لم يكن اجتماع اللجنة الإقليمية لليقظة بخنيفرة، المنعقد الجمعة 5 دجنبر بقاعة الاجتماعات بالعمالة، مجرد لقاء إداري لإعادة ترتيب الأوراق. السياق منحه وزنا أكبر؛ فالإقليم يقف عند تخوم شتاء جبلي قاسٍ، وسماء تُنبئ بموجات مطرية قد ترفع منسوب الأنهار، وتعيد إلى الواجهة ذاكرة فيضانات ثقيلة. لذلك بدا واضحا منذ الدقائق الأولى أن الاجتماع يدخل ضمن لحظة استثنائية تستدعي أعلى درجات الجاهزية. ترأس اللقاء عامل الإقليم محمد عادل إهوران، بحضور مسؤولي المصالح الأمنية، وممثلي القطاعات الخارجية، ورؤساء الجماعات، والسلطات المحلية.
الاجتماع انصرف إلى ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز منظومة اليقظة، وضع مخطط تدخل استباقي، وحماية سكان المناطق الجبلية من تقلبات الطقس، وخاصة موجة البرد التي بدأت مبكرا هذا الموسم. وشدّد عامل الإقليم على أنّ التنسيق المستمر بين كل المتدخلين لم يعد خياراً تنظيمياً، بل ضرورة تُمليها هشاشة المجال الجبلي وما يفرضه من مخاطر مفاجئة.
في عرضه الأول، قدّم المهندس حسن الطيبي من وكالة الحوض المائي لأم الربيع صورة دقيقة عن منظومة الرصد الهيدرولوجي، مشيراً إلى أن الوكالة تتوفر على ثلاثين محطة أوتوماتيكية من أصل ست وثلاثين، موزعة على مستوى الحوض. خنيفرة لوحدها تحتضن خمس محطات أوتوماتيكية جديدة، ضمن توجه أوسع لتعزيز شبكة القياس المرتبطة بالعيون والفرشات المائية. واعتبر الطيبي أن هذا الانتشار يشكل "رافعة أساسية لتحسين اليقظة المائية والتنبؤ بالأحداث المناخية المفاجئة"، مؤكداً أن النظام الجديد يسمح بالحصول على المعطيات لحظة بلحظة.
وأوضح الطيبي أن المواد 21 و22 في الإطار التنظيمي تمنح للجنة الإقليمية للماء صلاحيات واسعة في تتبع النشرات التحذيرية، وتفعيل حالة الانعقاد الدائم عند تسجيل أي مستوى إنذاري متوسط أو مرتفع. وأضاف أن اللجنة لا تكتفي بالتنسيق الإداري، بل تشرف على عمليات التحسيس، والإنقاذ، وجمع المعطيات الميدانية، بما يجعلها محوراً أساسياً لضمان يقظة فعالة. غير أن الجانب البشري، كما قال، ما يزال الحلقة الأضعف، بسبب البناء قرب مجاري الأودية، والاعتداء على الملك العام المائي، وضعف بعض المنشآت التقنية. وهذه كلها إكراهات تتطلب، حسب قوله، "مقاربة تشاركية تجمع بين التوعية الصارمة وتحديث البنية التحتية".
سجل ثقيل من الفيضانات..
أما العرض الثاني، الذي قدمه رئيس القيادة الإقليمية للوقاية المدنية، فقد تحوّل إلى قراءة في "ذاكرة الفيضانات" بخنيفرة. الإقليم، كما يقول، يحمل سجلا ثقيلا من الأحداث: فيضانات دجنبر 2003، ثم فبراير ومارس 2010، تليها عاصفة غشت 2011، ثم فيضانات 2018 و2019، وصولاً إلى أبريل 2021 وأكتوبر 2022. "هذه الوقائع ليست مجرد حوادث متفرقة"، يضيف القائد، "بل مؤشر واضح على طبيعة الخطر المستمر الذي يفرض يقظة دائمة".
وعرض القائد بالتفصيل أخطار الفيضانات على الإنسان والحيوان والبيئة والممتلكات، مشيرا إلى تسجيل حالات غرق وصعقات كهربائية، وعزل دواوير بكاملها، ونفوق قطعان، وتدمير للغطاء النباتي والمحاصيل. وأكد أن القيادة تعتمد خطة شاملة تتوزع إلى ثلاثة محاور: حماية الأشخاص عبر الإخبار المبكر وتوجيه السكان، حماية الممتلكات عبر تأمين المنشآت وإجلاء الحيوانات وتجفيف الفضاءات المتضررة، ثم حماية البيئة عبر الحد من انتشار الملوثات والتدخل في مواقع تسرب المواد الخطرة. كل ذلك يتم – كما شدد – ضمن تنسيق محكم مع مختلف المتدخلين.
العرض الثالث، الذي قدمته المهندسة سناء الخنشوفي من الوكالة الحضرية بخنيفرة، قدّم زاوية أخرى بطريقة أكثر تخطيطية. فالوقاية، كما قالت، "لا تبدأ من لحظة الفيضان، بل من وثائق التعمير". واعتبرت أن إدماج مخاطر الفيضانات في هذه الوثائق أصبح "خطوة محورية لضمان تنمية عمرانية آمنة". وأوضحت أن المخطط المديري للتهيئة العمرانية وتصاميم التهيئة يعتمد حالياً خرائط تحدد المناطق غير القابلة للبناء. وأشارت إلى أن دراسة تصميم تهيئة مركز لهري، ومريرت، وتيغزة، وصلت مرحلتها الثالثة المتعلقة بإعداد خريطة القابلية للتعمير، وهي خريطة ستمكن من تحديد المجالات التي تتطلب تقنيات وقائية خاصة قبل الترخيص بأي مشروع.
وأبرزت الخنشوفي أن هذه الدراسة، التي أطلقت سنة 2017 بشراكة بين وزارة إعداد التراب الوطني وجهة بني ملال–خنيفرة والبنك الدولي، تشمل كل النفوذ الترابي للإقليم، وستكون مرجعاً أساسياً لاتخاذ القرار وتحيين وثائق التعمير. وختمت بقولها إن مواجهة الفيضانات اليوم "تتطلب مقاربة استباقية تتجاوز منطق التدخل بعد وقوع الكارثة، وتتحول إلى خيار استراتيجي يقوم على التخطيط المحكم وترشيد استعمال المجال الترابي".
عز الدين كايز