دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى معالجة اختلالات بنيوية حادة تعتري منظومة المخزونات الاحتياطية للمواد الأساسية، كاشفا ضمن نقطة يقظة تضمنها تقريره السنوي لسنة 2025 عن تراجع مستويات التخزين الوطنية إلى ما دون السعة القانونية المحددة في 60 يوما بالنسبة للمحروقات، ووصول نسبة التبعية لواردات الحبوب إلى مستويات قياسية بلغت 74 في المائة.
وشددت نقطة اليقظة على أن هذه الوضعية تزيد من هشاشة المملكة أمام التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وتقلبات الأسواق العالمية، مما يهدد الأمن الطاقي والغذائي ويؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، مؤكدا أن هذه التحذيرات تأتي في وقت تشكل المنتجات البترولية 51 في المائة من المزيج الطاقي الوطني لسنة 2025 باستهلاك إجمالي يناهز 12.8 مليون طن يسيطر عليه الغازوال بنسبة 73 في المائة، وسط توقعات بنموه بنسبة 16 في المائة في أفق سنة 2030. ويعمق هذا المنحى اعتماد المغرب الحصري على استيراد المشتقات المكررة منذ توقف مصفاة سامير سنة 2015.
ورغم رفع قدرات تخزين المواد البترولية السائلة بنسبة 36 في المائة والغاز المسيل بنسبة 43 في المائة خلال الفترة بين 2021 و2025، إلا أن المنظومة تعاني تمركزا جغرافيا خطيرا، إذ تستحوذ موانئ المحمدية والجرف الأصفر وطنجة على 80 في المائة من تخزين المحروقات السائلة، بينما تتركز أكثر من 70 في المائة من القدرة التخزينية لغاز البوتان في الكهوف الملحية بسوماس بالمحمدية. ورغم الشكوك المطروحة، أشار التقرير إلى أن عمليات الرصد التي أجراها مجلس المنافسة في النصف الثاني من مارس 2026 لم تثبت وجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة في محطات الوقود.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، اعتبر المجلس أن قطاع القمح اللين ينطوي على حساسيات استراتيجية في ظل تجاوز الاستهلاك الفردي سنويا بالمغرب حاجز 180 كيلوغراما، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وتأمين الحبوب والنشويات لزهاء 59 في المائة من السعرات الحرارية للسكان. ورغم تغطية المخزون الحالي للطلب بين 3 و4 أشهر، إلا أن المنظومة تظل مرتهنة للقطاع الخاص عبر 308 متدخلين يمتلكون غالبية طاقة التخزين البالغة 59 مليون قنطار سنة 2025، مقارنة بـ51 مليون قنطار سنة 2015 بنمو سنوي قدره 1.5 في المائة فقط. وتسيطر المخازن التقليدية على 59 في المائة من هذه القدرات الاستيعابية مقابل 41 في المائة فقط للمستودعات العصرية، علاوة على غياب الرؤية الشاملة بشأن مخزونات الضيعات الفلاحية التي تظل خارج نطاق تتبع المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني.
وفي تفاصيل الخلل الهيكلي، عزا التقرير هذه الوضعية إلى تقادم الإطار القانوني الصادر سنة 1971 وغياب النصوص التنظيمية الشارحة لمراسيم 1996، إلى جانب اعتماد المنظومة شبه الكلي على نظام التصريح الذاتي للفاعلين الخواص، وضعف الأثر الردعي للعقوبات وتواضع آليات المراقبة والتفتيش الميداني لغياب الصفة الضبطية المحلفة لدى المراقبين.
وليتجاوز الاقتصاد الوطني هذه الهشاشة البنيوية، دعت التوصيات الختامية للمجلس إلى إرساء نموذج مؤسساتي هجين يزاوج بين مخزونات استراتيجية تمتلكها وتديرها الدولة أو وكالات عمومية متخصصة بنسبة تقارب المتوسط الدولي البالغ 44 في المائة لدى دول الوكالة الدولية للطاقة، ومخزونات إجبارية للقطاع الخاص.
كما طالب التقرير بضرورة تحديث التشريعات، ورقمنة آليات التتبع، وإنشاء هيئة تفتيش محلفة، وتوسيع بنيات التخزين بالقرب من أحواض الإنتاج وفي التجاويف الملحية، مع إمكانية اقتطاع جزء من هوامش أرباح الشركات لتمويل قدرات التخزين، وإبرام عقود استيراد طويلة الأمد تقتنص فترات انخفاض الأسعار العالمية لضمان انتظام التزويد واستقرار الأسعار.