في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي عالميا، وبينما تسعى دول مثل الإمارات إلى وضع ضوابط صارمة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس، يطرح السؤال: أين يقف المغرب من هذا التحدي التربوي الجديد؟
وفي خطوة وصفت بـ"الرائدة"، أعلنت وزارة التربية والتعليم الإماراتية أخيرا عن حظر استخدامات محددة لتطبيقات مثل "تشات جي بي تي" داخل المؤسسات التعليمية، في خطوة تهدف إلى حماية النزاهة الأكاديمية وصون المهارات المعرفية للأجيال الناشئة، هذا القرار يطرح تساؤلات جوهرية حول تأثير هذه التقنيات على القدرات العقلية للأطفال واليافعين، خاصة مهارات التفكير النقدي، الإبداع، وحل المشكلات.
في المغرب، حيث تنتشر هذه الأدوات بسرعة بين الطلاب دون رقابة واضحة أو إطار تنظيمي محدد، تتصاعد المخاوف من تداعيات الاستخدام العشوائي لهذه التكنولوجيا على جودة التعليم ومستقبل المتعلمين، فبينما يمكن لهذه الأدوات أن تكون رافعة للتعلم إذا استخدمت بطرق مسؤولة ومدروسة، فإن الاعتماد الأعمى عليها قد يحول دون تطوير المهارات الأساسية التي يحتاجها الطفل لبناء شخصيته الفكرية.
السياق العام: ثلاثة اتجاهات في مواجهة الذكاء الاصطناعي
مصطفى الشاوي، أستاذ باحث في قضايا الإعلام والذكاء الاصطناعي
قبل الخوض في تفاصيل المخاطر والتأثيرات، وضع الأستاذ الباحث مصطفى الشاوي، في حديثه إلى "الصحراء المغربية"، السياق العام الذي يساعد على فهم المواقف المختلفة تجاه الذكاء الاصطناعي، محددا ثلاثة اتجاهات رئيسية سواء عند الباحثين أو عند عامة المستخدمين: الاتجاه الأول، ينكر الذكاء الاصطناعي واستخدامه في التعليم جملة وتفصيلا، ولمناصري هذا الاتجاه تبريراتهم وأدلتهم، إذ لا يذكرون للذكاء الاصطناعي فضلا ويعتبرونه تهديدا للبشرية جمعاء، وللتعليم والتعلم خاصة، ويمنعون إدماجه في المؤسسات التعليمية ويرفضون أي تعامل للطالب معه.
الاتجاه الثاني يضم فريقا من الباحثين الذين يعتبرون الذكاء الاصطناعي مفتاح النجاح وأساس التطور العلمي والمعرفي، وأنه بدونه يستحيل تحقق النهضة المعرفية والعلمية، ولهؤلاء أيضا أدلتهم العلمية والبحثية.
أما الاتجاه الثالث هو اتجاه وسطي يترنح بين الاتجاهين، فأصحابه يلحون على اعتماد الذكاء الاصطناعي واستخداماته في التعليم، ولكن استخداما مؤطرا وبضوابط أخلاقية وتقنية ومعرفية.
وفي هذا السياق، أكد الشاوي، استنادا إلى تجربته المهنية في تدريس الأطفال بالمدارس الابتدائية وبالجامعة المغربية، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم المغربي ضرورة تفرضها التطورات الكبيرة في مجال المعلومات في عصر المعرفة، ورفض استخدامه ومنع الطلاب من ذلك مخاطرة بجيل من الطلاب والمدرسين الذين قد نحرمهم من المواكبة، وتفوت عليهم قطار التنمية المعرفية، لكنه شدد على ضرورة تأطير هذا الإدماج والاستخدام من خلال تحقيق مناعة تراعى فيها خصوصيات المجتمع الدينية والوطنية والثقافية.
مدينة رقمية مجهولة المعالم: المخاطر التقنية والرقمية
أنوار قورية، الخبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
شبه أنوار قورية، الخبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، دخول الأطفال واليافعين إلى عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي بدون توجيه أو رقابة بـ"فتح باب مدينة رقمية مجهولة المعالم"، مشيرا إلى أن المخاطر تتوزع على مستويات متعددة، أبرزها خصوصية البيانات وأمن المعلومات.
وأكد قورية في تصريحه لـ"الصحراء المغربية" أن الأطفال غالبا لا يدركون قيمة المعلومات التي يقدمونها، موضحا أنه عندما يتفاعل الطفل المستخدم مع روبوت محادثة ذكي، فهو يشارك عن طيب خاطر معلومات حساسة مثل اسمه الكامل، عنوان منزله، اسم مدرسته، أو حتى مشاكل عائلية.
