بينما تتجه أنظار القارة السمراء نحو "المستطيل الأخضر" وتصطحبها دقات القلوب مع كل صافرة حكم، تجري في شوارع مراكش وأزقتها العتيقة "بطولة" من نوع آخر. لم تكن النتائج هي الأهداف المسجلة في الشباك، بل هي "لحظات الذهول" التي ترتسم على وجوه آلاف المشجعين الأفارقة الذين اكتشفوا أن النسخة 35 من المونديال الإفريقي في المغرب ليس مجرد موعد رياضي، بل هو رحلة انغماس في عبق التاريخ.
سحر "البهجة" يغوي الجماهير
في وقت كان يفترض أن تمتلئ فيه منطقة المشجعين بحي باب الجديد المعروفة عالميا باسم "Fan Zone"، والمقاهي بالمشجعين لمتابعة التحليلات الرياضية، فضل المئات من مناصري منتخبات الغابون والكاميرون والكوت ديفوار والموزنبيق وجنوب إفريقيا التجوال في دروب المدينة القديمة والأسواق المحيطة بساحة جامع الفنا التاريخية، وحولوها إلى ساحة احتفال مفتوحة اختلطت فيها اللغات واللهجات في مشهد يعكس زخم كأس أمم إفريقيا بالمغرب.
يقول غوني ديدي، مشجع غابوني وهو يلتقط صورا بهاتفه في مدرسة بن يوسف إحدى المعالم التاريخية بالمدينة، "جئت لمؤازرة منتخب بلادي، لكنني وجدت نفسي أسيرا لهذه الجدران. في الملعب نعيش التوتر، وهنا في مراكش نعيش السلام والتاريخ. لقد سرقت هذه المدينة الأضواء من الكرة".
لم يتوقف هذا الانبهار عند المعمار، بل امتد إلى ساحة جامع الفنا التاريخية وأسواق السمارين المحيطة بها، حيث تختلط لغات ولهجات المشجعين الأفارقة بضجيج المطارق على النحاس، في مشهد سريالي يثبت أن مراكش نجحت في تحويل المشجع الإفريقي من مجرد زائر عابر إلى عاشق يتأمل أدق التفاصيل.
هذا المشهد يتكرر يوميا، حيث تحولت معالم مراكش التاريخية والسياحية إلى مناطق مشجعين مفتوحة، تتداخل فيها ألوان القمصان الوطنية الإفريقية مع اللون الأحمر الذي يطبع أسوار المدينة، في لوحة سريالية تؤكد أن الجذب السياحي لمراكش تفوق في لحظات كثيرة على جاذبية المباريات.
دبلوماسية "الطنجية".. حين تذوب الحدود
لم يقتصر الاكتساح المراكشي على البصر فقط، بل امتد ليشمل الحواس. في ساحة جامع الفنا، تحولت طاولات المطاعم المتنقلة إلى "برلمانات افريقية" مصغرة. بائعو "الطنجية" المراكشية، الأكلة التي تشتهر بها المدينة الحمراء، ومختلف المأكولات التي يزخر بها المطبخ المغربي، أصبحوا "مدربو" هذه الجماهير، حيث يقدمون دروسا في كرم الضيافة المحلي.
امبارك بن الديش رئيس جمعية ساحة جامع الفناء للمأكولات والمشروبات، أوضح في تصريح ل"الصحراء المغربية"، أن المشجع الإفريقي يشعر هنا أنه بين أهله، ونحن لا نبيع لهم الطعام، بل نبيع لهم تجربة مغربية أصيلة، مشيرا إلى أن الانبهار الذي يراه في عيونهم حين يتذوقون الشاي المنعنع يجعله يشعر بالفخر بالمدينة الحمراء. وهذا التلاقح الثقافي جعل من مراكش حاضنة للود القاري، متجاوزةً التنافسية الرياضية التي تفرضها ظروف البطولة.
إيقاعات كناوة.. صدى القارة في قلب "الحلقة"
وسط ساحة جامع الفنا، التي لا يمكن أن تستقيم الحياة فيها إلا بهرج ومرج ساحتها التاريخية التراثية التي تشكل فضاء مثاليا للتعددية الثقافية، يتجمع المشجعون الأفارقة حول الحلقة الموسيقية لفرقة كناوة، التي اعتادت تقديم لوحات فنية على إيقاع "القراقب" و"الهجهوج"، تتفاعل معها الأجساد السمراء بالتمايل في تناغم غريب، وكأن هؤلاء المشجعين عثروا على قطعة من هويتهم الضائعة في هذا الفضاء العجائبي، الذي صنفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" تراثا شفيها لاماديا للإنسانية، ليدرك المتابع والزائر في الأخير أن مراكش لم تسرق الأضواء بالصدفة، بل لأنها قدمت للمشجع الإفريقي ما لا تستطيع كرة القدم تقديمه وهو الارتباط الروحي بالجذور، القوة الناعمة التي جعلت من نسخة المونديال الإفريقي الحالية نسخة مراكشية بامتياز، حيث الانتصار الحقيقي لم يسجل في الملاعب، بل في ذاكرة كل مشجع سيعود إلى بلده حاملا معه سحر مراكش قبل نتائج فريقه.
ومع نهاية المونديال الإفريقي، والإعلان عن بطل النسخة 35، تخرج مراكش كبطل غير متوج في قلوب الآلاف، لتنبث المدينة الحمراء أن سحر التاريخ ودفء اللقاء الإنساني
يظلان أقوى من إثارة الملاعب، وأن كرة القدم، رغم سحرها، تظل مجرد بوابة لاكتشاف عمق الانتماء لقارة واحدة تنبض بالبهجة.