كشف التقرير السنوي الثامن لرئاسة النيابة العامة (حصيلة سنة 2024)، الذي قدمه هشام البلاوي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عن واقع متناقض.
فمن جهة، نجد أرقاما تشهد على إنتاجية استثنائية: قرابة 8 ملايين إجراء قضائي أُنجز سنة 2024، أي ما يعادل 28 تدخلا يوميا لكل قاض. ومن جهة أخرى، يقف التقرير على خصاص هيكلي يقدر بـ800 منصب، ونسبة 3 قضاة للنيابة العامة لكل 100.000 نسمة، بعيدا عن المعايير الأوروبية.
فبين التحول الرقمي المتسارع والإكراهات الأمنية، تسعى النيابات العامة للملكة وعلى رأسها رئاسة النيابة العامة إلى تحقيق معادلة متعددة الاتجاهات.
وبلغة الأرقام، وأمام أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كشف هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، عن ملامح مؤسسة في خضم تحول عميق.
وأفاد التقرير الذي أصدرته رئاسة النيابة العامة، أول أمس الخميس، أنه خلال سنة 2024، سجلت النيابات العامة بالمملكة نشاطا غير مسبوق، يجسد في آن واحد منجزات إصلاح قضائي طموح وتوترات منظومة بلغت أقصى طاقتها.
وفي هذا السياق، أكد رئيس النيابة العامة، في عرضه التقديمي لهذا التقرير السنوي، أن هذا التقرير يعد الثامن منذ تحمله رئاسة النيابة العامة ومسؤولية الإشراف على النيابات العامة في السابع من أكتوبر في العام 2017، مضيفا أنه يندرج في سياق التزام مؤسساتي ثابت، يترجمه أداء لافت، لكنه يرفق أيضا بتنبيهات متكررة حول الإمكانيات المرصودة لعدالة في الصفوف الأمامية.
نسبة مقلقة.. 3 قضاة لكل 100.000 نسمة
التشخيص الذي رسمه تقرير رئاسة النيابة العامة، أوضح أنه عند متم سنة 2024، بلغ عدد القضاة بالنيابات العامة لمحاكم المملكة، 1223 قاضيا وقاضية.
ورغم أن هذا الرقم يمثل زيادة بنسبة 12.5 في المائة مقارنة بسنة 2023 (حيث لم يتجاوز العدد آنذاك 1087 قاضيا)، فإنه يظل قاصرا عن بلوغ المعايير الدولية. كما يرسم توزيع هؤلاء القضاة هرما كاشفا عن أولويات المنظومة القضائية المغربية، يتوزع بين 57 قاضيا للنيابة العامة بمحكمة النقض، و311 قاضيا بمحاكم الاستئناف، و729 قاضيا بالمحاكم الابتدائية، و31 قاضيا بالمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية.
غير أنه رغم هذا التطور العددي، فإن المعدل الوطني لقضاة النيابة العامة لم يتجاوز 3 قضاة لكل 100.000 نسمة. وهو رقم يضعه التقرير في مقارنة مع المعدل الأوروبي الذي يفوق 11 ممثلا للنيابة العامة لكل 100.000 نسمة.
هذا الفارق، البعيد عن كونه عرضيا، ينعكس مباشرة على عبء العمل الفردي. فحسب المعطيات التي قدمها هشام البلاوي، أنجز كل قاض من قضاة النيابة العامة ما معدله 7635 إجراء خلال السنة المنصرمة.
وعلى المستوى اليومي، يعادل هذا الرقم أكثر من 28 تدخلا يوميا لكل قاض، وهو ما يطرح تحدي وتيرة الاستدامة للنموذج الحالي.
الإحصائيات تتحدث .. قرابة 8 ملايين إجراء
ترجمت الإحصائيات الواردة في هذا التقرير حجم النشاط الذي نهضت به النيابات العامة بمحاكم المملكة خلال سنة 2024، حيث أنجزت 7.940.098 إجراء على المستوى الوطني، وهو أداء شامل يتفرع إلى محاور عدة تشهد على تعدد المهام المنوطة بالنيابة العامة.
ففي مجال تدبير الشكايات، عالجت النيابات العامة 497.052 شكاية، متجاوزة بذلك عدد الشكايات المسجلة حديثا خلال الفترة نفسها والبالغة 481.145 شكاية. وبلغت نسبة الإنجاز 88 في المائة من الرائج وحوالي 104 في المائة من المسجل.
هذه الدينامية الإيجابية مكنت من تقليص المخلف، الذي انتقل من 82.558 شكاية سنة 2023 إلى 66.651 شكاية سنة 2024. في حين، سجلت معالجة المحاضر بدورها مؤشرات مماثلة.
فمن أصل 2.423.119 محضرا رائجا، تم إنجاز 2.303.029 محضرا، أي بنسبة إنجاز تقارب 95 في المائة. كما انخفض حجم المخلف من 137.311 محضرا إلى 120.090 محضرا، ما يؤكد فعالية آليات التنسيق المحدثة مع الشرطة القضائية.
