يشكل ضعف مشاركة الشباب في الانتخابات، ولا سيما على المستوى المحلي، أحد أبرز الإشكالات التي تطرح اليوم أكثر من علامة استفهام حول منسوب الثقة في الفعل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
فرغم الخطابات المتكررة التي تضع الشباب في صلب الاهتمام، تكشف المؤشرات الميدانية عن عزوف متزايد، يقابله حضور لافت في الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، هذا التناقض بين المشاركة الافتراضية والغياب عن صناديق الاقتراع يفتح نقاشا واسعا حول مسؤولية المجالس المنتخبة، وحدود السياسات العمومية المحلية في إدماج الشباب في اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، أجرت "الصحراء المغربية" حوارا مع الأستاذ ربيع الشيهب، الباحث في قضايا التنمية الترابية والمستشار بجماعة القنيطرة، للوقوف عند أسباب هذا العزوف، وقراءة دلالاته السياسية، واستشراف سبل الانتقال من خطاب الاهتمام بالشباب إلى ممارسات تشاركية قادرة على استعادة الثقة وبناء انخراط شبابي فعلي في الشأن المحلي.
إلى أي حد يعكس ضعف مشاركة الشباب المغربي في الانتخابات أزمة ثقة في الفعل السياسي المحلي، وما مسؤولية المجالس المنتخبة في استعادة هذه الثقة؟
مما لا شك فيه أن مشاركة الشباب في الانتخابات الجماعية تعرف ضعفا كبيرا، وهو ضعف يسجل كذلك على مستوى الانخراط في الأحزاب السياسية وباقي التنظيميات المعنية بتأطير الشباب وتيسير مشاركته في الحياة السياسية، بحيث تشير بعض الإحصائيات أن النسبة لا تتجاوز 1 في المائة بالنسبة للانخراط في الأحزاب.
هذا الوضع يؤكد على أن فقدان الثقة هو العنوان الأبرز لعلاقة الشباب بالعمل السياسي والانتخابي، مشاركة، وانخراطا، وترشيحا وتصويتا، ومن أبرز مظاهر هذه العلاقة الملتبسة بين الشباب والفعل السياسي هو العزوف عن المشاركة الانتخابية باعتبارها أسمى أشكال المشاركة، التي تمكن الشباب من المساهمة في التعبير عن مواقفه.
وفي تقديري، يعود هذا العزوف إلى مجموعة من الأسباب، من أهمها محدودية تفاعل مدبري الشأن المحلي مع قضايا الشباب وانشغالاتهم وحاجاتهم وايجاد حلول لها في البرامج والمخططات، إذ غالبا ما يحضر الشباب، كشعارات في الحملات الانتخابية دون تقديم أية إجابات تنموية لمشاكله وانشغالاته، وهو ما يولد لدى الشباب قناعة بعدم جدوى أصواتهم في إحداث تغيير إيجابي في وضعيته، كما يضاف إلى ذلك ضعف مصداقية الفاعلين المحليين، من خلال تكرار النخب نفسها، انتشار الزبونية، ضعف كفاءة ونزاهة بعض المنتخبين، وتغليب المصالح الشخصية أو الحزبية على المصلحة العامة، وهو ما يضعف الإيمان بجدوى المشاركة.
ولا يمكن إغفال ضعف التواصل بين الجماعات والشباب والإنصات الدائم والتفاعل المستمر مع مشاكلهم، إذ غالبا ما تتواصل الأحزاب والمرشحون مع الشباب خلال فترة الانتخابات ثم يغيب التواصل بمجرد تشكيل المجالس، فضلا عن ذلك، يبقى حضور الشباب في مواقع المسؤولية بالمجالس المنتخبة ضعيفا، وغالبا ما يكون وجودهم مجرد أرقام تصوت في هذا الاتجاه أو ذاك، دون قدرة على التأثير في القرار المحلي.
انطلاقا من كل ذلك، يمكن القول إن عزوف الشباب ليس مجرد لامبالاة سياسية بقدر ما هو "موقف سياسي" واحتجاج صامت على سياسة لا تُقنع ولا تُشرك ولا تساهم في إحداث تغيير إيجابي في أوضاع الناخبين عموما والشباب على وجه الخصوص.
كيف يمكن للجماعات الترابية الانتقال من خطاب الاهتمام بالشباب إلى سياسات عمومية محلية تشركهم فعليا في اتخاذ القرار؟
سبق لي أن أشرت إلى أن الشباب يحضر كشعار فقط في الخطاب السياسي وفي أجندة مدبري الشأن المحلي، بحيث أن المتتبع لبرامج عمل الجماعات الترابية سيجد بأن الشباب لا يحضر كمستهدف أساسي في هذه البرامج، بحيث لا يتم التعاطي مع قضايا الشباب بشكل عرضاني، إذ غالبا ما يتم اختزال احتياجاته في قضايا محددة، علما أن مشاكل الشباب كفئة اجتماعية لها خصوصية، تتطلب التقائية تدخلات مختلف الفاعلين، ترابيين وعموميين، وهو ما يفرض على الجماعات تبني مقاربة مندمجة مبنية على الشراكة مع باقي المتدخلين العموميين والخواص.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إشراك الشباب في الشأن المحلي ومسلسل اتخاد القرار ما يزال ضعيفا، بالرغم من تنصيص دستور المملكة على الديمقراطية التشاركية كفلسفة جديدة للتدبير الترابي مبنية على خلق آليات للتشاور والإنصات للمواطنين الا أن هذه المقاربة ماتزال ضعيفة، كما أن تفعيلها لا يتم بالشكل الذي يجعل الشباب، مساهم حقيقي في مسلسل اتخاد القرار على المستوى الترابي. وحتى الهيئات التشاركية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات ما تزال أدوارها استشارية ولا تأثير كبير لها على مستوى القرار.
في ظل الحضور القوي للشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، ما السبل الكفيلة بتحويل هذا الوعي الرقمي إلى انخراط سياسي وانتخابي مسؤول؟
رغم ضعف المشاركة السياسية للشباب عبر الوسائط التقليدية فإنهم يمتلكون وعيا سياسيا، وهو ما يؤكده الحضور القوي للشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا كانوا لا يشاركون واقعيا عبر المؤسسات، إلا أنهم يمارسون ما يسميه الباحث السوسيولوجي سعيد بنيس بـ"مواطنة افتراضية"، حيث يعبر عن آرائه ومواقفه من الكثير من القضايا، وينتقد، ويحتج، ويترافع، ويمارس ضغطا ويؤثر في الكثير من القرارات، ولنا نماذج كثيرة على ذلك، غير أن هذا الوعي السياسي الرقمي لا يترجم في الغالب إلى انخراط سياسي وانتخابي مسؤول، وتحويل المشاركة الرقمية إلى مشاركة فعلية يقتضي تجاوز منطق التعبير الافتراضي نحو مسار مؤسساتي وتربوي وسياسي متكامل.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في جرّ الشباب من العالم الافتراضي إلى صناديق الاقتراع، بل في جعل السياسة نفسها جديرة بأن ينتقل إليها، سياسة شفافة، تفاعلية، وقادرة على تحويل الصوت الرقمي إلى قرار عمومي ملموس، يؤثر إيجابيا في حياة الشباب ويحدث التغيير المنشود.
اسماء إزووان