رمضان مراكش يسرق قلوب السياح الأجانب ويذيب فوارق الجنسية على مائدة الإفطار

الصحراء المغربية
السبت 11 أبريل 2026 - 21:33

حين تصبغ شمس الغروب صومعة الكتبية بلونها الذهبي، وتكف ساحة جامع الفنا التاريخية عن ضجيجها المعتاد لتستسلم لصمت مهيب يسبق الأذان بلحظات، يبدو المشهد مختلفا عن باقي الأيام العادية، العربات المزدحمة بالبشر بدأت تخلي مكانها لسكينة مفاجئة، وباعة العصير يتوقفون عن المناداة، بينما ترتفع في الأفق أدخنة "الحريرة" المنبعثة من المطاعم المتنقلة.

في مراكش، لم يعد رمضان طقسا دينيا يخص المسلمين وحدهم، بل تحول إلى تجربة روحية عابرة للحدود، تدفع السياح الأجانب لاكتشاف وجه آخر للمدينة: وجه الصبر، الكرم، والتعايش الذي يذيب الفوارق بين السائح الزائر والمراكشي المضيف عند أول رشفة شاي تحت سماء مراكش الدافئة.
خلال جولتها بدروب المدينة العتيقة لمراكش، وقفت "الصحراء المغربية" على بعض تفاصيل هذا التعايش الميداني، وصادفت سياحا أجانب اختاروا قضاء شهر الصيام في المدينة الحمراء.
على شرفة "رياض" يطل على صومعة الكتبية، يجلس مولر سائح ألماني يزور مدينة مراكش لأول مرة، يراقب بعينين ملؤهما الدهشة ذلك التحول الجذري في إيقاع المدينة العتيقة. يقول مولر بابتسامة "جئت للبحث عن الشمس، فوجدت نفسي وسط سيمفونية من الروحانية. في مراكش، لا تشعر أنك غريب في رمضان، بل تشعر أنك مدعو لمائدة عائلية كبرى".

سياحة هادئة

مع إشراقة الشمس الأولى، تلبس مراكش حلة من الهدوء الاستثنائي، أسواق "السمارين" و"الرحبة القديمة" بمحيط ساحة جامع الفنا، التي كانت تضج بالحركة، تبدو في الصباحات الرمضانية وكأنها تستريح من صخب الأمس، في المقابل يبدأ السائح الأجنبي اليوم بتحدٍ طريف للبحث عن فضاء لشرب فنجان قهوته الصباحية.
بينما تغلق المقاهي الشعبية أبوابها، تظل المطاعم السياحية والرياضات تقدم خدماتها ب"تحفظ" يحترم قدسية الشهر. لكن المثير للاهتمام ليس في البحث عن الطعام، بل في استمتاع السياح بهذا "البطء" الجميل.
 ستيفاني سائحة فرنسية، تجد ضالتها في التجول بين المتاحف والحدائق كـ "ماجوريل" التي تكون أقل ازدحاما، معتبرة أن "رمضان يمنحها فرصة لرؤية مراكش الحقيقية، بعيدا عن الاستهلاك التجاري"، في المقابل يراقب عدد من السياح بكثير من التقدير صبر التجار المحليين، ويحاول بعضهم الانخراط في "اللعبة" عبر تأخير وجبة الغداء، في نوع من التضامن الوجداني مع صيام أهل المدينة.
"الشباكية" و"التمر" لغة عالمية على مائدة مراكشية
حين يرتفع أذان المغرب من صومعة مسجد الكتبية التاريخي، تنكسر حدة الانتظار وتذوب الفوارق، يجلس السائح جنبا إلى جنب مع المراكشي فوق موائد "الرياضات" الفاخرة أو حتى على كراسي المطاعم المتنقلة بساحة جامع الفنا، في مشهد يتجاوز كونه وجبة طعام، ليتحول إلى لحظة انصهار ثقافي فريدة.
تبدأ الطقوس بتمريرة "الحريرة" الساخنة، حيث يشرح النادل بابتسامة مراكشية عريضة مكونات "الشباكية" و"التمر" للزائر المندهش، ويتبادل السائح الإسباني مع جاره المراكشي عبارات "بصحتك" و"شكراً"، وتتحول المائدة إلى برلمان إنساني مصغر. يراقب الأجانب بكثير من الإعجاب مشهد "تقاسم الرغيف"، وكيف يتسارع الجميع لخدمة الضيف وتذويقه "الطنجية" المراكشية التي خرجت لتوها من رماد "الفرناطشي"، ليدرك السائح في الأخير أن الإفطار ليس نهاية لجوع النهار، بل هو احتفاء جماعي بالصبر والكرم.
بعد الإفطار تمارس ساحة التراث العالمي بأنوارها وألوانها، إغرائها بجولة لاكتشاف سحر لياليها الرمضانية، حيث يعمل منظمو الحلقات على نسج ليالي جديدة لا تختلف في صخبها وضجيجها عن سابقاتها في الأيام العادية.
مريم أمال رئيسة جمعية حرفيي الحلقة والفرجة والتراث وجميع الفنون بساحة جامع الفنا، تقول في تصريحها لـ"الصحراء المغربية"، إن الإقبال الملموس على الساحة خلال شهر رمضان يعرف ذروته بعد ساعة الإفطار، حيث تحرص الفرق العاملة على تقديم مختلف عروضها، من موسيقى وأهازيج شعبية وعروض بهلوانية، وأخرى للقردة، علاوة على إقبال الزوار خلال هذه الفترة على الحكواتيين، مشيرة الى أن أعداد من الزوار يحرصون على التنقل بين الحلقات للاستمتاع بالعروض المقدمة.
ومع اقتراب نهاية الرحلة، وحين يحزم السائح حقائبه مغادرا المدينة الحمراء، يدرك أن ما يحمله معه ليس مجرد تذكارات مادية، بل هو إحساس فريد بالانتماء، حيث يكتشف السائح في رمضان مراكش أن المسافات الجغرافية تذوب أمام قيم المشاركة الإنسانية، فصوت "النفار" الذي يوقظ النيام، وهدوء الأزقة قبل الإفطار، وحفاوة الاستقبال، كلها تفاصيل حفرت في ذاكرته مفهوما جديدا للضيافة.
يغادر السائح الأجنبي مدينة مراكش وهو يحمل في قلبه دهشة "التعايش"، ومجموعة من التساؤلات من قبيل كيف لمدينة صائمة أن تفيض بكل هذا الكرم؟ وكيف لطقس ديني محلي أن يتحول إلى جسر عالمي للتواصل؟  لتظل تجربة رمضان في مراكش درسا في "فن العيش" المشترك، حيث لا يعود السائح مجرد عابر سبيل، بل يصبح جزءا من حكاية "بهجة" مراكشية لا تنتهي.




تابعونا على فيسبوك