ويشير التقرير إلى أن "هذه النتائج تعكس التزام قضاة النيابة العامة اليومي ونجاعة آليات التتبع التي أرستها رئاسة النيابة العامة". وهي نجاعة تتأكد كذلك في مجال التنفيذ الزجري، حيث أنجز 473.973 إجراء من أصل 496.211 إجراء رائجا.
الاعتقال الاحتياطي.. أدنى نسبة خلال العقد الأخير
من أبرز خلاصات تقرير 2024، التطور الملحوظ في اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي. تطبيقا لتوجهات السياسة الجنائية المحددة من طرف رئاسة النيابة العامة، حيث قلصت النيابات العامة لمحاكم المملكة بشكل ملموس اللجوء إلى هذا التدبير السالب للحرية.
وبالإحصائيات المسجلة، تكشف أنه من أصل 664.637 شخصا مقدما أمام النيابات العامة للاشتباه في ارتكابهم جرائم (منهم 632.855 أمام المحاكم الابتدائية و31.782 أمام محاكم الاستئناف)، لم تتقرر متابعة سوى 94.293 متهما في حالة اعتقال، أي بنسبة 14.19 في المائة من المجموع.
ويشير التقرير إلى أن النيابات العامة أصدرت أوامر مباشرة باعتقال 77.148 شخصا، فيما أصدر قضاة التحقيق أوامر إيداع بالمؤسسات السجنية في حق 17.145 شخصا. وبذلك تستقر نسبة الاعتقال المباشر الصادر عن النيابة العامة في حدود 11.61 في المائة فقط.
هذه السياسة الترشيدية، كما وصفها التقرير، أكد نجاعتها، فعند متم دجنبر 2024، بلغ سكان السجون 105.094 نزيلا، منهم 31.79 في المائة في وضعية اعتقال احتياطي. ويعد هذا، حسب التقرير، أدنى معدل مسجل خلال العقد الأخير.
ويعزو هشام البلاوي هذا التطور إلى "مقاربة شمولية لترشيد الاعتقال الاحتياطي، تقوم على تعزيز آليات الرصد والتتبع الإحصائي، وضبط مدى مطابقة أوامر الإيداع للمقتضيات القانونية، وتفعيل قنوات التنسيق المؤسساتي على المستويين المركزي والجهوي".
أما بخصوص العقوبات البديلة، فأبرز التقرير أن 46.309 متابعات تمت مقابل كفالة مالية، و15.862 حالة صلح أبرمت في إطار المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية. علاوة على ذلك، تم حفظ 26.357 محضرا أثناء التقديم، أي ما يمثل 3.97 في المائة من المقدمين.
التحول الرقمي.. ثورة في طور الإنجاز
شكلت سنة 2024 محطة فارقة في مسار تحديث رئاسة النيابة العامة. حيث أسفرت مراجعة الهيكل التنظيمي عن إحداث قطب سادس تحت مسمى "قطب التحديث ونظم المعلومات"، أسندت إليه مهام استراتيجية في مجال التحول الرقمي.
ولفت التقرير إلى أن هذا القطب الجديد مكلف بـ"بلورة التصور العام للتحول الرقمي وإعداد وتنفيذ الاستراتيجية الرقمية للرئاسة، بما يضمن انسجامها مع التوجهات الوطنية في إطار مشروع المغرب الرقمي 2030".
وأصبحت البنية الإدارية للرئاسة تتألف من 6 أقطاب، و17 شعبة، و63 وحدة، بالإضافة إلى الديوان والكتابة العامة.
أما المنجزات الملموسة، فأبرز التقرير أنها متعددة، حيث تتمثل في اعتماد التوقيع الإلكتروني في عدد من المساطر، وتطوير تطبيقات لتتبع ملفات الإكراه البدني وأوامر الإيداع، وإحداث واجهات معلوماتية ولوحات قيادة ذكية للتتبع الآني للقضايا، وتقوية البنية التحتية وضمان أمنها السيبراني.
كما تم إعداد دليل عملي لتجويد الأبحاث الجنائية بتنسيق مع المديرية العامة للأمن الوطني وقيادة الدرك الملكي.
وعلى الصعيد المعياري، أصدرت رئاسة النيابة العامة 19 دورية خلال السنة، تناولت موضوعات متنوعة من قبيل تفعيل مقتضيات القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وتحسين التدبير الداخلي للنيابات العامة.
حقوق الإنسان.. نيابة عامة يقظة دائما
خصص التقرير حيزا مهما للجهود المبذولة في مجال الوقاية من الانتهاكات الماسة بالحقوق الأساسية وزجرها.
إذ أظهر التقرير أنه خلال سنة 2024، سجلت النيابات العامة 150 شكاية تتعلق بادعاء العنف، و7 شكايات تتعلق بادعاء التعذيب.
وحرصا على الشفافية والموضوعية، جرى الأمر بإنجاز 379 فحصا طبيا في إطار الأبحاث المأمور بها. وتفعيلا للبعد الوقائي، أنجز قضاة النيابة العامة 22.375 زيارة لأماكن الوضع تحت الحراسة النظرية، و1.116 زيارة للمؤسسات السجنية، و186 زيارة لمؤسسات علاج الأمراض العقلية والنفسية.
