اختفاء الطفلة سندس يفجر شائعات "سرقة الأطفال" بالمغرب.. بين الخوف الجماعي وفوضى الأخبار المضللة

الصحراء المغربية
الأربعاء 11 مارس 2026 - 17:56

موجة فيديوهات ومنشورات على مواقع التواصل تربك الأسر وتغذي القلق المجتمعي وخبراء يحذرون من خطورة الشائعات

أعاد اختفاء الطفلة سندس في مدينة شفشاون تسليط الضوء على قضية اختفاء الأطفال في المغرب، وهي قضية تثير حساسية كبيرة داخل المجتمع بسبب أبعادها الإنسانية والنفسية. فبعد الإعلان عن اختفاء الطفلة، التي لم يتجاوز عمرها سنتين، تحولت الحادثة بسرعة إلى موضوع نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل معها آلاف المغاربة بالدعاء والمشاركة في نشر صورها أملاً في العثور عليها. في الوقت نفسه، انطلقت عمليات بحث ميدانية واسعة شاركت فيها السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية إلى جانب متطوعين من سكان المنطقة، في مشهد يعكس حجم التضامن الشعبي مع الأسرة، لكن بينما كانت التحقيقات الرسمية جارية، بدأ فضاء الإنترنت يشهد انتشاراً غير مسبوق لمنشورات وفيديوهات تتحدث عن “شبكات لسرقة الأطفال”، ما أدى إلى تصاعد حالة من القلق والخوف داخل عدد من الأسر المغربية.

الشائعات تسبق التحقيق
في غضون ساعات قليلة، انتشرت عبر منصات مثل فيسبوك وتيك توك عشرات الفيديوهات التي تزعم وقوع محاولات اختطاف للأطفال في مدن مختلفة من المغرب. بعض هذه المقاطع حصد آلاف المشاهدات والمشاركات، رغم أن مصادرها غير معروفة أو أنها تعود إلى وقائع قديمة أو إلى دول أخرى. هذا التدفق السريع للمعلومات غير المؤكدة خلق حالة من الارتباك لدى العديد من المواطنين، حيث أصبح من الصعب التمييز بين الخبر الحقيقي والمعلومة المضللة. ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن منصات التواصل الاجتماعي تلعب دوراً مركزياً في تضخيم هذا النوع من الأخبار، إذ تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتويات المثيرة للمشاعر القوية مثل الخوف أو الغضب، لأنها تحقق مستويات عالية من التفاعل.

تدخل السلطات لنفي الأخبار الزائفة
أمام تصاعد هذه الشائعات، خرجت السلطات المغربية لتوضيح حقيقة ما يتم تداوله، فقد أكدت المديرية العامة للأمن الوطني في بلاغ رسمي أن الادعاءات المتعلقة بوجود شبكات منظمة لاختطاف الأطفال أو الاتجار بالأعضاء في المغرب لا أساس لها من الصحة. وأوضحت المؤسسة الأمنية أن التحريات التي باشرتها مصالحها أظهرت أن عدداً من الفيديوهات المتداولة يعود إلى حوادث قديمة أو إلى سياقات خارج المغرب، مؤكدة أنها لم تسجل أي قضية حديثة تتعلق بشبكات منظمة لاختطاف الأطفال كما يتم الترويج لذلك على الأنترنت.
من جهتها، نفت وزارة الداخلية المغربية صحة الأخبار التي تحدثت عن إصدار مذكرة تحذيرية موجهة إلى المدارس بشأن “انتشار ظاهرة اختطاف الأطفال”، مؤكدة أن هذه المعطيات لا تستند إلى أي مصدر رسمي.
ودعت السلطات المواطنين إلى التحلي باليقظة والتأكد من صحة المعلومات قبل مشاركتها، محذرة من أن نشر الأخبار الكاذبة قد يخلق حالة من الذعر داخل المجتمع ويؤثر على الإحساس العام بالأمن.
بالتوازي مع عمليات البحث، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الفيديوهات والمنشورات التي تتحدث عن “شبكات لسرقة الأطفال” أو “محاولات اختطاف” في مدن مختلفة من المغرب. بعض هذه المقاطع حصد آلاف المشاركات خلال ساعات قليلة، رغم أن عدداً منها يعود إلى حوادث قديمة أو إلى وقائع لا علاقة لها بالمغرب.
وتوضح المعطيات أن إعادة تداول فيديوهات قديمة أو إخراجها من سياقها ساهم في خلق حالة من القلق الجماعي بين المواطنين. فقد أظهرت عمليات تتبع المحتوى الرقمي أن عدداً من التسجيلات المتداولة كانت مرتبطة بحالات اختفاء قديمة لأطفال لم يثبت فيها أي طابع إجرامي، لكنها أعيد نشرها على أنها وقائع حديثة مرتبطة بعمليات اختطاف.
ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن مثل هذه الظواهر أصبحت أكثر شيوعاً في عصر الشبكات الاجتماعية، حيث تنتشر الأخبار المثيرة بسرعة كبيرة، خاصة عندما ترتبط بمواضيع حساسة مثل سلامة الأطفال، وهو ما يخلق أحياناً فجوة بين الواقع الفعلي والانطباع العام لدى المواطنين.
أمام انتشار هذه الأخبار، تدخلت السلطات المغربية لتوضيح حقيقة ما يتم تداوله. فقد أكدت المديرية العامة للأمن الوطني في بلاغ رسمي أن المزاعم المتعلقة بوجود شبكات منظمة لاختطاف الأطفال أو الاتجار بالأعضاء في المغرب لا أساس لها من الصحة، مشيرة إلى أن مصالح الأمن لم تسجل أي قضية من هذا النوع مرتبطة بهذه الادعاءات.


