ليلة تجمدت فيها الأرصفة ودفأت القلوب ..قصة مسن نام فوق شجرة لينجو من موت بارد

الصحراء المغربية
السبت 06 دجنبر 2025 - 14:10

في مساء بارد من ليلة الجمعة 5 دجنبر الجاري، وبينما كانت شوارع بيوكرى، التابعة لعمالة اشتوكة أيت باها، التي تبعد بنحو 33 كيلومترا عن مدينة أكادير، عاصمة وسط المملكة، تستسلم لريح باردة تشقّ الجلد، دوّى في صمت المدينة مشهد إنساني نادر، سيظلّ محفورا في ذاكرة كل من عاش تفاصيله أو رآه بعينيه.

في تلك الليلة، كانت السلطات المحلية بشراكة مع مؤسسة "أهلي" والتعاون الوطني تنفّذ حملة "دفء" لإنقاذ المشردين وحمايتهم من موجة البرد القارس التي تضرب المنطقة، فلم يكن أحد يتوقع أن تتحول العملية الروتينية إلى لحظة إنسانية تصدم القلب قبل العين.
"شيخ الشجرة".. حين يختبئ الألم بين الأغصان

خلال جولة الفريق الإنسانية، قادتهم الصدفة إلى مشهد أقرب إلى فيلم مؤلم منه إلى واقع معاش. ففي ركن مظلم عند أطراف المدينة، لمح أحد المتطوعين رجلا مسنّاً يحاول أن يجعل من أغصان شجرة فراشا له، فوق الشجرة.
لم يكن الرجل يحمل شيئا سوى جسد منهك يطارده البرد، وملامح تعب عمرها عقود من الوحدة.
كان المشهد صاعقا: رجل يهرب من برودة الأرض إلى برد آخر فوق الأغصان، يظنّ أن ارتفاعه قليلاً سيحميه من رطوبة الليل.
لم ينطق المسنّ كثيراً حين اقتربوا منه، لكن عينيه كانتا كافيتين لتقول كل ما لم تستطع الكلمات قوله: أنا هنا… لأن لا مكان يأويني.

 

حين تتجسد الإنسانية في أفعال لا في خطابات
اقترب أعضاء الحملة الإنسانية بهدوء، وكأنهم يقتربون من جرح مفتوح. تحدثوا إلى الرجل بلطف، ثم ساعدوه على النزول، قبل أن يقدّموا له وجبة ساخنة كانت كقطرة حياة أعادت إليه بعض الدفء.
أُحضرت الأغطية بسرعة، وأُلبس الرجل ما يخفف عنه قسوة البرد.
كان الفريق يدرك أنه لا ينقذ شخصاً فقط، بل يعيد إنسانا إلى دائرة الاهتمام بعد أن لفظته الحياة إلى الهامش.
المشهد كان أكبر من حملة شتوية… كان درساً في معنى "الإنسانية حين تتحرك 
الإدارة والجمعيات، حين يتلاقى الواجب بنبض القلب. هذا التدخل لم يكن مجرد مبادرة موسمية، بل نموذجا لما يمكن أن يحدث حين تتكاتف مؤسسات الدولة مع المجتمع المدني.
في تلك اللحظات، لم تكن "السلطة" سلطة فقط، كانت يد رحيمة، ولم يكن "الفعل الجمعوي" نشاطا عاديا، بل روحا تتنفس تضامنا. كل من شارك في العملية غادر المكان وشيئاً ما قد تغيّر داخله.
اكتشف الجميع أنه حين تنقذ إنسانا من الموت البارد، فأنت لا تمنحه الدفء فقط، بل تمنحه معنى جديدا للحياة.

 

من أغصان الشجرة إلى مأوى آمن

بعد تقديم الإسعافات الأولية، جرى تنسيق سريع لنقل المسن إلى مؤسسة اجتماعية مؤهلة تضمن له الرعاية الصحية والنفسية، وتؤمّن كرامته التي ضاعت لسنوات بين الشوارع.
لن ينام الرجل بعد اليوم على أغصان شجرة، فثمة سرير ينتظره، ووجبة دافئة، ووجوه لا تنظر إليه بعين الشفقة بل بعين الإنسان للإنسان. مدينة بيوكرى تُذكّر الجميع أن الرحمة هي آخر خطوط الدفاع عن إنسانيتنا في مشهد صرخة صامتة تهزّ الضمائر في كل مدينة، وفي كل شارع، هناك من يحتاج إلى نظرة رحمة فقط ليظلّ على قيد الحياة، لتثبت في تلك الليلة أن التضامن ليس شعارا، بل فعلا قادرا على تغيير مصير إنسان ولو للحظة، فالإنسانية هي البوصلة، وما دونها تفاصيل.

 

 

سعيد أهمان




تابعونا على فيسبوك