هذه الأرقام، أوضح التقرير، أنها تتجاوز السقف المفروض قانونا، ما يعكس "حرصا مضاعفا لدى النيابات العامة على الوفاء بالتزاماتها القانونية في هذا الإطار".
التعاون القضائي الدولي.. المغرب فاعل لا محيد عنه
نشاط النيابات العامة يمتد إلى ما وراء الحدود الوطنية. ففي المجال الجنائي، توصلت النيابات العامة المغربية بـ322 إنابة قضائية واردة من 35 دولة، أنجزت منها 140 إنابة. وفي الاتجاه المعاكس، صدرت 44 إنابة قضائية عن السلطات القضائية المغربية، نفذ منها 9.
كما بلغ معدل تبليغ الطي الزجري 91 في المائة بالنسبة لـ970 طيا زجريا واردا، و90.5 في المائة بالنسبة لـ 660 طيا صادرا. وأصدرت النيابات العامة 102 أوامر دولية بالبحث وإلقاء القبض، وعالجت 125 أمرا واردا من الخارج. أما في مجال التسليم، فعولجت 83 قضية، أنجزت منها 54.
أما في المادة المدنية والأسرية، فقد توصلت بـ 720 طيا قضائيا بمعدل تنفيذ بلغ 49 في المائة، إضافة إلى 87 ملفا لاختطاف الأطفال في إطار اتفاقية لاهاي، أُنجز منها 35 ملفا.
وشدد التقرير على أن "هذه المؤشرات تشهد على انخراط فعال للنيابات العامة في تنفيذ التزامات المملكة الدولية، بما يعزز فعالية العدالة ويحد من مظاهر الإفلات من العقاب".
مكافحة الفساد.. حماية الطفولة
تضمن تقرير رئاسة النيابة العامة أرقاما أخرى لا تقل أهمية عما سبق ذكره، خاصة في مجال مكافحة الفساد، إذ سجل الخط المباشر للتبليغ عن جرائم الرشوة والفساد المالي 8.967 مكالمة سنة 2024، أسفرت عن ضبط 61 حالة تلبس أحيلت على الهيئات القضائية المختصة.
وهي فعالية تترجم ثقة المواطنين المتنامية في هذه الآلية، لكنها تطرح أيضا تساؤلات حول حجم الظاهرة.
من جهة أخرى، إذا كانت قضايا العنف ضد النساء قد سجلت تراجعا ملحوظا (من 29.950 قضية سنة 2023 إلى 26.884 قضية سنة 2024)، فإن قضايا العنف ضد الأطفال تسير في اتجاه معاكس ومقلق، بتسجيلها خلال سنة 2024، ما مجموعه 9.618 قضية و9.948 ضحية من القاصرين، وهو واقع يدعو للقلق.
أخيرا، جسدت الـ322 إنابة قضائية الواردة من 35 دولة الموقع الاستراتيجي للمغرب في هندسة التعاون القضائي الدولي، بين الانخراط متعدد الأطراف والشراكات الثنائية، وهو تأكيد لدور المملكة كقطب جهوي في مكافحة الإجرام العابر للحدود.
تحديات مستقبلية.. 3 محاور رئيسية
وإلى جانب الحصيلة السنوية لنشاط النيابات العامة، قدم التقرير توصيات عملية تتمحور حول ثلاثة محاور. في مجال الموارد البشرية، أعطى الأولوية للتوظيف المكثف للقضاة لسد الخصاص المقدر بـ800 منصب.
كما ألح التقرير على ضرورة توظيف المساعدين الاجتماعيين، المدعوين للاضطلاع بدور محوري في تنفيذ العقوبات البديلة، فضلا عن المتخصصين في الإحصاء والمعلوميات.
على الصعيد اللوجستيكي والتقني، أوصي التقرير بتحديث النظام المعلوماتي SAJ2 ليشمل جميع المراحل الإجرائية، وتهيئة فضاءات استقبال ملائمة بالمحاكم، وتطوير ربط معلوماتي مؤمَّن مع الشرطة القضائية يتيح الإحالة الإلكترونية للمحاضر.
أما في ما يخص تنفيذ السياسة الجنائية، فدعى التقرير إلى الإسراع باعتماد مشروع القانون الجنائي في صيغة جديدة، ورقمنة التبليغات للأطراف، واعتماد نظام الأبوستيل الإلكتروني، وإحداث بنيات مؤسساتية لحماية ضحايا الاتجار بالبشر والنساء والأطفال ضحايا الجرائم.
وأكدت الحصيلة كذلك على ضرورة الرفع من عدد الأطباء المتخصصين في الطب الشرعي بما يكفل التوزيع المتكافئ لتغطية الخصاص القائم، وكذا تعديل الإطار القانوني لتوسيع دائرة المستفيدين من الحق في التغذية، ليشمل المقدمين أمام النيابات العامة في حالة انتظار الاستدعاء أو الإحالة الفورية على الجلسة وهم في حالة اعتقال.