عندما يتحول الخوف إلى ظاهرة جماعية
وراء هذا الانتشار السريع للشائعات يكمن عامل نفسي واجتماعي مهم، يتمثل في ما يعرف بـ “الخوف الجماعي”. وهو مفهوم يشير إلى حالة من القلق المشترك تنتشر داخل المجتمع نتيجة تداول أخبار أو أحداث مثيرة للقلق، حتى وإن كانت الوقائع الفعلية محدودة. في مثل هذه الحالات، تتحول حادثة فردية إلى رمز لخطر أوسع في المخيال الجماعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة الأطفال. فالخوف على الأبناء يعد من أقوى المشاعر الإنسانية، ما يجعل أي خبر يتعلق بهم ينتشر بسرعة ويثير تفاعلا عاطفيا كبيرا. ويفسر علماء الاجتماع هذه الظاهرة بكون المجتمعات المعاصرة أصبحت أكثر عرضة لما يسمى “عدوى الخوف”، حيث تنتقل المشاعر السلبية بسرعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تماماً كما تنتقل المعلومات.

وسائل التواصل… تضخيم الخطر
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل، بل أصبحت مصدراً أساسياً للأخبار بالنسبة لعدد كبير من المواطنين. غير أن هذه المنصات تتيح أيضاً انتشار المعلومات غير الدقيقة بسرعة كبيرة، خاصة عندما يتم تداولها دون تحقق. في حالة اختفاء الطفلة سندس، ساهمت مقاطع الفيديو المتداولة في تضخيم الإحساس بالخطر، حيث ربط البعض بين الحادثة وفرضيات تتحدث عن وجود شبكات إجرامية منظمة، رغم غياب معطيات رسمية تؤكد ذلك. ويحذر خبراء الإعلام الرقمي من أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى خلق صورة غير واقعية عن مستوى الأمان داخل المجتمع، إذ تتحول الحالات الفردية إلى ما يشبه “ظاهرة عامة” في تصور المواطنين.

الأسر بين الحذر والقلق
انعكست هذه الأجواء على الحياة اليومية لعدد من الأسر المغربية، حيث أصبح العديد من الآباء أكثر حذراً في السماح لأطفالهم بالخروج بمفردهم أو اللعب في الشارع. كما انتشرت عبر مجموعات “واتساب” رسائل تحذيرية تدعو إلى مراقبة الأطفال بشكل دائم، وهي رسائل غالباً ما تكون مبنية على معلومات غير مؤكدة. ورغم أن الحذر يعد سلوكاً إيجابياً لحماية الأطفال، إلا أن المختصين يشيرون إلى أن الإفراط في الخوف قد يؤدي إلى آثار نفسية سلبية، سواء على الآباء أو على الأطفال أنفسهم.

