في خطوة لتعزيز الرقابة الدستورية، أعدت الحكومة مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، تطبيقا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 133 من الدستور المغربي.
ويحدد هذا المشروع، وفقا لأحكام الفصل المذكور شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون ساري المفعول، يراد تطبيقه في دعوى معروضة على المحكمة، يدفع أحد أطرافها أنه يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.
ويروم القانون التنظيمي المكون من 31 مادة، تمكين المتقاضين من وسيلة قانونية جديدة تتيح لهم الدفع أمام المحاكم بعدم دستورية أي مقتضى تشريعي يرون أنه يمس بالحقوق أو الحريات التي يضمنها الدستور، ما يجعل المواطن شريكا في حماية سمو الدستور واحترام مقتضياته.
آلية حماية الحقوق الدستورية
ينطلق مشروع القانون من مبدأ أساسي مفاده أن الدستور هو المرجع الأعلى لكل القوانين، وأن أي نص تشريعي يخالفه يفقد مشروعيته.
ولهذا، يمنح المشروع للأطراف في القضايا المعروضة على المحاكم إمكانية إثارة الدفع بعدم دستورية قانون ساري المفعول يراد تطبيقه عليهم، متى اعتقدوا أن تطبيقه سيمس بحق أو حرية مضمونة دستوريا.
ويشمل هذا الحق، وفق ما نصت عليه المادة الثالثة، مختلف المحاكم المغربية، بما في ذلك المحكمة الدستورية نفسها عند نظرها في الطعون الانتخابية. ولا يمكن للمحكمة أن تثير الدفع من تلقاء نفسها، بل يجب أن يأتي من أحد أطراف الدعوى، ويثار قبل أن تصبح القضية جاهزة للحكم.
إجراءات دقيقة لتقديم الدفع
ألزم المشروع، في المادة الرابعة، مثير الدفع بتقديمه في شكل مذكرة كتابية مستقلة، موقعة من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، باستثناء الحالات التي تقدمها النيابة العامة.
ويتعين على المذكرة أن تتضمن مجموعة من البيانات الإلزامية، من بينها: المقتضى التشريعي موضوع الدفع، والحق أو الحرية التي يدعى خرقها، والكيفية التي تم بها تطبيق النص أو يراد تطبيقه في الدعوى، مع تقديم الوثائق والمستندات اللازمة.
كما يشترط أداء رسم قضائي يحدد وفق التشريع الجاري به العمل، ما لم يكن مثير الدفع مستفيدا من المساعدة القضائية أو معفى قانونا من الأداء.
ويلزم المشروع، وفق المادة الخامسة، المحكمة التي أثير أمامها الدفع بالتأكد من استيفائه الشروط القانونية داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام، مع إمكانية إنذار الطرف المعني لتصحيح المسطرة خلال أربعة أيام إضافية. وإذا تبين أن الدفع مستوف للشروط، تحيله المحكمة مرفقا بالمذكرة إلى محكمة النقض داخل الأجل المحدد، أما إذا لم تتوفر الشروط، فيصدر مقرر معلل بعدم القبول يكون غير قابل للطعن.
وقف الدعوى واستمرارية العدالة
وفقا لمقتضيات المادة السادسة، يترتب عن تقديم الدفع وقف البت في الدعوى والآجال المرتبطة بها ابتداء من تاريخ إثارته، إلى حين صدور قرار بشأنه. لكن المشروع استثنى حالات محددة بموجب المادة السابعة، حيث لا يؤدي وقف البت إلى تعطيل إجراءات التحقيق المدنية أو الجنائية، أو اتخاذ التدابير الوقتية أو التحفظية، أو الإجراءات المستعجلة، أو تلك التي قد يؤدي تأخيرها إلى ضرر يتعذر إصلاحه.
كما سمح للمحاكم بمواصلة النظر في القضايا عندما ينص القانون على أجل محدد للبت فيها أو في القضايا المستعجلة.
محكمة النقض وتصفية الدفوع
حدد المشروع بدقة مسطرة إحالة الملفات على محكمة النقض ودورها في فحص الدفوع، إذ يتعين، حسب المادة الثامنة، إشعار الوكيل العام للملك بالإحالة قصد تقديم ملتمساته خلال ثلاثة أيام من تاريخ التوصل.
وتتولى محكمة النقض وفق المادة التاسعة التأكد من شرطين أساسيين: وجود صلة بين المقتضى التشريعي المطعون فيه والحق أو الحرية موضوع الخرق، وألا يكون قد سبق البت في مطابقة ذلك المقتضى للدستور إلا إذا تغيرت الأسس التي بني عليها القرار السابق.
وتصدر محكمة النقض، بموجب المادة العاشرة، مقررا معللا داخل أجل لا يتعدى خمسة عشر يومًا، يكون غير قابل للطعن، وتبلغه إلى المحكمة التي أثير أمامها الدفع. وفي حال قبول الدفع، تحيله محكمة النقض على المحكمة الدستورية مرفقا بمذكرة الدفع ومقرر القبول وفق المادة الحادية عشرة.
