إيقاف 147 شخصا وتسوية 58 % من القضايا .. المغرب يختبر تأمين الفعاليات الرياضية الكبرى من داخل الملاعب الـ 9

الصحراء المغربية
الإثنين 12 يناير 2026 - 12:40

حول المغرب تسعة ملاعب المحتضنة لمنافسات كأس إفريقيا للأمم "كان المغرب 2025" إلى مختبرات قضائية حقيقية. فبين 21 دجنبر 2025 و6 يناير 2026، جرى إيقاف 147 شخصا، وتسجيل 152 مخالفة، ما أسفر عن مداخيل لفائدة الدولة بلغت 120.800 درهم. كما مكنت المكاتب القضائية المقامة داخل المنشآت الرياضية من تسوية 58 في المائة من القضايا عن طريق الصلح الفوري. وفي هذا السياق، قدم هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، هذه الحصيلة المؤقتة التي تستشرف ثلاثة سيناريوهات مطروحة لمونديال 2030، من بينها محاكم متنقلة ومحاكمات عبر تقنية التناظر المرئي.

أجرى المرصد الوطني للجريمة دراسة غير مسبوقة حول التدبير القضائي للتظاهرات الرياضية الكبرى. وهو ما استعرضه هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، خلال مداخلته ضمن فعاليات الملتقى الدولي العلمي حول "أمن الفعاليات الرياضية الكبرى، التحديات الأمنية والقانونية في ظل التحولات الرقمية"، المنعقد من 7 إلى 9 يناير 2026، بالعاصمة الرباط، حيث قدم دراسة "حول تدبير القضايا الزجرية خلال الفعاليات الرياضية الكبرى"، من خلال تحليل مقارن لستة نماذج دولية تغطي أربعين سنة من التجارب، من إسبانيا 1982 إلى قطر 2022.
ومكنت هذه الدراسة من تحديد ثلاثة أجيال من الأجهزة القضائية التي طبقت خلال فعاليات كؤوس العالم، يعكس كل واحد منها تطورا في فلسفة معالجة المخالفات المرتبطة بالتظاهرات الرياضية.
واعتمد الجيل الأول، الذي جسدته إسبانيا سنة 1982، على محاكم استعجالية نصبت مباشرة داخل الملاعب، مع التركيز على رد فعل فوري وظرفي. وكان هذا النموذج يشتغل حصريا خلال المباريات، دون استباق أو تنسيق مسبق.
أما الجيل الثاني، الذي لوحظ في ألمانيا 2006، وجنوب إفريقيا 2010، والبرازيل 2014، فقد شكل منعطفا نحو أنظمة معززة ومهيكلة. ونشرت جنوب إفريقيا، على الخصوص، 56 محكمة متخصصة تعمل على مدار 24 ساعة، فيما اعتمدت البرازيل قانونا مؤقتا خاصا بالمنافسة، رغم ما نتج عنه من تعقيدات وكلفة مرتفعة.


مقاربة وقائية وتكنولوجية مجربة في قطر

أدخل الجيل الثالث، الذي تمثله فرنسا 1998 وقطر 2022، مقاربة وقائية تجمع بين تنسيق أمني متقدم واعتماد واسع للتكنولوجيا. إذ تميز النموذج القطري بإدماج غرف قضائية مجهزة بالذكاء الاصطناعي، تمكن من استباق المخاطر ومعالجة الملفات بفعالية أكبر. ويعكس هذا التطور تحولا عميقا، لكون العدالة الرياضية لم تعد تقتصر على الزجر، بل باتت تهدف إلى الوقاية والردع المسبق.
ويندرج المغرب ضمن هذا المسار من خلال تجربة كأس إفريقيا للأمم المقامة فعالياته حاليا، جهاز مستلهم من أفضل الممارسات الدولية مع تكييفه مع خصوصيات الإطار القانوني الوطني. وتشكل هذه التجربة، حسب تعبير المرصد "كأس إفريقيا 2025 مختبرا تحضيريا لمونديال 2030" وهي صيغة تختزل الطموح الاستراتيجي للمملكة في تحويل حدث قاري إلى اختبار عملي لرهان عالمي.