خطر الشائعات
تطرح هذه الظاهرة أيضا سؤال المسؤولية الإعلامية في التعامل مع القضايا الحساسة. فالتغطية الصحفية المتوازنة يمكن أن تساهم في توضيح الحقائق وتهدئة المخاوف، بينما قد يؤدي نشر المعلومات غير المؤكدة إلى تعزيز الشائعات. وفي هذا السياق، يؤكد خبراء الإعلام أن الصحافة المهنية تلعب دورا أساسيا في التحقق من المعلومات وتقديمها في سياقها الصحيح، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن المجتمعي.

التحدي: التحقق قبل المشاركة
في زمن تنتشر الأخبار بسرعة غير مسبوقة، يصبح التحقق من المعلومات مسؤولية مشتركة بين الإعلام والمؤسسات والمواطنين. فمشاركة فيديو أو منشور دون التأكد من مصدره قد تبدو خطوة بسيطة، لكنها قد تساهم في خلق موجة واسعة من الخوف أو التضليل. ولهذا يدعو مختصون في الإعلام الرقمي إلى تعزيز الثقافة الرقمية لدى المواطنين، من خلال تشجيعهم على التحقق من مصادر الأخبار وعدم الانسياق وراء المحتويات المثيرة التي تنتشر بسرعة على الأنترنت.

بين الخوف والواقع
تكشف قضية اختفاء الطفلة سندس كيف يمكن لحادثة واحدة أن تتحول بسرعة إلى نقاش وطني واسع، وأن تفتح الباب أمام موجة من الشائعات في الفضاء الرقمي. وبين الخوف المشروع على الأطفال وضرورة التحلي بالمسؤولية في تداول المعلومات، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين اليقظة المجتمعية وعدم الانجرار وراء الأخبار غير المؤكدة. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحوادث نفسها، بل أيضاً في الطريقة التي يتم بها تداولها وتفسيرها داخل المجتمع.

بين الواقع والشائعة
يؤكد عدد من المختصين أن حالات اختفاء الأطفال قد تحدث لأسباب متعددة، منها الضياع أو الخلافات العائلية أو الهروب، بينما تبقى حالات الاختطاف المنظم أقل انتشاراً مقارنة بما يتم تداوله على الأنترنت. كما يشير خبراء في الإعلام الرقمي إلى أن الخوارزميات في شبكات التواصل الاجتماعي تساهم في تضخيم المحتويات المثيرة للقلق أو الخوف، لأنها تحقق نسب مشاهدة وتفاعل أكبر.

مسؤولية الإعلام ومواقع التواصل
تطرح هذه الظاهرة أيضاً سؤال المسؤولية الإعلامية في التعامل مع مثل هذه القضايا، خاصة في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر المنصات الرقمية. فالتغطية غير الدقيقة أو نشر فيديوهات دون تحقق قد يؤدي إلى نشر الذعر داخل المجتمع، في حين أن التحقق من المعلومات ونقلها بشكل مهني يساهم في تهدئة المخاوف وتقديم صورة أكثر دقة للواقع.

الحاجة إلى التوعية الرقمية
في ظل تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار، يؤكد مختصون أن التوعية الرقمية أصبحت ضرورة ملحة، سواء بالنسبة للمواطنين أو المؤسسات. ويشدد هؤلاء على أهمية التحقق من مصدر المعلومات قبل مشاركتها، وعدم الانسياق وراء المحتويات المثيرة التي قد تكون مضللة أو مفبركة. كيف يمكن لحادثة واحدة أن تتحول بسرعة إلى موجة واسعة من الشائعات عبر الفضاء الرقمي. وبين الخوف المشروع على الأطفال وضرورة التحلي بالمسؤولية في تداول المعلومات، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين اليقظة المجتمعية وعدم الانجرار وراء الأخبار غير المؤكدة.