وحذر الخبير من أن هذه البيانات تخزن وتستخدم لتدريب النماذج اللغوية، مما يعني أن خصوصية العائلة بأكملها قد تكون معرضة للخطر، والأخطر من ذلك، كما يشير، أن بعض التطبيقات تحرص على جمع البيانات واستهداف الأطفال تجاريا، حيث يمكن استغلال تفاعلات الطفل واستخدامها لبناء ملف تعريفي دقيق عنه، يستخدم لاحقا للإعلانات الموجهة أو حتى للتأثير على سلوكه الشرائي وقراراته.
البنية التحتية الأمنية: ثغرات خطيرة
وفي سياق متصل، استحضر قورية أهمية البنية التحتية الأمنية، محذرا من أن العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الناشئة قد لا تمتلك أنظمة أمان متطورة، مما يجعلها هدفا سهلا للقراصنة الذين يمكنهم اختراق قواعد البيانات والوصول إلى محادثات الأطفال وصورهم وجميع بيانات أسرهم وعائلاتهم.
المحتوى المنتج: تهديد نفسي ومعرفي
وعلى مستوى المحتوى المنتج والتأثير النفسي والمعرفي، أشار الخبير إلى أن المشكلة تكمن في طبيعة عمل هذه الأدوات والنماذج نفسها، موضحا أن المحتوى غير اللائق والضار منتشر بكثرة، وأنه على الرغم من وجود حواجز حماية رقمية، إلا أنه يمكن التحايل عليها بسهولة أحيانا، وحذر في هذا السياق من أن الطفل يمكن أن يتعرض لمحتوى عنيف، جنسي، أو يحض على الكراهية، سواء بشكل مباشر أو من خلال توليد قصص أو صور تحمل هذه المضامين.
التضليل المعلوماتي وتآكل التفكير النقدي
في هذا الصدد، لفت قورية الانتباه إلى خطورة تطبيع المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، مشيرا إلى أن "الذكاء الاصطناعي التوليدي يتفوق في خلق أكاذيب مقنعة، وأضاف ان هذا المعطى بالنسبة لطفل أو يافع في طور تكوين تصوره عن العالم، سيخلق لديه تشويشا معرفيا سيصعب عليه تمييز الحقيقة من الخيال، مما يضعف لديه مهارات التفكير النقدي.
العزلة الاجتماعية والتعلق غير الصحي
أشار الخبير أيضا إلى أن التأثير على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، موضحا أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كصديق أو معالج نفسي قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، إضعاف المهارات الاجتماعية الحقيقية، وخلق تعلق عاطفي غير صحي بآلة، خاصة في سن المراهقة التي تتسم بالبحث عن الذات والفهم.
من الإبداع إلى الإبدال
وفي حديثه عن المخاطر التقنية، طرح قورية "جدلية الإبدال لا الإبداع"، مشيرا إلى أنه بدلا من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للإبداع، قد يصبح وسيلة سهلة للإنجاز، حيث يطلب الطفل من الأداة كتابة مقال أو حل واجب مدرسي، وحذر من أن هذا يندرج في مساعي الآلة التي تراهن على حرمان الطفل من عملية التعلم والتفكير النقدي والإبداعي، وتحوله من منتج للمعرفة إلى مجرد مستهلك لمخرجاتها البرمجية.
التأثيرات المعرفية والتربوية: من التفكير إلى الاستهلاك
التأثير على مهارات القراءة والفهم العميق
في هذا الصدد، أكد الأستاذ الباحث مصطفى الشاوي أنه من منظور علم النفس المعرفي، القراءة ليست مجرد استقبال للمعلومة، بل عملية نشطة تشمل الفهم، التحليل، الاستنتاج، وبناء المعنى، موضحا أنه عندما يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات جاهزة، تقل حاجة الطالب إلى القيام بهذه العمليات بنفسه، مشيرا إلى أن الدراسات التعليمية تؤكد أن الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى انخفاض المشاركة الذهنية وضعف القدرة على استرجاع المعلومات، مقارنة بالطلاب الذين يعتمدون على التفكير الذاتي، كما لفت إلى أن تقارير تعليمية أظهرت أن بعض الطلاب يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يجعل العمل المدرسي سهلا جدا، مما يقلل من الجهد الذهني والتعلم العميق.
