إعلان حلول عيد الفطر في المغرب يوم الجمعة 20 مارس 2026، في وقتٍ كان كثيرون يتوقعون أن يكون الاحتفال في اليوم الموالي، يُعدّ مثالاً لافتاً يجسّد تداخلاً دقيقاً بين المعطيات الفلكية وظروف الرصد الميداني، عند تقاطع صرامة الحسابات مع واقع السماء.
كمال العلمي - المدير المنتدب- مجموعة لوماتان
في صلب هذه المسألة يوجد توقيت محدد يُعرف لدى علماء الفلك بـ«الاقتران». وقد حدث هذا الاقتران خلال ليلة الأربعاء 18 إلى الخميس 19 مارس، في تمام الساعة 01:23 صباحاً، حين اصطف القمر والأرض والشمس على خط واحد. في تلك اللحظة، يكون القمر غير مرئي تماماً من الأرض، لأن وجهه المضيء يكون متجهاً نحو الشمس، وهو ما يوافق طور «المحاق». وخلافاً للاعتقاد الشائع، فإن هذا التوقيت لا يعني ظهور الهلال، بل يمثل بداية الدورة القمرية، التي يبدأ بعدها القمر بالابتعاد تدريجياً عن الشمس ليصبح قابلاً للرؤية في سماء المساء.
وخلال يوم الخميس، واصل القمر ابتعاده البطيء عن الشمس، مكتسباً زاوية أكبر وإمكانية أعلى للرصد. ولم تصبح ظروف المراقبة مواتية إلا بعد غروب الشمس، الذي وقع حوالي الساعة 18:40 في جهة الدار البيضاء وعلى امتداد الساحل الأطلسي. عندها، بدأت محاولات رصد الهلال، ليُشاهد فعلياً قرابة الساعة 19:20 وسط آخر خيوط الشفق. وفي تلك اللحظة، كان قد مضى نحو 17 إلى 18 ساعة على حدوث الاقتران، ما يضع الهلال ضمن ما يسميه الفلكيون «منطقة الرؤية الحدّية»، حيث لا تكون إمكانية الرصد مؤكدة ولا مستحيلة.
وقد تضافرت أربعة عوامل حاسمة مكّنت من هذه الرؤية المبكرة. أولها عمر القمر، الذي، رغم حداثته، بلغ مستوى يسمح برصده بصعوبة بالعين المجردة. وثانيها المدة التي بقي خلالها القمر فوق الأفق بعد غروب الشمس، والتي قاربت 44 دقيقة، وهي مدة كافية لظهور خيط هلال رقيق جداً في ضوء الشفق. أما العامل الثالث فهو الزاوية الفاصلة بين القمر والشمس، المعروفة بـ«الاستطالة»، والتي، رغم تواضعها، تجاوزت الحد الأدنى اللازم لكي لا يغمر ضوء الشمس نور القمر بالكامل. ويضاف إلى ذلك عامل جوي غالباً ما يكون حاسماً وإن كان أقل تناولاً، ويتمثل في صفاء السماء بشكل استثنائي، ربما بفعل أمطار أو رياح حديثة ساهمت في تنقية الغلاف الجوي، ما قلّص تشتت الضوء وعزّز التباين، فسمح برؤية هلال كان يمكن أن تحجبه ظروف اعتيادية.
قد تبدو هذه العوامل، إذا نُظر إليها منفردة، عادية بالنسبة لغير المتخصصين. غير أن اجتماعها في مكان واحد وفي توقيت محدد يعكس توازناً بالغ الدقة. فحتى النماذج الفلكية الأكثر تقدماً، المستندة إلى معايير تجريبية مثل معايير «يالوب» أو «عودة»، تصنّف مثل هذه الحالات ضمن «مناطق عدم اليقين»، حيث تتراوح إمكانية رؤية الهلال بين الممكن والصعب. وفي مثل هذه الحالات الحدّية، يعتمد الرصد بقدر كبير على صفاء الغلاف الجوي وخبرة الراصدين ودقة ملاحظتهم. ويجد المغرب، بحكم موقعه الجغرافي الغربي وصفاء سمائه المتكرر، نفسه في كثير من الأحيان ضمن ظروف ملائمة لمثل هذا الرصد المبكر، دون أن يجعل ذلك النتيجة مؤكدة دائماً.
ما حدث مساء 19 مارس يُعدّ نموذجاً كلاسيكياً لهلال يقع على حافة الرؤية، يمكن رصده في ظروف مثالية، لكنه قد يغيب عن عدد كبير من المراقبين الأقل خبرة أو الموجودين في بيئات أقل ملاءمة. وهذه الدقة تحديداً هي التي تفسر الفارق بين بعض التوقعات الفلكية، التي غالباً ما تتسم بالحذر، وبين ما يُرصد فعلياً على أرض الواقع.
غير أن هذا الحدث، إلى جانب تفسيره العلمي، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمعنى الزمن وإشاراته. ففي التقليد الإسلامي، لا يقتصر رصد الهلال على كونه إجراءً تقنياً، بل يندرج ضمن علاقة حية مع السماء، حيث لا تُغني دقة الحساب عن شهادة الرؤية. إن رؤية الهلال في وقت أبكر من المتوقع لا تناقض العلم، بل تكشف حدوده الطبيعية، حدود معرفة تصف القوانين دون أن تدّعي الإحاطة بكل تجلياتها.
وقد أتاح إعلان العيد يوم الجمعة لعدد كبير من المغاربة ظرفاً زمنياً مميزاً، تمثل في أربعة أيام متتالية من الاحتفال، وهي حالة نادرة مكّنت من إطالة أمد اللقاءات العائلية والاحتفاء بالمناسبة في أجواء من السكينة، امتداداً لروح شهر رمضان. وقد استُقبل هذا الامتداد الزمني، غير المتوقع لدى البعض، كنوع من التيسير، بل كنفحة بركة خفية في انتظام الزمن، ومساحة جماعية للتنفس وسط إيقاعات الحياة المتسارعة.
وهكذا، فإن وراء دقة هلال يكاد لا يُرى تتكشف حقيقة أعمق، حيث تتعايش صرامة القوانين الفلكية مع قدر من اللطافة التي تفلت من كل توقع مطلق. فما أظهرته السماء في تلك الأمسية لم يكن مجرد ظاهرة قابلة للقياس، بل تذكيراً هادئاً بأن السيطرة الإنسانية، سواء على نظام الكون أو على الزمن المعاش، تظل نسبية. وربما يكمن الفهم الأعمق لعيد الفطر في هذا التوازن بين الدقة والتواضع، حيث يُستقبل العيد بكل معانيه، امتناناً وخشوعاً.