*************** 

عبد اللطيف حجي : الإشاعات تعكس القلق الاجتماعي ولا تنشأ من فراغ

قال عبداللطيف الحاجي، باحث في علم الاجتماع، إن الإشاعات لا تنشأ من فراغ ولا تنتشر بشكل عشوائي، مؤكداً أن هناك سياقات اجتماعية معينة تتسم بالقلق والغموض ونقص المعلومات الموثوقة، والتي تجعل المجتمع أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير المؤكدة.
وأضاف الحاجي أن الإشاعة لا يمكن تناولها باعتبارها مجرد خبر كاذب، فهي في كثير من الحالات تتغذى على وقائع أو أحداث حقيقية، ولو كانت جزئية أو معزولة، قبل أن يتم تضخيمها أو إعادة تأويلها داخل المخيال الجماعي. وأبرز أن هذه الظاهرة تصبح أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة تمس الأمن أو الأطفال أو الصحة أو القيم الأخلاقية، حيث تتفاعل المخاوف الاجتماعية والتصورات المسبقة مع الحدث لتصبح قابلة للتصديق والانتشار بسرعة.

وأوضح الحاجي أن الإشاعات حول اختطاف الأطفال، مثل تلك المتداولة في مناطق مثل زاكورة، تستند في الغالب إلى مخيال جماعي متشكل من قصص متداولة في الذاكرة المحلية، كحكايات عن اختطاف الأطفال لاستعمالهم في طقوس مرتبطة باستخراج الكنوز. وأكد أن ظهور خبر جديد، حتى لو كان غير مؤكد أو مبتور من سياقه، يجد أرضية جاهزة للتصديق داخل هذا المخيال، فيتم ربطه تلقائياً بالقصص السابقة، ما يحوّل الإشاعة إلى إعادة تنشيط لذاكرة اجتماعية مليئة بالخوف والتفسيرات الأسطورية، حيث يمتزج الواقع بالمتخيل ويصبح الحد الفاصل بينهما ضعيفاً، خاصة مع سرعة انتشار الأخبار عبر الوسائط الرقمية.
وأشار الحاجي إلى أن أحد أهم أسباب انتشار الإشاعات هو الفراغ المعلوماتي؛ فعندما لا تتوفر معلومات دقيقة أو سريعة حول حدث ما، يبدأ الأفراد في ملء هذا الفراغ بتفسيرات أو روايات غير مؤكدة، مضيفاً أن قوة الإشاعة تزداد كلما اجتمع عاملان: أهمية الموضوع بالنسبة للناس وغموض المعلومات المتوفرة عنه. وأبرز أن قضايا اختطاف الأطفال تثير خوفاً جماعياً كبيراً، يجعل المجتمع أكثر استعداداً لتصديق الأخبار المرتبطة بها.
وأكد الحاجي أن العواطف الجماعية تلعب دورا أساسيا في انتشار الإشاعات، حيث تنتقل المشاعر بين الأفراد كما تنتقل العدوى، خاصة في اللحظات التي يشعر فيها الناس بالتهديد أو القلق على سلامتهم وسلامة أبنائهم. 
وأشار إلى أن الثورة الرقمية غيّرت بنية انتشار الإشاعة بشكل جذري، فخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تعطي الأولوية للمحتويات الصادمة والمثيرة، مما يجعل الإشاعات أحياناً تنتشر أسرع من الخبر الصحيح.
كما أشار الحاجي إلى أن خاصية المشاركة السريعة وإعادة النشر تجعل المستخدم ناقلاً للمعلومة دون التأكد من صحتها، لافتاً إلى أن غالبية الأشخاص ينشرون الإشاعات بدافع التحذير أو القلق، وليس التضليل، وهو ما يضاعف انتشارها داخل الشبكات الاجتماعية. وأكد أن الثقة في المؤسسات تلعب دوراً حاسماً، ففي المجتمعات التي تشهد ضعفاً في الثقة بين المواطنين والمؤسسات، يميل الناس أكثر إلى تصديق الروايات غير الرسمية، ما يجعل الإشاعة مؤشراً على أزمة ثقة أو فجوة في التواصل بين المجتمع والمؤسسات.
واختتم الحاجي تصريحه بالتأكيد على أن تأثير الإشاعات كبير ومتعدد المستويات، فهي قد تخلق حالة من الهلع الجماعي، وتدفع الناس إلى سلوكيات غير عقلانية، مثل الاتهام العشوائي للأشخاص أو الشك في الغرباء، كما قد تؤدي أحياناً إلى توترات اجتماعية أو انتشار خطاب الكراهية، ما يضع المجتمع أمام تحدٍ مزدوج بين مواجهة الخوف الجماعي وضمان توفر المعلومات الموثوقة.