كما يمكن، حسب المادة الثانية عشرة، إثارة الدفع مباشرة أمام محكمة النقض، التي تسير وفق نفس المساطر وتصدر قرارها خلال المدة المحددة نفسها.
ضمانات التنازل والإجراءات الخاصة
نظم المشروع حالات التنازل عن الدعوى التي أثير فيها الدفع، حيث نصت المادة الرابعة عشرة على أنه إذا تنازل المدعي عن دعواه قبل الإحالة على المحكمة الدستورية، تشهد المحكمة على ذلك وتبلغ الإشهاد إلى الرئيس الأول لمحكمة النقض قصد حفظ الملف. لكن لا يجوز التنازل عن الدفع بعد صدور مقرر محكمة النقض بقبوله وإحالته على المحكمة الدستورية.
كما أكد المشروع في المادة الخامسة عشرة أنه في حالة عدم وجود مقتضى خاص، تطبق أمام المحاكم قواعد المسطرة المدنية أو الجنائية أو النصوص الخاصة، حسب نوع القضية المعروضة.
المسطرة أمام المحكمة الدستورية
خصص المشروع بابا كاملا لتحديد الشروط والإجراءات أمام المحكمة الدستورية. فوفق المادة السادسة عشرة، يقدم الدفع أمام المحكمة الدستورية بمناسبة المنازعات الانتخابية بمذكرة مكتوبة تتضمن نفس الشروط السابقة، مرفقة بجميع الوثائق المؤيدة.
ويترتب عن هذا الدفع، حسب المادة السابعة عشرة، إيقاف البت في المنازعة إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية، دون أن يوقف ذلك إجراءات التحقيق الخاصة بالعمليات الانتخابية.
كما يجوز للمحكمة الدستورية، وفق المادة الثامنة عشرة، أن تنذر مثير الدفع لتصحيح المسطرة خلال أجل لا يتجاوز أربعة أيام. كيف ستبت المحكمة الدستورية؟ تحدد المواد من 19 إلى 26 مختلف مراحل دراسة المحكمة الدستورية للدفع. فهي تبلغ فورا نسخة منه إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان والأطراف المعنية لإبداء ملاحظاتهم الكتابية داخل أجل تحدده المحكمة.
ويجوز لها تبليغ المذكرات الجوابية للأطراف المعنية وتحديد آجال للتعقيب عليها، كما يمكنها ضم الدفوع المتصلة بنفس المقتضى التشريعي.
ويحدد رئيس المحكمة، بعد انقضاء الآجال، تاريخ الجلسة مع إشعار رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان والأطراف قبل انعقادها بعشرة أيام على الأقل.
وللمحكمة الدستورية أن تطلب نسخة من ملف الدعوى أو الوثائق المتعلقة بها داخل أجل عشرة أيام من تاريخ التوصل بطلبها، وتبت في الدفع خلال مدة لا تتجاوز تسعين يوما من تاريخ الإحالة أو من تاريخ إثارته أمامها.
وتصدر قراراتها وفق القواعد المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية. وعند صدور القرار، يتم تبليغه إلى محكمة النقض وإلى المحكمة التي أثير أمامها الدفع داخل أجل ثمانية أيام، كما يبلغ إلى الملك ورئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، وينشر القرار فور صدوره في الجريدة الرسمية وفي الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية.
آثار القرار ورقمنة المسطرة
حدد المشروع، في المادة السابعة والعشرين، أن القرار الصادر بعدم دستورية مقتضى تشريعي يؤدي إلى نسخه ابتداء من تاريخ تحدده المحكمة الدستورية، طبقا لأحكام الفصل 134 من الدستور، دون ترتيب أي مسؤولية على الدولة عن تطبيق النص قبل نسخه.
كما أوضحت المادة الثامنة والعشرون أنه إذا صدر قرار سابق بعدم دستورية نفس المقتضى، يتعين على المحكمة المعنية ترتيب جميع الآثار القانونية على الدعوى المرتبطة به، بما في ذلك إمكانية رفع دعوى جديدة من قبل الأطراف المتضررة.
ومن المستجدات المهمة التي جاء بها المشروع ما نصت عليه المادة التاسعة والعشرون، التي سمحت بتبادل المذكرات والوثائق إلكترونيا وإيداعها عبر الأنظمة المعلوماتية المعدة لذلك، معتبرة أن الإشعارات الإلكترونية تعادل الوثائق الورقية، على أن تحدد الكيفيات التقنية بمقتضى نص تنظيمي.
واختتم المشروع أحكامه بتحديد آجال دقيقة، إذ نصت المادة الثلاثون على أن الآجال المنصوص عليها تحتسب كاملة دون إدراج يوم البداية أو النهاية، مع تمديدها تلقائيًا إذا صادف اليوم الأخير عطلة.
أما المادة الحادية والثلاثون فحددت دخول هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد مرور أربع وعشرين ساعة من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.