الشبكات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي: أي نموذج مغربي لحماية الأجيال الصاعدة وتمكينها رقميا؟

الصحراء المغربية
الثلاثاء 03 فبراير 2026 - 12:41

في زمن التحول الرقمي المتسارع، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات افتراضية للتواصل فقط، بل تحولت إلى قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي الجماعي، خاصة لدى فئة الشباب من الجيل الجديد، ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بتأثير هذه المنصات على الأمن المجتمعي والتنشئة الفكرية، أعادت بعض الدول، وعلى رأسها فرنسا، فتح نقاش عمومي واسع حول إمكانية حظر أو تقنين استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لإيجاد توازن دقيق بين حماية الحريات الفردية وصون الاستقرار الاجتماعي.

هذا الجدل يطرح أسئلة محورية حول مدى نجاعة مثل هذه الإجراءات، وشروط تنزيلها، وانعكاساتها على الأجيال الصاعدة، في ظل عالم رقمي تتحكم فيه الخوارزميات وتزداد فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي حضورا وتأثيرا، كما يفتح الباب أمام التفكير في الكيفية، التي يمكن من خلالها تسخير التكنولوجيا بشكل إيجابي، بدل الارتهان لآثارها السلبية.
ولمقاربة هذه الإشكالات، حاورت "الصحراء المغربية" أنوار قورية، الخبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، الذي قدم قراءة تحليلية لتجربة حظر مواقع التواصل الاجتماعي بفرنسا، واستعرض رؤيته حول تأثير هذه المنصات على تفكير الجيل الجديد، والرهانات المطروحة أمام المجتمعات للاستفادة الواعية من الثورة الرقمية، خاصة مع الصعود المتواصل لآليات الذكاء الاصطناعي.

هل يمكن للمغرب أن يحذو حذو فرنسا في قرار حظر مواقع التواصل الاجتماعي على القاصرين، أم أن الخصوصية القانونية والاجتماعية والتقنية للمملكة تفرض مقاربة مختلفة؟
 