ووفق نظرية "المعالجة العميقة" (Deep Processing)، أكد الشاوي أن التعلم الحقيقي يحدث عندما يعالج الدماغ المعلومات بعمق (تحليل، تفسير، ربط)، وليس فقط استهلاكها جاهزة.
التأثير على مهارات الكتابة والتعبير اللغوي
اعتبر الباحث أن الكتابة عملية معرفية مركبة تشمل: تنظيم الأفكار، اختيار المفردات، بناء الحجج، مراجعة النص، محذرا من أنه عندما ينتج الذكاء الاصطناعي النص بالكامل، لا يمر الطالب بهذه العمليات، وأضاف أن الاعتماد التام على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع مهارات الكتابة اليدوية والتعبير الذاتي، مشيرا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز الواجبات قد يضعف مهارات التفكير المستقل والتعبير الأصلي، فيتحول الطالب من منتج للمعرفة إلى مستهلك للنصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي.
التأثير على التفكير النقدي والتحليل
لا يشك الشاوي في أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يضعف مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، من خلال تعطيل القدرة على: تحليل المعلومات، تقييم مصادرها، طرح الأسئلة، بناء الحجج، وأكد أن هذه المهارات تتطلب جهدا معرفيا، لافتا إلى أن الاستخدام غير المنظم قد يؤدي إلى تفريغ عملية التفكير لصالح الآلة.
وأوضح شاوي أن الدماغ يعمل وفق مبدأ الاستخدام أو الفقدان (Use it or lose it)، فإذا لم يمارس التحليل، تضعف الشبكات العصبية المرتبطة بهذه المهارات.
المخاطر التربوية طويلة المدى: جيل بلا استقلالية فكرية
ضعف الاستقلالية الفكرية
تشير دراسات يستند إليها الشاوي إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى انخفاض القدرة على التفكير الذاتي، وضعف مهارات حل المشكلات، ثم الاعتماد على مصادر خارجية بدلا من التفكير الشخصي، وحذر من أن هذا قد ينتج جيلا يعتمد على الاستعانة المعرفية بدل الاستقلال المعرفي، موضحا أنه عندما تصبح الإجابة متاحة فورا، تقل الحاجة إلى البحث والقراءة والتفكير.
وقد أشار تقرير "أكسفورد"، بحسب الباحث، إلى أن بعض الطلاب أصبحوا أقل رغبة في التعلم الذاتي بسبب سهولة الذكاء الاصطناعي.
تهديد النزاهة الأكاديمية انخفاض الأداء الحقيقي
اعتبر الشاوي أن هذا من أخطر المخاطر، حيث يسود الغش الأكاديمي وتفقد الأصالة الفكرية ويصعب تقييم المستوى الحقيقي للطالب، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إنتاج محتوى غير أصلي، مما يهدد النزاهة الأكاديمية، كما نبه أن الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف قد يحققون نتائج أقل في الاختبارات مقارنة بمن يعتمدون على أنفسهم، معللا ذلك بـ"التعلم الظاهري دون بناء معرفي حقيقي".
المغرب في مرحلة انتقالية: الوعي الرقمي بين التفاوت والعجز
تقييم واقعي للوضع الحالي
عند تقييمه للوضع الحالي في المغرب من حيث الوعي الرقمي، وصفه قورية بـ"مرحلة انتقالية تعاني من فجوة رقمية وجيلية كبيرة"، مؤكدا أن هناك وعيا متزايدا بوجود هذه الأدوات، ولكنه وعي سطحي في الغالب، ولم يرق بعد إلى مستوى الفهم العميق للمخاطر والفرص.
الأسر المغربية: وعي متفاوت وعجز رقمي
بخصوص الأسر المغربية، أشار الخبير إلى أن منسوب الوعي غير ثابت، وهو متفاوت بشكل كبير، موضحا أن هناك شريحة من الأسر الواعية والمتابعة، لكن الغالبية العظمى إما لا تعلم بوجود هذه الأدوات، أو تعتبرها مجرد تقنية حديثة مثلها مثل أي شيء آخر على شبكة الإنترنت، ولفت الانتباه إلى "حالة من العجز الرقمي لدى أولياء الأمور"، حيث "يفتقرون إلى المهارات الأساسية لفهم كيفية عمل هذه التطبيقات، مما يجعلهم غير قادرين على مراقبة أبنائهم أو توجيههم، وفي الغالب ما يكتفون بمنع الاستخدام أو تركه دون أي رقابة".