******** 

نجاة أنوار: “حماية الأطفال مسؤولية جماعية وآلية "طفلي مختفي" عنصر حاسم في التدخل المبكر


تؤكد نجاة  أنوار أن موضوع اختفاء الأطفال يثير قلقا مشروعا لدى الأسر والمجتمع، غير أنه يستدعي التعامل معه بحذر ودقة، لأن كل حالة قد تكون لها ظروفها الخاصة، وتوضح أن حالات الاختفاء ليست بالضرورة مترابطة أو ناتجة عن السبب نفسه، إذ قد يكون الأمر في كثير من الأحيان مرتبطا بإهمال لحظي، أو بظروف عائلية معينة، أو حتى بهروب بعض القاصرين. 
ومع ذلك، تشدد  أنوارعلى أن اختفاء طفل واحد فقط يظل كافيا ليجعل المجتمع يتعامل مع القضية بكثير من الجدية واليقظة. وترى رئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” أن جزءا من القلق الذي يعيشه الرأي العام في الفترة الأخيرة يرتبط بسرعة انتشار الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول بعض الحالات بشكل واسع، وأحيانا دون التحقق من جميع المعطيات المرتبطة بها. وتضيف أن غياب إحصائيات دقيقة ومنتظمة حول ظاهرة اختفاء الأطفال قد يساهم بدوره في تضخيم الإحساس بوجود تزايد كبير في الحالات، حتى عندما تكون الوقائع مختلفة في طبيعتها وأسبابها.
وبخصوص أسباب اختفاء الأطفال، تشير رئيسة الجمعية إلى أنها متعددة ومتشعبة، إلا أن أكثرها شيوعا يرتبط بالإهمال اللحظي أو بالمشاكل الأسرية، أو بهروب بعض المراهقين من المنزل، فضلا عن حالات الاستدراج التي قد تتم أحيانا عبر الإنترنت، ولهذا، تؤكد أن الوقاية والتوعية تظلان من أهم الوسائل لحماية الأطفال والحد من المخاطر المحتملة.
وتبرز المتحدثة أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول في حماية الأطفال، من خلال اليقظة اليومية للوالدين، والحوار المستمر مع الأبناء، ومعرفة محيطهم وأصدقائهم، وهي عوامل أساسية يمكن أن تقلل من احتمالات تعرض الطفل لأي خطر. كما تشير إلى أن من بين الأخطاء الشائعة التي قد تعرض الأطفال للمخاطر تركهم يلعبون بمفردهم بعيداً عن أنظار الأسرة، أو ضعف مراقبة استخدامهم للإنترنت، إضافة إلى غياب التواصل داخل الأسرة، وهو ما قد يجعل الطفل متردداً في الحديث عن المشاكل أو المواقف التي قد يتعرض لها.
وتشدد أنور على أن حماية الأطفال لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية يشارك فيها مختلف الفاعلين داخل المجتمع، فالمجتمع المدني بحسب قولها، يمكنه القيام بحملات توعية وتحسيس، كما أن للمؤسسات التعليمية دورا مهما في تعليم الأطفال قواعد السلامة والوقاية، فضلا عن دور يقظة الجيران والمجتمع المحلي في الانتباه لأي سلوك مشبوه قد يشكل خطراً على الأطفال.
وفي السياق ذاته، تشير رئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” إلى أهمية آلية “طفلي مختفي” التي أطلقتها المديرية العامة للأمن الوطني، معتبرة أنها مبادرة مهمة تقوم على مبدأ التدخل السريع فور التبليغ عن اختفاء طفل، وهو عامل حاسم في مثل هذه الحالات. وتوضح أن هذه الآلية بدأت تعطي نتائج إيجابية، حيث تم العثور على عدد من الأطفال في وقت وجيز بفضل التبليغ المبكر وسرعة تدخل المصالح الأمنية.
وتختم أنور بالتأكيد على ضرورة التعريف بهذه الآلية بشكل أوسع حتى تصبح معروفة لدى جميع الأسر، مشيرة إلى أن المجتمع المدني يمكن أن يلعب دوراً مهماً في دعم هذه المبادرة من خلال توعية المواطنين بكيفية التبليغ والتصرف في حال اختفاء طفل، بحكم قرب الجمعيات من المواطنين وقدرتها على إيصال المعلومة بشكل مباشر وفعال.