إن قرار تنظيم استخدام القاصرين لمواقع التواصل الاجتماعية بشكل خاص وللفضاء الرقمي عامة، هو قرار يحمل في طياته حكمة بالغة من حيث المبدأ لكونه يروم حماية الناشئة من المخاطر المحتملة، التي تتراوح بين الاستغلال الجنسي والتأثير على الصحة النفسية والانعزال الاجتماعي، إلا أن تطبيق مثل هذا القرار يتطلب مقاربة تتناسب مع السياق الوطني الشامل، حيث إن المملكة المغربية تملك خصوصياتها القانونية والاجتماعية والتقنية التي تختلف عن الجمهورية الفرنسية، وهنا لا بد من إحاطة الفكرة بمختلف الجوانب الموضوعية ووضعها موضع التحليل على جميع المستويات، فعلى المستوى التشريعي والمؤسساتي، تمتلك المملكة المغربية، بالفعل، ترسانة قانونية وإطارا تشريعيا يتضمن قانون حماية المعطيات الشخصية والقانون المتعلق بالمجلس الوطني لحماية المعطيات الشخصية، كما أن القانون الجنائي يحتوي على نصوص تجرم الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، إلا أن هذا الإطار يحتاج إلى تطوير لمواكبة التحديات الجديدة، حيث يجب أن يرتكز أي تطور تشريعي على مقاربة تشاركية تدمج وجهات نظر جميع الفاعلين المعنيين بمن في ذلك الأطفال أنفسهم وفق مبدأ المشاركة الذي أقرته اتفاقية حقوق الطفل، من الناحية المؤسساتية يتطلب الأمر تعزيز دور المجلس الوطني لحماية المعطيات الشخصية وربطه بمؤسسات حماية الطفولة مع إمكانية إنشاء هيئة متخصصة في حماية القاصرين في الفضاء الرقمي تعمل بالتنسيق مع قطاعات التربية الوطنية والصحة والأسرة. على المستوى التقني والأمني، يواجه خطوة حظر تقني فعال تحديات جمة على مستوى البنية التحتية الرقمية حيث يتطلب الأمر نظاما متكاملا للتحقق من الهوية الرقمية مع ضمان الحماية القصوى للبيانات ذات الطابع الشخصي، وهذا يستدعي تطوير منظومة وطنية للهوية الرقمية الموثوقة تتوافق مع أعلى معايير الأمن السيبراني، كما أن تقنيات التحقق العمري الحالية تعاني من ثغرات كبيرة حيث يمكن التحايل عليها بسهولة مما يفرض تطوير حلول تقنية مبتكرة تجمع بين التحقق البيومتري المشروط بحماية الخصوصية وتقنيات الذكاء الاصطناعي (الوكيل والأتمتة) للكشف عن السلوكيات الرقمية للقاصرين مع الأخذ بعين الاعتبار التكلفة العالية لمثل هذه التقنيات والبنى التحتية اللازمة لها. أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فيمكن القول إن هناك اختلافا عميقا في السياق الاجتماعي المغربي والفرنسي من حيث بنية الأسرة ودورها في الرقابة حيث تلعب التنشئة الأسرية الموسومة بالنضج والانضباط، في كثير من الأحيان دورا مهما في التربية والمراقبة، غير أن نسبة كبيرة من الأسر المغربية مع كامل الأسف لا تملك الوعي الرقمي الكافي لممارسة رقابة فعالة مما يستدعي برامج توعية مكثفة قبل أي إجراء تقييدي، علاوة على أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تختلف حيث يعتبر الهاتف الذكي بالنسبة لبعض الأسر وسيلة تعلم وعمل وليس فقط ترفيها مما يجعل أي حظر كلي خطوة غير عملية في بعض الحالات وتستدعي إعادة النظر في جوهرها. أما بخصوص النموذج المقترح للتدرج في التنفيذ، فأرى أنه من الضروري أن نسلك المسارات التالية بدل الحظر الكلي المفاجئ، أول خطوة يجب أن تشرع الجهات المختصة في العمل عليها هي التوعية والتربية الرقمية من خلال إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية وتنظيم حملات وطنية توعوية للأسر وتدريب المربين على آليات المراقبة الإيجابية، بعد ذلك نمر الى التشريع التوجيهي عبر إصدار قوانين تلزم منصات التواصل بتطوير آليات حماية خاصة بالقاصرين وتعزيز المحتوى الوطني الهادف الموجه لهذه الفئة مع فرض عقوبات على المنصات التي لا تلتزم بمعايير الحماية، يمكن للحكومة أيضا عقد شراكات مع المنصات المعنية، للعمل على تطوير آليات تحقق عمري فعالة وتخصيص إعدادات خصوصية افتراضية عالية للحسابات المشتبه في أن أصحابها قاصرون وغير مرخص لهم باستخدام تلك المنصات، وهذا لن يتم دون تطوير وتصميم تطبيقات وطنية مجانية للرقابة الأسرية تمكن أولياء الأمور من مراقبة وتوجيه استخدام أبنائهم للانترنت بشكل عام، هناك مسألة تقنية ويمكن أن تكون عملية داخل المؤسسات التعليمية خصوصا سلك الإعدادي والثانوي التأهيلي، وهو منع حاملي الهواتف الذكية بالولوج بها الى أقسام الدراسة، وفي حالة السماح لهم بذلك يشترط عدم توفر الهاتف على شريحة اتصال، هنا ياتي دور المتخصص في مجال هندسة الشبكات والاتصالات والتي بموجب ربط اي هاتف بشبكة انترنت داخلية للمؤسسة سيكون حظر الولوج الى منصات التواصل الاجتماعي مسألة تلقائية مفروضة بشكل تقني، بالرغم من أن البعض يعلم ان تثبيت VPN مجاني قد يسمح له بالاختبار خلف غطاء السرية والأمان في الاستخدام، لكن وبالرغم من كل ذلك سيساعد هذا الحل على تنفيذ التقييد التدريجي خصوصا خلال أوقات الدراسة والامتحانات...
يمكن القول إن المملكة المغربية قادرة اليوم على تطوير نموذج متكامل يجمع بين الحماية والتمكين من خلال إنشاء منصات وطنية موازية آمنة ومشجعة للإبداع توفر محتوى تعليميا وترفيهيا مناسبا للفئات العمرية المختلفة مع إشراك الشباب في تطوير هذه المنصات، كما أن تشجيع تطوير صناعة ألعاب وتطبيقات تعليمية وطنية يمكن أن يوفر بديلا إيجابيا للمحتوى الأجنبي الذي قد لا يتناسب مع قيم وخصوصيات وطننا، وبالتالي فإن حذو المملكة المغربية حذو الجمهورية الفرنسية، في قرار حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 16 سنة قد لا يكون الحل الأمثل في السياق المغربي لكن الاستفادة من الروح العامة لهذا القرار لتطوير نموذج مغربي متكامل يجمع بين الحماية الذكية والتمكين الرقمي يعتبر خيارا أكثر استدامة وفعالية، وهو ما يتطلب استثمارا في البنية التحتية الرقمية والتشريعية والاجتماعية مع الحفاظ على التوازن بين الحق في الحماية والحق في الوصول إلى المعرفة والمشاركة الرقمية وهو ما يتوافق مع مبادئ الحكامة الرقمية الجيدة التي ترتكز على التشارك والشفافية والفعالية.