المؤسسات التعليمية: في بداية المشوار
أما على مستوى المؤسسات التعليمية، فجزم قورية بأنها لا تزال في بداية المشوار، مشيرا إلى أن هناك مبادرات فردية معزولة لأساتذة ومدرسين متميزين يحاولون توظيف هذه الأدوات، لكنها غير معممة، وأضاف أن المناهج التربوية الدراسية لم تتطور بعد لتشمل التربية على الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن المؤسسات "غالبا ما تتعامل مع الموضوع إما بالمنع التام داخل الفصول دون منهجية رصينة، أو بالتجاهل التام لعدم وجود توجيهات رسمية واضحة."
توصيات عملية: من البديل إلى المساعد
في ظل غياب ضوابط واضحة، أكد الأستاذ الباحث مصطفى الشاوي على ضرورة اعتماد مقاربة تربوية استباقية، تستدعي انخراط الأسر والمدرسين ومختلف مكونات المجتمع، وقدم مجموعة من التوصيات العملية، مقترحا أنه بدلا من أن يطلب المتعلم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي كتابة موضوع كامل، يطلب منه المساعدة في إيجاد مراجع علمية ودراسات سابقة، ثم يحرر الموضوع بأسلوب شخصي أصيل.
تطبيق قاعدة "التفكير أولا – الذكاء الاصطناعي لاحقا"
وصف الباحث هذه القاعدة بـ"قاعدة تربوية فعالة"، حيث يحاول الطفل حل المسألة بنفسه، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي للمراجعة والتصحيح فقط، كما دعا إلى تعزيز الأنشطة التي تنمي التفكير وتشجيع القراءة الحرة، الكتابة اليدوية، النقاش، حل المشكلات، مؤكدا أن الطفل يجب أن يعي أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ، وليس كل ما يقوله صحيحا، لأن هذه الأدوات قد تنتج معلومات خاطئة أو مضللة أحيانا.
تغيير طبيعة التقييم في المؤسسات التعليمية
اقترح أنه بدلا من تقديم واجب كتابي منزلي فقط، يجب اعتماد عروض شفوية وكتابة داخل الفصل ومشاريع تحليلية، مؤكدا أن التقييم الأصيل يتطلب مهارات تفكير لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة.
تعليم "الثقافة الذكية للذكاء الاصطناعي" (AI literacy)
دعا الشاوي إلى تعليم الطلاب كيف يعمل الذكاء الاصطناعي، وحدوده وكيف يستخدم بشكل نقدي، مع ضرورة إدماج التربية على الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية.
تعزيز مهارات التفكير العليا
شدد الخبير التربوي والباحث في الإعلام والذكاء الاصطناعي على أهمية التحليل والمقارنة والنقد وحل المشكلات، لأن هذه المهارات هي الأكثر عرضة للتآكل بسبب الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي
الفجوات التي يجب سدها: خمسة محاور حاسمة
حدد الخبير أنوار قورية خمس فجوات رئيسية يجب على المغرب سدها بشكل عاجل، أولها الفجوة المعرفية مؤكدا على الحاجة الماسة لبرامج توعية وطنية موجهة للأسر، بلغة مبسطة، تشرح ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي، وكيف يعمل، وما هي مخاطره الحقيقية على الأطفال، وشدد على ضرورة أن تخرج هذه البرامج من الإطار الأكاديمي الضيق إلى فضاءات التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام الرسمي الوطنية.
ثانيا، الفجوة التدريبية حيث دعا قورية في هذا السياق، إلى إدراج وحدات تدريبية إجبارية للأساتذة والمعلمين ضمن برامج التكوين المستمر، موضحا أنه لا يمكن للمدرس أن يؤطر التلميذ في استخدام أداة لا يجيد هو استخدامها أو فهم مخاطرها.
ثالثا، الفجوة التأطيرية المؤسساتية، مشيرا إلى معاناة المؤسسات التعليمية من غياب دليل استعمال واستخدام رسمي، ومؤكدا على الحاجة إلى ميثاق أخلاقي وإجرائي على المستوى الوطني يوجه المدرسين والأسر حول كيفية التعامل مع هذه الأدوات في الوسط التعليمي، يحدد المسموح به والممنوع.
رابعا، الفجوة التشريعية، حيث استحضر قورية ما سبق أن أشار إليه في حوار مع "الصحراء المغربية"، بأن ترسانة القوانين الحالية غالبا ما تكون متأخرة عن اللحاق بالتطور التكنولوجي أو مراكبته، داعيا إلى ثورة خماسية الأبعاد وتشريعات واضحة تحدد السن القانوني لاستخدام هذه المنصات، وتضع مسؤولية واضحة على مقدمي الخدمات في حماية بيانات الأطفال.
