في سياق وطني يتسم بتجدد النقاش حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين المجالات، خاصة بعد تفعيل ورش الجهوية المتقدمة وتنزيل مضامين دستور 2011، الذي نص صراحة على مبادئ الإنصاف والتوازن بين الجهات، يعود سؤال الفوارق الترابية ليطرح بإلحاح أكبر، فبين مراكز حضرية تعرف دينامية استثمارية متسارعة، ومناطق قروية أو شبه قروية لا تزال تعاني عزلة مركبة، يظل التحدي قائما في كيفية قياس هذه الفجوات بشكل علمي وموضوعي، بعيدا عن الانطباعات أو الحسابات السياسية الضيقة.
في هذا الحوار الذي خص به "الصحراء المغربية"، يقترح أنوار قورية، الخبير في الحكامة الرقمية والذكاء الترابي، اعتماد مؤشر مركب سماه "مؤشر التنمية والعدالة الترابية (IDET)"، باعتباره أداة كمية–نوعية قادرة على تحويل مطالب العدالة المجالية إلى معادلات رقمية قابلة للقياس والتتبع والمساءلة، كما يدافع عن توظيف الأنظمة المعلوماتية الجغرافية وتحليل البيانات المجالية لإرساء سلم أولويات شفاف لبرامج التنمية، شرط أن تواكبها ضمانات حكماتية وإرادة سياسية حقيقية تجعل من العدالة الترابية التزاما مؤسساتيا.
كما يغوص بنا أنوار قورية في رهانات هذا المقترح، ويطرح أسئلة "ما وراء التقنية": هل تكفي الرقمنة وحدها لرأب الفجوة بين المغربين؟ أم أن العدالة المجالية تظل رهينة إصلاحات مؤسساتية عميقة تعيد
ترتيب العلاقة بين المركز والجهات، وبين القرار السياسي والمعطى الرقمي؟
ماهي المتغيرات والمعطيات الكمية والنوعية التي ينبغي إدماجها في بناء مؤشر رقمي موثوق لقياس الفوارق الترابية، وهل البيانات المتاحة حاليا كافية لهذا الغرض؟
بصفتي خبيرا في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، أعتقد أن بناء مؤشر رقمي موثوق لقياس الفوارق الترابية يتطلب تجاوز النظرة الأحادية البعد، والانتقال إلى نموذج مركب يشبه اللوحة الرقمية التي تعكس الواقع المعقد، يجب أن يدمج هذا المؤشر، الذي يمكن تسميته مؤشر الفوارق الترابية IDT أو بصيغة مستحدثة، سأسميه مؤشر التنمية والعدالة الترابية IDET، يجب أن يدمج بين ثلاثة مستويات رئيسية من المتغيرات، أولها المتغيرات الهيكلية الأساسية/ الكمية، وهي العمود الفقري لأي قياس، وتشمل مؤشرات البنيات التحتية والخدمات الأساسية مثل الولوجيات، المتمثلة في كثافة وجودة شبكة الطرق، نسبة المسالك المعبدة، متوسط زمن الولوج إلى أقرب مستشفى أو مدرسة أو مركز إداري، الخدمات الاجتماعية التي تترجم نسبة التغطية الصحية، كثافة الأطر الطبية لكل ألف نسمة، مؤشرات نجاح وتفشي الهدر المدرسي، نسبة الربط بشبكات الماء الصالح للشرب والكهرباء والأنترنت عالي الصبيب...، الأنشطة الاقتصادية المتمثلة في كثافة الوحدات الاقتصادية، معدلات البطالة والتشغيل، طبيعة الأنشطة الاقتصادية السائدة (فلاحة، صناعة، خدمات)، ومؤشرات الهشاشة الاقتصادية، ثانيا المتغيرات النوعية والإدراكية، وهي التي تعطي عمقا للمؤشر وتجعلنا نقيس الإحساس بالفوارق، وهنا نستحضر جودة الخدمات، ليس فقط وجود مدرسة، بل جودة التجهيزات، مستوى تأهيل الأطر، ورضا المواطنين على الخدمات المقدمة، أيضا مؤشرات الثقة والتمثيل، وهي تنطلق من قياس مدى ثقة الساكنة في المؤسسات المنتخبة والمصالح اللاممركزة ترابيا، ومدى شعورهم بأن أصواتهم مسموعة في عملية صنع القرار التنموي، هنا أيضا الرأسمال البشري والمجالي، وهو يعتمد على مؤشرات الدينامية الثقافية والجمعوية، ومستوى التكوين المهني المتوائم والملائم للخصوصيات المحلية، ثالثا المتغيرات الديناميكية، وهي التي تقيس قابلية المنطقة للتطور، مثل مؤشرات جاذبية الاستثمار، ومعدلات الهجرة الداخلية...
