كشف إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، عن أرقام ومعطيات دقيقة تعكس الدور المتنامي للمحاكم المالية في ضبط المالية العمومية وحماية المال العام بالمغرب، مستعرضا في إطار شرح مستفيض لطلبة الجامعات، المهام الرقابية والقضائية للمجلس الأعلى للحسابات، المتمثلة في ممارسة المراقبة العليا على المالية العمومية، وتدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة.
395 قرارا و132 ملفا أمام القضاء
وأوضح الوكيل العام، خلال تأطيره لدرس أكاديمي حول موضوع "الوظيفة العقابية للمحاكم المالية"، الجمعة 20 يونيو 2025، المنظم من طرف مختبر القانون العام وحقوق الإنسان بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، أن المحاكم المالية أصدرت 395 قرارا وحكما في مادة التدقيق والبت في الحسابات، منها 3190 قرارا وحكما بإبراء الذمة، و761 قرارا وحكما جرى بمقتضاها التصريح بعجز في الحسابات بمبلغ إجمالي 54.152.299,17 درهما، وذلك استنادا إلى التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024.
كما سجلت هذه المحاكم، يضيف إبراهيم بن به استرجاع الأجهزة المعنية مبلغا إجماليا قارب 28.2 مليون درهم قبل إصدار القرارات والأحكام النهائية بشأن الحسابات المعنية. وأبرز الوكيل العام، في الدرس الأكاديمي الذي نظم من قبل مختبر القانون العام وحقوق الإنسان بالكلية، أنه ووفقا للتقرير ذاته، أحيل 132 ملفا على القضاء الجنائي منذ دخول مدونة المحاكم المالية حيز التنفيذ.
وفي هذا الصدد، لفت الانتباه هنا إلى أن هذه الإحالات جاءت في إطار التعاون القائم بناء على توقيع مذكرة تعاون بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للحسابات في يونيو 2021، مما يعكس التوجه نحو مقاربة تشاركية في مكافحة الجرائم المالية، وتعزيز التنسيق في متابعة المخالفات المالية.
أما في مجال التأديب المالي المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، قال المسؤول القضائي إن المحاكم أصدرت 86 حكما وقرارا، كما أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، 16 ملفا بشأن أفعال قد تستوجب عقوبة جنائية على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، في حين، بلغ مجموع الغرامات المحكوم بها 5.056.500.00 درهم، بالإضافة إلى إلزام المخالفين بإرجاع 9.148.973.42 درهما إلى الخزينة العامة. وأشار المسؤول القضائي إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم التحديات التي تواجه الرقابة على المال العام، خاصة في ظل تعدد أوجه المخالفات التي تتراوح بين "التسيير المعيب، والإخلال بواجبات المحاسبين العموميين، وحالات التصرف غير القانوني في الأموال العامة".
المجلس الأعلى للحسابات.. صرح دستوري
وفي معرض الدرس الأكاديمي، استعرض الوكيل العام مسيرة المجلس الأعلى للحسابات كجهاز أعلى للرقابة على المالية العامة بالمملكة المغربية. فمنذ إحداثه عام 1979، تطور المجلس ليصبح مؤسسة دستورية بفضل دستور 1996، وتعزز دوره بإحداث المجالس الجهوية للحسابات عام 2002 بموجب القانون 62-99.
كما منحه دستور 2011 صلاحيات واختصاصات جديدة، مؤكدا استقلالية هذه المحاكم التي تتألف من قضاة يعينون بظهير شريف ويسري عليهم نظام أساسي خاص.
وأكد الوكيل العام أن المهمة الأساسية للمجلس تتجسد في تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية، وذلك من خلال صلاحيات واختصاصات وآليات متنوعة ومتكاملة.
ثنائية الاختصاصات .. بين الرقابة والعقاب
وسلط بن به الضوء على الطبيعة المزدوجة لاختصاصات المحاكم المالية، فإلى جانب المهام القضائية، التي تشمل التدقيق والبت في الحسابات، والبت في حسابات المحاسبين العموميين، والتصريح بحالات التسيير بحكم الواقع، والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية كاختصاص عقابي، تمارس المحاكم المالية، أيضا، اختصاصات غير قضائية ذات طابع رقابي.
وتشمل هذه الاختصاصات مراقبة التسيير، ومراقبة استعمال الأموال العمومية، ومراقبة استعمال الأموال التي يتم جمعها عن طريق التماس الإحسان العمومي. كما تقدم المحاكم الاستشارة للبرلمان والحكومة، وتبذل المساعدة للهيئات القضائية، وتشرف على مراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات، ومراقبة حسابات الأحزاب السياسية وتمويل الحملات الانتخابية، بالإضافة إلى التصديق على حسابات الدولة.
ويصدر المجلس تقارير خاصة وملاحظات وتوصيات بناء على هذه المراقبات. أنظمة المسؤولية والعقوبات التأديبية وتطرق الوكيل العام للملك إلى أنظمة المسؤولية المتعددة والمتنوعة في مجال التدبير المالي العمومي، التي تشمل المسؤولية أمام المحاكم المالية، والمسؤولية السياسية، والمسؤولية المدنية (الإدارية)، والمسؤولية الجنائية، والمسؤولية التأديبية، والمسؤولية التدبيرية (مراقبة التسيير). مشددا على أن العقوبات التي تصدرها المحاكم المالية تتميز بثنائية في طبيعتها، تجمع بين الزجر وجبر الضرر حيث تجمع بين الزجر الاقتصادي وجبر الضرر.
وتشمل العقوبات المالية كلا من الغرامة في مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، والتي تتراوح بين حد أدنى 1000 درهم وحد أقصى يعادل الأجرة السنوية الصافية للمعني بالأمر، مع مراعاة مبدأ تفريد العقوبة وظروف التخفيف والتشديد.
كما تشمل العجز في الحساب في مادة التدقيق والبت في الحسابات، وغرامات التأخير في الإدلاء بالحسابات والغرامات التبديدية والغرامة في مجال التسيير بحكم الواقع، بالإضافة إلى إرجاع الأموال إذا تسببت المخالفات في إلحاق خسارة بجهاز عام. ويؤكد هذا الأداء الشامل للمحاكم المالية، كما صرح الوكيل العام للملك، التزام المغرب بتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، ويسهم في ترسيخ أسس الحكامة الجيدة.
وتعزيزا للرقابة وحماية المال العام، اختتم الوكيل العام درسه بالتأكيد على ضرورة تعزيز الرقابة الداخلية في المؤسسات العمومية، وتبسيط مساطر المتابعة القضائية لتسريع البت في قضايا المال العام، وتوسيع نطاق المساءلة ليشمل كلا من يساهم في الإخلال بقواعد التدبير المالي.
وشدد إبراهيم بن به أن الانفتاح على المحيط الجامعي يهدف إلى إشاعة ثقافة حسن التدبير والمساءلة، مضيفا أن المحيط الجامعي له دور كبير في التعريف بالمسؤولية أمام المحاكم المالية والأدوار التي تقوم بها.