الدرس الإماراتي: موازنة ذكية بين التمكين والحماية
المنهج الاستباقي لا التفاعلي
عند تقييمه للتجربة الإماراتية، وصفها قورية بأنها "متقدمة ورائدة"، وأنها "تقدم لنا نموذجا يمكن الاستئناس به وتكييفه مع خصوصيات السياق الوطني المغربي، مشيرا إلى أن الإمارات لم تنتظر حتى تقع المشكلة لتتحرك، بل تبنت إطارا تنظيميا وتوعويا متقدما على التطور التكنولوجي، وأكد أن هذا المنهج الاستباقي هو ما نحتاجه في المغرب، حيث يكون لدينا رؤية واضحة لكيفية التعامل مع هذه التقنيات قبل أن تنتشر بشكل واسع بين الأطفال.
الموازنة الذكية: تمكين آمن لا حظر مطلق
نوه قورية بما يسميه "الموازنة الذكية" في النموذج الإماراتي، موضحا أنه "لا يقوم على الحظر فقط، بل على التمكين الآمن، أي تمكين التلميذ الطفل من استخدام هذه الأدوات، ولكن داخل فضاء آمن ومؤطر، وأضاف أنه بالنسبة لنا في المغرب، هذا يعني أننا لا يجب أن ننشغل فقط بوضع جدران عازلة، بل يجب أن نبني منتزها رقميا آمنا يمكن للأطفال التعلم واللعب فيه.
المعلم كحجر زاوية
وأشار الخبير إلى أن الإمارات "تستثمر بشكل كبير في تدريب المعلمين على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وتعتبر المعلم هو حجر الزاوية في هذه العملية"، داعيا المغرب إلى "تخصيص جزء كبير من موارده لتدريب الأساتذة والمربين، وتحويلهم إلى مرشدين رقميين قادرين على قيادة التلاميذ في هذا العالم الجديد.
الميثاق الأخلاقي: لغة مشتركة للجميع
لفت قورية الانتباه إلى أن الإمارات كانت سباقة في وضع مدونات سلوك وأخلاقيات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، تحدد بوضوح حقوق وواجبات جميع الأطراف (طلاب، معلمين، إدارة، أولياء أمور)، مؤكدا أن هذا الميثاق يخلق لغة مشتركة ومرجعية واضحة للجميع، وهو ما ينقصنا بشدة في المغرب.
فرصة تاريخية لبناء نموذج مغربي
في هذا الصدد، أكد الأستاذ الباحث مصطفى الشاوي على أن الاستخدام المعتدل والموجه يعزز التعلم والتفكير، أما الاستخدام المفرط وغير المراقب فيقضي على التفكير النقدي والاستقلال المعرفي، وشدد على أن الذكاء الاصطناعي ليس خطرا في حد ذاته، لكن الخطر يكمن في استخدامه كبديل عن التفكير، وليس كأداة لتعزيزه.
ومن جهته، أكد أنوار قورية أن المملكة المغربية أمامها فرصة تاريخية لبناء نموذجها الخاص، مشددا على أنه ليس مطلوبا منها استنساخ التجربة الإماراتية، ولكن الاستفادة من روحها القائمة على الموازنة بين الابتكار والمسؤولية، وبين التمكين والحماية، وأضاف بما أننا "نظمنا المبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي ونحن مقبلون على هاكاثون رمضان للإبداع والابتكار، فالمطلوب اليوم هو الاستعداد لتنظيم وفتح نقاش وحوار وطني موسع يجمع التقنيين والتربويين وعلماء النفس وأولياء الأمور وصناع القرار، لوضع الأسس الأولى لهذا الإطار التنظيمي الذي يضمن لأطفالنا مستقبلا رقميا آمنا ومثمرا".
وفي الختام يمكن القول إن التجربة الإماراتية في تقنين استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل المؤسسات التعليمية تشكل جرس إنذار للمغرب، الذي يواجه نفس التحديات مع غياب إطار قانوني وتربوي واضح، وهو ما يدعو إلى فتح نقاش وطني جاد يشمل وزارة التربية الوطنية، الخبراء، الأسر والمجتمع المدني، لوضع استراتيجية متوازنة تستثمر إمكانات هذه التكنولوجيا في خدمة التعليم، مع حماية أبنائنا من مخاطرها المحتملة على قدراتهم العقلية ومستقبلهم الأكاديمي.