ما هو تأثير الشبكات الاجتماعية على تفكير الجيل الجديد، وكيف يمكن استثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي لخدمة التنمية البشرية؟

لا يمكننا اليوم، أن ننكر بأن الشبكات الاجتماعية قد شكلت ثورة في طريقة تلقي ومعالجة المعلومات لدى الأجيال الجديدة، حيث أصبحت المصدر الأول للأخبار والتواصل والتشكيل الثقافي لهذه الفئة، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط تفكير جديدة تتميز بالسرعة والتعددية والتعرض لكم هائل من المحتويات المتباينة، كما أن الخوارزميات التي تتحكم في عرض المحتوى الرقمي قد ساهمت بشكل كبير في تكوين غرف صدى فكرية وتعميق الانقسامات مما يستوجب التعامل معها بوعي وبحكمة بالغة، في المقابل فإن هذه المنصات وفرت للشباب مساحات للإبداع والتعلم الذاتي وبناء الهوية والتعبير عن الرأي والمشاركة المجتمعية مما يعني أن التأثير ليس سلبيا بالضرورة بل هو مرهون بجودة الاستخدام والتوجيه السليم، واستحضارا لأهمية الاستفادة الإيجابية من التكنولوجيا في ظل التطورات الحديثة، فإن بلدنا يملك فرصة تاريخية للاستفادة من التطورات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي (التوليدي، الوكيل، الأتمتة) وانترنت الأشياء... في بناء نموذج تنموي رقمي متكامل حيث يمكن توظيف هذه التقنيات في تحسين الخدمات العمومية عبر الذكاء الترابي الذي يمكن من اتخاذ قرارات أكثر دقة في توزيع الموارد وتخطيط المدن الذكية، كما أن إنترنت الأشياء يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وإدارة البنى التحتية... في مجال التعليم يمكن للأدوات السالف الذكر، أن توفر تعليما مخصصا يتكيف مع قدرات كل طفل مما يعزز من جودة التعلم ويحد من الفجوات التعليمية، كما أن الأتمتة الذكية يمكن أن تحرر الأفراد من المهام الروتينية ليتفرغوا للإبداع والابتكار...
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في محاكاة تجارب الآخرين حرفيا بل في بناء نموذجنا الخاص الذي يجمع بين الحماية والتمكين، نموذج يضع ورش التحول الرقمي في خدمة التنمية البشرية والرأسمال البشري، ويحمي الفئات الهشة دون أن يحرمهم من فرص العصر الرقمي، كل ما سبق يتطلب سياسة عمومية رقمية مندمجة تشارك في صياغتها جميع الأطراف المعنية من حكومة ومؤسسات دستورية وتشريعية ومنظومة تدبير ترابي، أجهزة حكامة، نسيج جمعوي، وسائل الاعلام... وأسر ومربين وخبراء تقنيين واجتماعيين، بغية تحقيق التوازن المنشود بين الانفتاح على إيجابيات العصر الرقمي ووقاية المجتمع من مخاطره، فالحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نتطلع إليه، يتطلبان منا وعيا جماعيا بقيمة البيانات الضخمة التي نمتلكها، والمطلوب هو كيفية إدارتها بحكمة لبناء مجتمع رقمي، مستدام، متضامن، آمن ومبتكر يحفظ كرامة الإنسان ويضمن حقوق الأجيال الصاعدة في فضاء رقمي إيجابي ومنتج.




تابعونا على فيسبوك