 

حصيلة رقمية تبقى مؤقتة ومداخيل رمزية
تكشف المعطيات المجمعة بين 21 دجنبر 2025 و6 يناير 2026 عن حجم الجهاز المعتمد. ففي الملاعب التسعة، التي احتضنت مباريات دور المجموعات وثمن النهائي، أوقف 147 شخصا، وسجلت 152 مخالفة، وأنجزت 110 محاضر. ومن بين هذه القضايا، أُحيلت 85 على المتابعة القضائية، حل 58 في المائة منها عن طريق الصلح الفوري، الذي جمع بين التتبع الزجري وأداء غرامة.
وأكد مصدر من المرصد الوطني للجريمة محدودية هذه الأرقام، موضحا أن "هذه المعطيات ما تزال في حاجة إلى تحليل وتدقيق. وهذه الحصيلة الأولى تبقى مؤقتة في هذه المرحلة، فيما ستخضع الأرقام النهائية لمعالجة أكثر عمقا".
في حين، بلغت المداخيل 120.800 درهم، منها 32.800 درهم غرامات جزافية و88.000 درهم غرامات صلح، وهي قيمة رمزية تعكس فعالية الاستخلاص الفوري.

 

التخريب وإعادة بيع التذاكر في صدارة المخالفات
يُظهر التحليل النوعي للمخالفات المسجلة تركيزها في فئتين أساسيتين. إذ تمثل الغش والتسلل إلى الملاعب 69 في المائة من الحالات، بـ 59 قضية مسجلة، وتشمل محاولات الولوج دون تذكرة، وتخريبات طفيفة، وحمل لافتات مخالفة للضوابط. وتأتي بعدها إعادة بيع التذاكر دون ترخيص بنسبة 14 في المائة، أي 12 قضية.
أما باقي المخالفات فتتوزع بين تبادل الضرب والعنف الخفيف (قضيتان)، والاتجار في مواد محظورة (قضيتان)، وحيازة الشهب الاصطناعية (قضيتان)، ومخالفات أخرى مصنفة ضمن "أخرى" (8 قضايا). ويبرز هذا التنوع تعقيد تدبير الحشود داخل الملاعب، حيث تتقاطع سلوكيات احتفالية مفرطة مع محاولات غش منظم وأعمال عنف عرضية.
وعلى المستوى الجغرافي، تظهر المعطيات أن ملاعب الرباط وحدها استأثرت بـ59 في المائة من الحالات، مع إيقاف 87 شخصا. بينما سجلت ملاعب أكادير ومراكش وطنجة نسبا أقل، تتراوح بين 5 و26 في المائة، ويعزى ذلك لاختلاف طاقة الاستيعاب، وطبيعة الفرق المستقبِلة، والخصائص السوسيو- ديمغرافية للجماهير.


جمهور ذكوري وأغلبية المخالفين من المغاربة
يؤكد تحليل خصائص الموقوفين اتجاهات لوحظت في منافسات دولية أخرى، إذ يمثل الرجال 96 في المائة من الموقوفين (142 شخصا)، مقابل 3 في المائة فقط من النساء (5 حالات). وتعكس هذه الهيمنة الذكورية تركيبة جمهور الملاعب وديناميات العنف المرتبطة بالتظاهرات الرياضية.
ومن حيث الجنسية، يحمل 68 في المائة من الموقوفين الجنسية المغربية (100 شخص)، مقابل 32 في المائة من الأجانب (47 شخصا من جنسيات مختلفة). وتبرر هذه النسبة المهمة من الأجانب توفير خدمات الترجمة داخل المكاتب القضائية، ضمانا لحق الدفاع والإخبار بلغة مفهومة.
وبحسب مصدر المرصد ذاته فإن "جمع هذه الإحصائيات يكون بشكل منهجي بعد كل مباراة لتحديد المخالفات وضمان تتبعها، غير أن هذه المعطيات تحتاج إلى تحليل وتدقيق إضافيين". وستتم عملية التقييم الشامل والنهائي بعد نهاية المنافسة ومعالجة جميع القضايا إلى مآلاتها.
وسيهم هذا التقييم عدة أبعاد تتمثل أساسا في: النجاعة الإجرائية (آجال المعالجة، نسب الصلح، احترام الضمانات)، وملاءمة الوسائل المعتمدة، ورضا المرتفقين (الموقوفون، المحامون، قوات الأمن)، وقابلية نقل النموذج إلى تظاهرات أو سياقات أخرى. وستغذي خلاصاته مباشرة التفكير المتعلق بتنظيم مونديال 2030.

