في مركز الإيواء الهماسيس بإقليم القنيطرة، لم يكن قدوم أميرة نهاية الأسبوع الماضي، مجرد حدث بيولوجي، بل لحظة إنسانية نادرة اخترقت قسوة الواقع، حين أطلت الرضيعة إلى الحياة، حاملة معها دفئا غير متوقع، وزارعة الفرح في قلوب أسر أجبرتها الفيضانات على مغادرة دواويرها والاحتماء بالمخيمات بعد أن باغتتهم مياه الفيضانات في جهة غرب البلاد.
في ذلك الفضاء المؤقت، حيث تختلط الهواجس بالانتظار، جاءت أميرة لتمنح للمجليين لحظة نسيان، ولو مؤقتة، لمأساة الإجلاء ولثقل فقدان البيت والأمان.
الأم، التي وضعت مولودتها داخل مركز الإيواء، تحكي في تصريح صحفي كيف وصلت وهي مثقلة بالحمل، يرافقها خوف مضاعف، خوف على مصيرها، وخوف أكبر على جنينها، وسط وضع استثنائي لم تكن تتخيل أن تعيشه يوما.
تستحضر الأم تفاصيل الاستقبال الأول، وتؤكد أن التسهيلات التي وفرتها السلطات الإقليمية بالقنيطرة، إلى جانب المواكبة الصحية، لعبت دورا مهما في عبورها مرحلة المخاض بسلام، تقول أم "أميرة"، والامتنان الصادق يختلج صدرها، إنها لم تشعر للحظة بأنها داخل مخيم إيواء، بل بين أهلها وناسها، وسط عناية واحتواء خففا من وطأة القلق، وحولا الخوف الطبيعي إلى إحساس بالاطمئنان والحب.
عملية الولادة، التي تمت داخل المركز، جرت في ظروف وصفتها الأم بـ"الميسرة"، بفضل الاهتمام الصحي المتواصل منذ لحظة وصولها، عناية جعلت من تجربة استثنائية كهذه تمر بأقل قدر ممكن من التوجس والتوتر الذين يطبعان الحامل في هذه اللحظة المصيرية من حياتها.
كم كان جميلا معاينة السلطات المحلية، وهي تبادر بتنسيق مع فعاليات من المجتمع المدني، إلى تنظيم حفل عقيقة للمولودة الجديدة، خروف نحر عرفانا بـ"أميرة"، وزغاريد علت في المكان، وفريق موسيقي أضفى على المخيم أجواء فرح غير معتادة، أعادت للفضاء المؤقت نبض الحياة، وجسدت قيم التآزر والتضامن التي تطبع المجتمع المغربي في لحظات الشدة.
لم يكن المشهد استعراضا للفرح بقدر ما كان تأكيدا على أن الإنسان، حتى في وضعية الهشاشة، يستحق الاحتفاء والاعتراف بإنسانيته، كانت الزغاريد شهادة صادقة على أن الحياة تقاوم، وأن الأمل يمكن أن يولد وسط الأزمات، مهما اشتدت قسوتها.
وفي لحظة الولادة، ونحن نتابع تفاصيلها داخل مركز الإيواء، لم يكن أمام خيمة أو فضاء مؤقت، بل أمام مشهد مغربي خالص، حيث تتقاطع الهشاشة مع الكرامة، والخوف مع التضامن، الفيضانات، بكل قسوتها، لم تستطع أن تجفف إنسانية الناس أو أن تسلبهم حقهم في الفرح.
ميلاد هذه الطفلة أعاد اليقين بأن العناية تصنع الأمل، والأمل قادر على أن يولد في أي مكان حتى وسط الكوارث الطبيعية، وأن التضامن حين يقترن بالعمل الجاد والمنسق قادر على تحويل مراكز الإيواء من فضاءات انتظار لانحصار السيول إلى أماكن تحفظ للناس حقهم في الفرح، ولو مؤقتا.