أما بخصوص كفاية البيانات المتاحة حاليا، فبصراحة، هي غير كافية بشكل كبير لأن منظومتنا الإحصائية تعاني من إشكاليات عدة أبرزها التقادم، وهنا لا بد من الحديث عن الاعتماد المفرط على بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى الذي يجرى مرة كل عقد، وهذا لا يواكب التحولات السريعة التي تعرفها الجماعات الترابية، خصوصا العالم القروي، إشكالية المركزية، وهي غالبا ما تكون البيانات مجمعة على مستوى مركزي أو حتى جهوي، ما يحجب التفاوتات الكبيرة داخل الجماعة الواحدة أو بين الدواوير، إشكالية أخرى تتعلق بضعف الرقمنة والتحديث، المتمثلة في غياب لوحات قيادة رقمية محدثة آنيا على صعيد المراكز والجماعات المحلية، لذا، فإن الاشتغال على مؤشر موثوق يجب أن يسبقه أو يرافقه استثمار كبير في نظم معلوماتية لامركزية، تعتمد على البيانات الإدارية اليومية (كحالة الولادات والوفيات، بيانات المستشفيات، قوائم التلاميذ...) وتحدث آنيا، وهذا هو المدخل الحقيقي لصناعة مؤشر دقيق.
ما هي الإمكانيات التي يتيحها النظام المعلوماتي الجغرافي في رسم خرائط الهشاشة الترابية وتحديد المناطق ذات الأولوية التدخلية بشكل موضوعي ودقيق؟
النظام المعلوماتي الجغرافي SIG هو العين التي ترى بها الدولة التراب، والأداة التي تحول المجال الجغرافي إلى مجال معرفي، إمكانياته في رسم خرائط الهشاشة وتحديد أولويات التدخل تكاد تكون ثورية، ويمكن تلخيصها في تكامل الطبقات وإنتاج معرفة مركبة، بحيث يكمن السر في قدرته على دمج وتحليل طبقات معلومات لا حصر لها، كما يمكننا مثلا أن نأخذ طبقة توزيع السكان، ونطبق عليها طبقة البنيات التحتية (الطرق، المدارس، المستشفيات)، ثم نضيف طبقة الإنتاج الفلاحي، وأخرى للطبوغرافيا، وأخرى للتغطية بشبكة الأنترنت... الناتج عن هذا التداخل هو خريطة هشاشة ثلاثية الأبعاد، تحدد بدقة المناطق التي تتركز فيها عدة عوامل، وتلك التي تعاني من عزلة مركبة (بعد جغرافي + ضعف خدمات + هشاشة اقتصادية)، هناك أيضا إمكانية التحليل الوصفي والمكاني المتقدم لتحديد الأولويات، من منظور عام الجيوحكامة لا تقتصر على رسم الخريطة، بل تتعدى ذلك التحليل الذكي، فباستخدام أدوات تحليل الجوار والمسافات، يمكن للنظام أن يجيب عن أسئلة دقيقة من قبيل كم يبعد سكان دوار معين عن أقرب مستوصف؟ أو ما هو حجم الساكنة التي تبعد بأكثر من ساعة عن طريق معبد؟ أو أي المناطق هي الأكثر تأثرا بانهيار الخدمات الصحية؟... هذا التحويل للبعد الجغرافي إلى تكلفة زمنية أو تكلفة ولوج، هو ما يسمح بتحديد موضوعي ودقيق للمناطق ذات الأولوية القصوى، بناء على معايير قابلة للقياس وليس على حدس سياسي يفتقر لشروط الضبط، هناك أيضا عنصر محاكاة السيناريوهات المستقبلية ودعم التخطيط، حيث يسمح SIG للخبراء وصناع القرار باللعب على المتغيرات ومحاكاة تأثير أي مشروع قبل إنجازه، يمكننا مثلا أن نضيف مشروع طريق ونرى كيف ستتغير خريطة الخدمات، كم عدد المستفيدين الجدد، وأي المناطق ستتحول من الهشاشة إلى الاستقرار، هذه القدرة على المحاكاة تجعل من النظام المعلوماتي الجغرافي أداة تخطيط استباقية، وليست مجرد أداة تشخيص ارتجاعية.