**************** 

جمعية حقوق وعدالة: حماية الأطفال مسؤولية الدولة ومواجهة الإشاعات تتطلب الوقاية والتواصل
قالت جمعية حقوق وعدالة إن النقاش الدائر حول انتشار إشاعات اختطاف الأطفال ينبغي أن ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن حماية الطفولة مسؤولية الدولة في المقام الأول، قبل أن تكون مسؤولية الأسرة، وأوضحت الجمعية أن الدولة مطالبة بتوفير بيئة آمنة ومؤسسات فعالة قادرة على حماية الأطفال، بما يسمح للأسر بالقيام بدورها التربوي في ظروف مطمئنة. وأكدت الجمعية أن موجة الأخبار الزائفة التي تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي تساهم في خلق حالة من الهلع بين الآباء والأمهات، الأمر الذي يستدعي تدخلاً واضحاً من المؤسسات الرسمية والمدنية من أجل طمأنة المواطنين. وأضافت أن المطلوب لا يقتصر على نفي الإشاعات فقط، بل يتطلب أيضاً اعتماد تواصل فعال مع الرأي العام عبر مختلف الوسائط، من بينها التلفزيون والصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف تقديم معلومات دقيقة وتفنيد المعطيات غير الصحيحة المتداولة. وشددت الجمعية على أن الطمأنة وحدها لا تكفي، بل ينبغي موازاة ذلك مع تعزيز التدابير الوقائية لحماية الأطفال، سواء في الفضاءات العامة أو في محيط المؤسسات التعليمية. وأشارت إلى أن حالة الخوف التي يعيشها بعض الآباء قد تدفعهم إلى فرض رقابة مفرطة على أبنائهم، وهو ما قد يؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي ويحد من قدرتهم على التفاعل الطبيعي مع محيطهم. كما لفتت الجمعية إلى أن بعض الأحداث المؤلمة التي شهدتها المنطقة المغاربية، إلى جانب حوادث متفرقة داخل المغرب، ساهمت في تضخيم الإحساس بالخطر لدى المواطنين. غير أنها أكدت أن هذه الحالات، رغم خطورتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر خوف دائم داخل المجتمع، بل يجب أن تشكل دافعاً لتعزيز سياسات الوقاية والحماية. وفي هذا السياق، أعربت الجمعية عن استعدادها للمساهمة في حملات التوعية والتحسيس لفائدة الآباء والأطفال، من أجل نشر ثقافة الوقاية من الاعتداءات الجنسية ومن ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال. كما شددت على أهمية توعية الأطفال بحدود أجسادهم وبالسلوكيات التي يجب رفضها والإبلاغ عنها. وأبرزت الجمعية أن عدداً من حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال لا يتم التبليغ عنها، بسبب الخوف من الفضيحة أو الرغبة في تجنب المساطر القضائية، معتبرة أن هذا الصمت يزيد من معاناة الضحايا ويحرمهم من الدعم النفسي والقانوني الضروري. وقدمت الجمعية مثالاً على ذلك بحالة توصلت بها، حين أبلغت إحدى الجارات عن طفلة لا يتجاوز عمرها ست سنوات تتعرض لاعتداء جنسي من طرف والدها. وعندما حاولت الأم البحث عن السبل القانونية لحماية ابنتها، قوبلت بردود غير مشجعة، وهو ما اعتبرته الجمعية أمراً غير مقبول، لأن مثل هذه الجرائم تستوجب تدخلاً حازماً وعقوبات صارمة. وخلصت الجمعية إلى أن حماية الأطفال تقتضي تشجيع التبليغ عن حالات الاعتداء أو الاختطاف، مع توفير المرافقة النفسية والقانونية للضحايا وأسرهم، دون خلق حالة من الهلع داخل المجتمع، مؤكدة أن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء ثقافة مجتمعية قائمة على الثقة في المؤسسات واليقظة الجماعية لحماية الطفولة.




تابعونا على فيسبوك