منذ سنة 2015، تاريخ اعتماد التقسيم الجهوي الجديد، لم يتوقف سكان إقليم الجديدة عن طرح سؤال واحد: كيف لمدينة تضخ في شرايين جهة الدار البيضاء–سطات طاقة اقتصادية وسياحية وثقافية لا تنضب، أن تغيب عن اسم الجهة نفسها؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره يحمل في عمقه إحساسًا جماعيًا بعدم الإنصاف الرمزي، إذ يشعر كثير من سكان الجديدة أن مدينتهم التي تشكّل أحد الأعمدة الاقتصادية للمغرب، ظلت في موقع "الظل" رغم حضورها القوي في التنمية الوطنية. من الأمل إلى الإحباط الرمزي عندما أُعلن عن مشروع الجهوية المتقدمة، رافق سكان الجديدة أمل كبير بأن تنال مدينتهم مكانة واضحة في التسمية الجهوية، إلى جانب الدار البيضاء وسطات. لكن مع اعتماد الاسم الحالي "جهة الدار البيضاء–سطات"، بدا أن الميزان يميل نحو المركز، بينما غابت الجديدة عن اليافطة الرسمية رغم ثقلها الاقتصادي والثقافي.
في المقاهي والأسواق والشوارع، ما زال النقاش حاضرًا حول هذه المفارقة. فالدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، تصدّرت واجهة الاسم، وتبعتها سطات، فيما ظلت الجديدة — برصيدها الصناعي والفلاحي والسياحي — خارج المعادلة الرمزية. مبادرة برلمانية لإعادة الاعتبار هذا الجدل المتجدد وجد طريقه مؤخرًا إلى البرلمان، بعد أن وجّه النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي عن الفريق الاشتراكي سؤالًا كتابيًا إلى وزير الداخلية يدعو فيه إلى مراجعة تسمية الجهة لتشمل اسم الجديدة. وأكد البرلماني في مذكرته أن إقليم الجديدة يمثل ركيزة أساسية في البنية الاقتصادية والفلاحية والسياحية والثقافية للجهة، معتبرًا أن الاسم الحالي "لا يعكس الوزن الحقيقي للجديدة داخل المنظومة الجهوية"، ولا ينسجم مع مبدأ الإنصاف الترابي الذي تنادي به الجهوية المتقدمة. مدينة تُسهم ولا تُذكر تُعد الجديدة اليوم من أبرز المراكز الصناعية بالمغرب بفضل ميناء الجرف الأصفر، الذي يُعتبر أحد أكبر الموانئ الصناعية في إفريقيا، كما تحتضن منشآت جامعية كبرى وتُعد من الأقطاب الفلاحية والسياحية الحيوية في المملكة
. ورغم هذا الحضور القوي، يرى فاعلون محليون أن المدينة تدفع ثمن الغياب الرمزي عن واجهة الجهة، وهو ما ينعكس – برأيهم – على تمثلات الاستثمار، والانتماء، والإحساس بالمشاركة في القرار التنموي. ففي الوقت الذي تحرص فيه جهات أخرى على تمثيل مكوناتها في التسمية مثل "فاس–مكناس" أو "مراكش–آسفي"، ظلت الجديدة خارج الاسم رغم حضورها القوي في الاقتصاد الجهوي. أكثر من اسم... قضية انتماء ويؤكد مراقبون أن مطلب إدراج اسم الجديدة ليس مجرد رمز أو مطلب عاطفي، بل خطوة لتصحيح صورة غير متوازنة، وبناء شعور بالانتماء الجهوي المشترك. فالمسألة – كما يقول أحد الباحثين المحليين – "تتجاوز الاسم إلى عمق الإحساس بالمواطنة الترابية والمشاركة في القرار التنموي"، إذ أن الجهوية المتقدمة لا تكتمل إلا بتكامل المركز مع الأطراف، خصوصًا بين الدار البيضاء كقطب اقتصادي، وسطات والجديدة كمجالين داعمين للتنمية المتوازنة. سكان الجديدة: الاعتراف المتأخر رغم إشادة كثير من سكان المدينة بالمبادرة البرلمانية، فإن بعضهم عبّر عن عتبه على تأخر طرح الموضوع، معتبرين أن الخطوة كان ينبغي أن تتم منذ إعلان التقسيم الجهوي سنة 2015، لأن رمزية الاسم جزء من هوية الجهة واعتراف بمكانة الجديدة في النسيج الاقتصادي الوطني.
وقال أحد الفاعلين الجمعويين في تصريح محلي إن "الأسماء ليست مجرد حروف، بل رموز تعبّر عن العدالة المجالية والاعتراف بالجهود التنموية"، مضيفًا أن "الجديدة، رغم غيابها في الاسم، ظلت حاضرة في كل دينامية اقتصادية بالجهة". نحو مراجعة العدالة المجالية في سؤاله، دعا النائب الفاطمي إلى فتح نقاش وطني حول مراجعة أسماء بعض الجهات المغربية، بما ينسجم مع العدالة المجالية والانتماء الجغرافي والثقافي لمكوناتها، مؤكدًا على ضرورة أن تعكس التسميات الرسمية تنوع التراب الوطني وغناه الرمزي. ويرى عدد من المتتبعين أن هذا النقاش قد يشكل مدخلًا لتقييم تجربة الجهوية المتقدمة بعد مرور عقد على اعتمادها، خاصة في ظل مطالب تتكرر في جهات أخرى تشعر أن أسماءها لا تمثّلها بشكل عادل. بين الغياب في الاسم والحضور في التنمية تبقى الجديدة، رغم غيابها عن الاسم، حاضرة بقوة في مشاريع التنمية والاستثمار، من خلال ميناء الجرف الأصفر، والمنطقة الصناعية، ومؤسساتها الجامعية والسياحية. لكن ما ينتظره سكانها اليوم هو اعتراف رمزي يعيد التوازن إلى الخريطة الجهوية، ويكرّس مبدأ "الجهة كوحدة متكاملة" وليس كمركز يبتلع الأطراف. وفي انتظار تفاعل وزارة الداخلية مع السؤال البرلماني، تظل الجديدة مدينة حاضرة في القلب وغائبة عن اليافطة، في مشهد يلخص المفارقة بين التنمية الملموسة والاعتراف الرمزي الذي طال انتظاره.