في ملاعب المغرب، لا يكتفي براهيم دياز بتسجيل الأهداف، بل يوقع قصة انتماء تزداد بريقا مع كل مباراة. نجم ريال مدريد استعاد ابتسامته كاملة بعدما قاد المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم، في نسخة تحتضنها المملكة حتى 18 يناير.
المغرب، الذي ينافس إسبانيا على احتضان المبارة النهائية لمونديال 2030 أو كأس العالم للأندية 2029، يريد أولا أن يفرض نفسه زعيما كرويا للقارة. ومع وليد الركراكي، بات "أسود الأطلس" المرشح الأبرز للتتويج، يقودهم براهيم دياز، اللاعب الذي تحول في أسابيع قليلة إلى أيقونة جماهيرية.
رقم تاريخي باسم براهيم
براهيم دخل تاريخ كأس إفريقيا من أوسع أبوابه، بعدما أصبح أول لاعب مغربي يسجل في أربع مباريات متتالية في "الكان". افتتح التسجيل في المباراة الأولى أمام جزر القمر، ثم وقّع هدف التعادل من نقطة الجزاء أمام مالي، وأسهم في الفوز على زامبيا، قبل أن يمنح التأهل إلى ربع النهائي بهدف حاسم في شباك تنزانيا.
بهذا الإنجاز، كسر رقمًا تاريخيا ظل صامدا منذ 1976 باسم الراحل أحمد فرس. ولم يكن مستغربا أن تتحول الصحافة المغربية إلى منبر إشادة بلاعب يعيش وضعًا مختلفا تماما مع ريال مدريد، حيث لم تتجاوز مشاركاته هذا الموسم 484 دقيقة في 18 مباراة. المفارقة أن اللاعب الأقل استعمالا في مدريد، هو "القائد" في المغرب، أداء فتح له باب تمديد عقده مع النادي الملكي حتى 2030.
الدياسبورا.. كلمة السر
نقلت الصحيفة الاسباينة "إلبيريوديكو" عن الكاتب المغربي العالمي الطاهر بن جلون أنه لخص الظاهرة في مقال واسع الانتشار بموقع Le360، حين كتب: "الدياسبورا المغربية قوة هائلة. أغلب اللاعبين من أصول مغربية الذين يحملون قميص الأسود هم نعمة حقيقية.. حتى إن وُلدوا في إسبانيا أو هولندا، فإن المغرب يسكن قلوبهم، ويظهر ذلك في حماسهم داخل الملعب. أبناء الهجرة هؤلاء ثروة للبلاد".
وفي عموده المعنون بـ "الحماسة"، وجه بن جلون انتقادا مباشرا للاعب برشلونة لامين يامال، الذي عاش بدوره بين المغرب وإسبانيا، معتبرا أن براهيم دياز قدم نموذجا مختلفا. فلاعب ريال مدريد اختار المغرب، المنتخب الذي يحمل معه الرقم 10 اليوم، بينما يامال، ابن أب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، خضع لضغوط عائلية حالت دون التحاقه بالمنتخب المغربي، على عكس عدد كبير من اللاعبين في أكبر الأندية الأوروبية، الذين فضلوا حمل هوية العائلة واللعب لأسود الأطلس.
مشروع مغربي يثمر
قصة براهيم دياز ليست استثناءً، بل ثمرة عمل طويل قادته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لبناء منتخب تنافسي من أبناء الجالية. منتخب أقصى إسبانيا والبرتغال في مونديال قطر، وأحرج فرنسا حتى الأنفاس الأخيرة. إلى جانب براهيم، يبرز ياسين بونو، المولود في كندا، وأشرف حكيمي المولود في مدريد، ونصير مزراوي الذي ترعرع في هولندا. جيل "دياسبورا" أعاد رسم صورة الكرة المغربية عالميا.
المغرب يحلم أبعد
في ربع النهائي، يواجه منتخب الركراكي منتخب الكاميرون، الفائز على جنوب إفريقيا بهدفين لواحد. مواجهة جديدة تمنح براهيم فرصة إضافية للتألق، لكنها قبل ذلك اختبار لطموح بلد يريد أن يثبت أن تألقه الكروي ليس عابرا.
المغرب لا يراهن فقط على الأقدام، بل على ملاعب حديثة وبنية تحتية رياضية عالمية، في رسالة واضحة لمن ينافسه على تنظيم نهائي مونديال 2030. ومفارقات كرة القدم كثيرة، لكن واحدة منها أن براهيم دياز، اللاعب الذي لم يجد مكانه كاملا في مدريد، قد يكون أحد الوجوه التي تغير موازين القوة الكروية في السنوات المقبلة… من قلب المغرب.