كيف يمكن لنظام تحليل البيانات المجالية أن يسهم في وضع سلم أولويات شفاف لبرامج التنمية القروية، بعيدا عن المزايدات السياسية والحسابات الضيقة؟
هذا هو بيت القصيد، كيف ننتقل من المنطق السياسوي إلى المنطق الترابي في توزيع المشاريع، نظام تحليل البيانات المجالية SADT، إذا تم تصميمه بشكل سليم، يمكن أن يكون بمثابة آلية ضبط تفرض الموضوعية وتجرد القرار من الذاتية، ولكي يتحقق ذلك لابد من إضفاء الطابع الكمي على الأولويات من خلال بناء معادلة رياضية أو مؤشر مركب كـ IDT أو IDET الذين أشرت إليهما بالإجابة السابقة، نقوم بتحويل المطالب الاجتماعية إلى قيمة عددية، هذه المعادلة ترصد الوزن النسبي لكل منطقة بناء على حرمانها المتراكم في الصحة، التعليم، البنيات التحتية... فعندما يصبح قرار إعطاء أولوية لمنطقة معينة ناتجا عن عملية حسابية واضحة ومعاييرها معلنة كمؤشرات الفقر، ومستوى العزلة، وكثافة الخدمات، يصبح من الصعب جدا الطعن فيه أو تجاوزه لمجرد مزايدة سياسوية ضيقة، كما أن تحقق الموضوعية يقتضي الشفافية والتتبع العلني، بحيث يمكن بناء منصة رقمية مفتوحة Open Data تعرض خريطة الأولويات هذه، وتربطها بميزانيات المشاريع، تخيل أن المواطن يستطيع أن يرى على خريطة تفاعلية لماذا تم اختيار مشروع في دوار مجاور لدواره، وما هي المعايير التي جعلت هذا المشروع يحظى بالأولوية، هذا المستوى من الشفافية يحاصر الريع والمحسوبية، ويحول النقاش العام من من حصل على ماذا؟ إلى ما هي معايير الجدارة التي تستدعي تدخلا عاجلا هنا، الموضوعية تستوجب أيضا خلق لغة مشتركة بين الفاعلين، فعندما نجلس جميعا (المنتخب، الإداري، الخبير، فعاليات المجتمع المدني ووسائل الاعلام) حول لوحة قيادة رقمية واحدة، تصبح لغة الحوار موضوعية، فبدلا من النقاش حول الانطباعات، نتناقش حول الأرقام والمؤشرات، وهذا يحد من المزايدات والتصدعات التي تستند إلى الخطاب العام، ويفرض على الجميع تقديم حججهم بناء على واقع معاين وموثق، ما يخدم في النهاية الصالح العام ويحصن القرار العمومي التنموي.