 

بنية قضائية مندمجة وفعالة من داخل الملاعب
أوضح المرصد أن إحداث المكاتب القضائية داخل الملاعب لم يكن بشكل ارتجالي، بل هي وحدات متكاملة تضم مكتبا للنيابة العامة، وكتابة ضبط، ومكتب محاسبة مجهزا لاستخلاص الغرامات فورا، ومراكز شرطة مجاورة لتسهيل نقل المشتبه فيهم. وتتيح هذه البنية معالجة السلسلة الجنائية كاملة داخل محيط الملعب.
وأكد المصدر ذاته أن الهدف الرئيسي "هو التكفل بالمخالفات والجنح البسيطة، لتخفيف الضغط عن المحاكم العادية وضمان سرعة وملاءمة وتناسب الرد القضائي".
وتعكس التجهيزات التكنولوجية داخل الملاعب المغربية هذا التوجه، إذ يضمن نظام تدبير القضايا القضائية (SAJ) الربط المباشر مع النظام المعلوماتي الوطني، ويتيح التتبع الآني للملفات، فيما تسمح أجهزة الأداء الإلكتروني بتسديد الغرامات فورا، وتضمن خدمات الترجمة الولوج إلى الحقوق.
وأبرز أن الأمر يتعلق أولا بالمرونة القانونية باعتبار التنظيم القضائي الوطني الذي يسمح بعقد الجلسات التنقلية وإحداث غرف متخصصة، ومستجدات قانون المسطرة الجنائية التي توفر حلولا فعالة مثل "العدالة التصالحية" والمساطر المبسطة بما يخفف من العبء الذي يسببه إغراق المحاكم بمعالجة المخالفات ويحقق الردع الفوري.
كما يتعلق الأمر، حسب ملاطي، بالمرونة اللوجيستية باعتبار توفر المملكة على ملاعب من الجيل الجديد تتوفر على بنية تحتية ملائمة ومخافر للشرطة ومكاتب تسمح بهذا النوع من التدبير، إلى جانب تجهيز المكاتب القضائية بمعدات تقنية من خلال منظومة التدبير القضائي عبر الربط المباشر بالنظام المعلوماتي للمحاكم لتتبع القضايا ومنظومة الدفع الإلكتروني والترجمة الفورية.

 

قانون المسطرة الجنائية الجديد في اختبار ميداني
تزامنت تجربة كان 2025 مع دخول مقتضيات جديدة من قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، ما أتاح اختبارها ميدانيا. وبرزت ثلاثة فصول بشكل خاص: الفصل 1-41 الذي يجيز الصلح الجنائي ويرفع سقف غراماته إلى 100 ألف درهم، والفصل 1-384 الذي يتيح للنيابة العامة التنقل إلى مقر الشرطة القضائية، والفصول من 11 إلى 595 التي تؤطر استعمال تقنية التناظر المرئي.


إكراهات واقتراح 3 سيناريوهات لتأمين المونديال
أبرز تقرير المرصد صعوبات لوجستية تتعلق بتفاوت تجهيز الملاعب، وأخرى معيارية ناتجة عن غياب إطار قانوني خاص بالتظاهرات الرياضية الكبرى، ما يستدعي سن نص تشريعي ملائم. وحددت الدراسة ثلاثة سيناريوهات لمونديال 2030، إذ يقترح المرصد:
ـ جلسات قضائية متنقلة داخل الملاعب،
ـ محاكم متخصصة مؤقتة،
ـ المحاكمات عن بعد عبر التناظر المرئي.
وفي هذا الصدد، وكما سبق وصرح بذلك هشام ملاطي لـ"الصحراء المغربية" فقد أعدت وزارة العدل مشروعين قانونيين: أحدهما يؤطر تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، والثاني يستجيب لمتطلبات الفيفا الخاصة بمونديال 2030، استعدادا لمونديال 2030.
وتجسد تجربة كان 2025 قدرة المغرب على الابتكار القضائي مع احترام المعايير الدولية، بهدف التوفيق بين الفرجة الرياضية واحترام المشروعية، قبل أربع سنوات من موعد مونديال 2030.

 

تصوير : يونس الرهوني




تابعونا على فيسبوك