاع على الدراسات الأصلية ومنهجياتها والفئات التي تشملها، بالنظر إلى اختلاف أنماط الاستفادة بحسب العمر والوضع الاجتماعي وشروط الولوج إلى الخدمات.
بين الأرقام والخطاب السياسي
وتكشف المعطيات المتعلقة بالعمال المغاربة والتحويلات المالية عن جانب أساسي من العلاقات المغربية الإسبانية، يتجاوز الخلافات السياسية المرتبطة بالهجرة، ليشمل المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتبادلة.
فالمهاجر المغربي الذي يشتغل في الفلاحة أو البناء أو الخدمات بإسبانيا يساهم في النشاط الاقتصادي للبلد المضيف، كما يتيح دخله دعما ماليا لأسرته في المغرب، بما ينعكس على الاستهلاك والقدرة الشرائية والأنشطة الاقتصادية المحلية.