ما هي الضمانات الحكماتية (الحكامة) الواجب اعتمادها لضمان أن تكون مخرجات هذه الأدوات الرقمية ملزمة للجهات المعنية وغير قابلة للتوظيف الانتخابي أو الحزبي؟
هنا نلمس الجانب الأكثر حساسية، وهو ضمان الجدوى والإلزامية لهذه الأدوات، فالرقمنة وحدها لا تحمي من سوء الاستخدام، بل تحتاج إلى مخطط حكامة رصين، أعتقد أن الضمانات الأساسية تتوزع على مستوى الإلزام المؤسساتي والتعاقدي، بحيث يجب أن لا تبقى مخرجات هذه الأنظمة مجرد مؤشرات استرشادية، بل يجب أن تتحول إلى التزامات تعاقدية، يمكن إدراجها كأساس لـعقد البرنامج بين الدولة والجهة، وبين الجهة والجماعات، عندما يصبح توزيع الاعتمادات المالية مرتبطا بمؤشرات الأولويات هذه، فإنها تكتسب قوة إلزامية لا يمكن تجاوزها دون مساطر استثنائية وشفافة، أما على مستوى التدقيق والمراقبة المستقلة، فالأمر يتوقف عند إنشاء هيئة وطنية مستقلة للتقييم والعدالة المجالية، يمكن أن تكون مرتبطة بالمؤسسات الدستورية ومؤسسات الحكامة كالمجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تتولى مهمة التدقيق في مدى مطابقة قرارات توزيع المشاريع والميزانيات لمخرجات هذه الخرائط والمؤشرات، فوجود هيئة محايدة تنشر تقارير سنوية عن الفجوة بين الأولويات الرقمية والقرارات الفعلية، تشكل رادعا قويا ضد التوظيف الانتخابي، مسألة الانفتاح والمساءلة المجتمعية، ستشكل ضمانة لأن تكون المنصة الرقمية ومنهجية بناء المؤشرات في متناول الجميع، إذ يجب أن يتمكن المواطنون والصحافيون والباحثون من تحميل البيانات، وفهم المعادلات، ومقارنة الأولويات المعلنة بالمشاريع المنفذة على أرض الواقع، هذه اليقظة المجتمعية هي أقوى ضمانة لعدم تحول هذه الأدوات إلى ترف رقمي أو أداة دعائية، عندما تكون كل عين تراقب، يصبح من الصعب توظيف المال العام انتخابيا...
هل تعتقدون أن اعتماد هذه الأدوات الرقمية وحدها كاف لتحقيق العدالة المجالية، أم أن هناك اشتراطات سياسية ومؤسساتية لا غنى عنها لتفعيل هذه المنظومة على أرض الواقع؟
قطعا لا، ليست كافية وحدها، أن نعتقد أن الأدوات الرقمية وحدها قادرة على تحقيق العدالة المجالية أو الترابية هو وهم تقني خطير، هذه الأدوات هي البوصلة التي ترشدنا، لكنها لا تمشي على الأرض، تحقيق العدالة الترابية يتطلب، بالإضافة إليها، توفر إرادة سياسية حقيقية وإصلاح مؤسساتي جريء، حيث لا يمكن لأداة رقمية أن تجبر منتخبا أو مسؤولا على التخلي عن منطق المحسوبية إذا كانت المؤسسات تسمح بذلك، نحتاج إلى إرادة سياسية عليا تجعل من العدالة المجالية معيارا دستوريا وأساسيا للحكامة، وتتبنى إصلاحا لطرق تمويل الجماعات الترابية بشكل يجعلها أكثر إنصافا وربطا بالحاجيات الفعلية.
إن تحقيق العدالة المجالية يستوجب تأهيل الكفاءات البشرية وتغيير الذهنيات، فوجود خريطة رقمية متطورة لا قيمة لها دون أطر بشرية قادرة على قراءتها، وتفكيكها، وتحويلها إلى برامج عمل، وهذا يستدعي استثمارا كبيرا في تكوين المسؤولين الترابيين والتقنيين على استعمال هذه الأدوات، والأهم من ذلك، تحفيزهم على تبني ثقافة التدبير المبني على الدليل والمعطيات بدل التدبير الكلاسيكي الروتيني، العدالة تتطلب إقرار اللاتمركز الفعلي وإعطاء هامش للمبادرة المحلية، فالعدالة الترابية لا تعني فقط توزيعا عادلا للموارد من المركز، بل تعني أيضا تمكين الفاعلين المحليين من تصميم وتنفيذ مشاريع تلائم خصوصياتهم، فالنظام الرقمي يحدد الأولويات، لكن تنزيلها على أرض الواقع يحتاج إلى جماعات ترابية قوية، ذات موارد بشرية ومادية كافية، وقادرة على الابتكار وريادة الأعمال الاجتماعية.
في الأخير، تبقى الأدوات الرقمية شرطا ضروريا لتحقيق العدالة الترابية في القرن 21، فهي تمكننا من الرؤية بوضوح والتخطيط بدقة، رغم كونها مجرد أدوات، والروح التي تحركها هي الإرادة السياسية، الحكامة الرشيدة، المؤسسات القوية والإنسان المؤهل، التحدي الأكبر اليوم يتمثل في المزج الذكي بين الذكاء الرقمي والحكمة السياسية لبناء مغرب متضامن بلا سرعتين.