مع الساعات الأولى من صباح الجمعة، كان البرد يزحف بهدوء على مرتفعات إقليم أزيلال، والغيوم الرمادية تلامس قمم الجبال كأنها تمهد لقدوم الثلج. في الساحات القريبة من مقرات المصالح التقنية، لم يكن المشهد عاديا: آليات مصطفة، فرق تقنية تتحرك بخطى سريعة، وأجهزة اتصال لا تتوقف عن الرنين. هنا، لا يُنتظر الثلج حتى يسقط… بل يُستقبل بالاستعداد.
مباشرة بعد إصدار المديرية العامة للأرصاد الجوية، أمس الجمعة 12 دجنبر 2025، نشرتها الإنذارية التي تتوقع تساقطات ثلجية بالمرتفعات التي يفوق علوها 1700 متر، دخل إقليم أزيلال حالة تعبئة شاملة. تعبئة تُدرك جيداً أن الثلج هنا ليس مجرد لوحة بيضاء جميلة، بل امتحان سنوي للبنيات والخدمات وحياة الساكنة في الجبل.
في مقر المديرية الإقليمية للتجهيز واللوجستيك، تبدو الخرائط منشورة على الطاولات، وعليها علامات تحدد المحاور الطرقية الحساسة. يقول المدير الإقليمي إن الأولوية تُمنح للطرق المصنفة، باعتبارها الشرايين الأساسية التي تربط الجماعات والقرى بمراكز الإقليم. “نشتغل بفرق تقنية تعمل على مدار الساعة، نراقب، نتدخل، ونفتح الطرق فور تسجيل أي انقطاع”، يوضح وهو يشير إلى كاسحات الثلوج والجرافات الجاهزة للتحرك في أي لحظة.
غير بعيد عن الطرق المعبدة، حيث تنتهي الإسفلت وتبدأ المسالك الوعرة، تتحرك مجموعة الجماعات بإقليم أزيلال في صمت ولكن بفعالية. في تصريح لـ“الصحراء المغربية”، يؤكد خالد حامد، رئيس مأرب آليات المجموعة، أن التدخل هنا أكثر تعقيدا. “نحن معنيون بالمسالك الترابية والممرات الداخلية، تلك التي يعتمد عليها السكان للوصول إلى المدارس والمراكز الصحية والأسواق”. فرق محلية تعرف الجبل ومنعرجاته، وآليات تتقدم بحذر في مسالك قد تتحول في ساعات إلى ممرات مغلقة بالثلج أو الانهيارات.
في ساحة جانبية، تُفحص الآليات واحدة تلو الأخرى. محركات تُشغّل، عجلات تُراقب، خزانات وقود تُملأ عن آخرها. الصيانة هنا ليست إجراء روتينيا، بل شرطا أساسيا لنجاح أي تدخل. حتى وسائل الاتصال تحظى بعناية خاصة: أجهزة لاسلكية تُختبر، وبطاريات احتياطية تُجهز، وكل ذلك تحسبا للحظات قد تنقطع فيها الشبكة ويصبح التواصل مسألة وقت وحياة.
أكياس الملح الصناعي
على مستوى آخر من الاستعداد، يلفت الانتباه تكديس أكياس الملح الصناعي داخل مخازن مهيأة. عماد لحماني، رئيس مكتب الصيانة الطرقية بالنيابة، يشرح أن هذا الملح يُعد سلاحا أساسيا ضد الجليد. “نقوم بنثره وفق معايير تقنية دقيقة، قبل وأثناء تشكل الجليد، لخفض نقطة التجمد وتسريع الذوبان، وتفادي انزلاق العربات”، يقول وهو يتابع عملية التخزين بعين لا تغفل التفاصيل.
كل هذه الجهود لا تسير بشكل معزول. من داخل عمالة أزيلال، تشتغل خلية يقظة تضم المديرية الإقليمية للتجهيز، مجموعة الجماعات، والسلطات المحلية، والدرك الملكي، والوقاية المدنية، والقوات المساعدة وأعوان السلطة. خلية تتابع تطورات الطقس لحظة بلحظة، وتنسق التدخلات لضمان فك العزلة، تأمين المرور نحو المستشفيات، نقل الحالات الاستعجالية، وضمان وصول المؤن إلى الدواوير التي قد تحاصرها الثلوج.
في أزيلال، لا يُقاس الاستعداد بعدد الآليات فقط، بل بسرعة التنسيق وحضور الإنسان في قلب الخطة. هنا، وسط الجبل والبرد، يتحول الاستنفار إلى طمأنة، والعمل الاستباقي إلى رسالة واضحة: مهما اشتدت قسوة الطبيعة، تبقى استمرارية الحياة وسلامة المواطنين أولوية لا تقبل التأجيل.
محمد دومة وعزالدين كايز
تصوير: الكايز