قال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إن مشروع المسطرة المدنية "يهم جميع المغاربة بمختلف أطيافهم ومكوناتهم"، وأنه "عندما سيخرج إلى حيز التنفيذ سيخلق إشكالات، وسيحدث مشاكل، وعلينا أن نهيئ أنفسنا للتعامل معها".
جاء تصريح وزير العدل، في كلمته التي ألقاها خلال اليوم الدراسي الذي نظمته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب حول "موضوع الفعالية والنجاعة القضائية في مشروع قانون رقم 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية"، يوم الخميس الأخير، حيث تحدث عن المسار الذي مرت منه عملية إعداد مشروع القانون، قائلا إنه "مسار طويل جدا، استغرق أزيد من سنة ونصف السنة من التشاور مع المؤسسات"، مضيفا: "جلسنا مع كل الأطراف، إنه العذاب المبين، فقد كانت هناك آراء مختلفة، وجميع مؤسسات الدولة طلبنا رأيها".
وأوضح وهبي أنه بعد الانتهاء من إعداد هذا القانون "أحلناه على السلطة القضائية والنيابة العامة وهيئات المحامين والمفوضين القضائيين وغيرهم، لأخذ رأيهم في الموضوع، وبعد ذلك نظمنا جلسات مع كل طرف لمناقشة ملاحظاته وآرائه، قبل إحالة القانون على الأمانة العامة للحكومة".
واعتبر المسؤول الحكومي، في تقديمه لمشروع قانون المسطرة المدنية، أنه "نتيجة عمل أكثر من 7 وزراء للعدل، وأن المساهم الرئيسي في إخراجه هو الزمن القضائي"، قائلا: "حتى أكون صريحا فهذا القانون لم يكتبه أحد بل كتبته ستة عقود من العمل القضائي والنيابي".
وأكد أن القوانين التي تنظم مجال العدالة في المغرب قوانين محافظة بشكل كبير ويكون من الصعوبة تعديل بعض مقتضياتها، لكن لا بد من الإقدام على التغييرات المؤلمة من أجل إصلاح العدالة، مشددا على أن تطوير العدالة يتطلب الجرأة والشجاعة لاتخاذ قرارات مؤلمة، لكنها من أجل العدالة، وأنه يجب إصلاح العدالة كلها أو تركها كلها.
وقال وزير العدل، في هذا الصدد، "قرارات قاسية اتخذتها أحيانا، لكنني أرى المصلحة التي سنحققها من وراء ذلك، أنتقد كثيرا وأُهان كذلك، وعلي كوزير للعدل أن أقبل بذلك وأنا أبتسم وأعانق من يقوم بذلك، وإلا لا يجب أن أقبل أن أكون وزيرا ".

تفاوض بين وزارة العدل وبنك المغرب
وسرد المسؤول الحكومي مستجدات تضمنها مشروع قانون المسطرة المدنية، موضحا أنه "يجب التفكير بأن كل ملف دخل للمحكمة هو قيمة مالية تؤدى من مال الشعب"، متسائلا: "لا أفهم في الجنايات أحيانا تعقد 30 وحتى 50 جلسة لتهييء الملف، ولا أفهم كيف أن القاضي يصدر حكما وننتظر شهرين لتحرير نسخته". وأضاف: "دخلنا في عملية قضائية بالاتفاق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث سيكون لكل قاض حاسوب محمول، وما عليه سوى الولوج للنظام المعلوماتي وصياغة الحكم، وإرساله إلى رئيس المحكمة".
واستطرد قائلا إن "هناك توجها نحو إلزام المحامين بأداء المصاريف القضائية بالشيك"، قائلا "إن قدم المحامي شيكا بدون رصيد سنقوم بالمتعين أمام النيابة العامة، وفي التعديلات سنتشدد في المهن القضائية في ما يتعلق بتقديم شيك بدون رصيد".
وكشف أن وزارة العدل تتفاوض مع بنك المغرب، من أجل إمكانية الولوج إلى الحسابات البنكية لضبط كافة أموال الزوج بعد الطلاق، بهدف منعه من التهرب من النفقة، وللتأكد مما إن كان لديه إمكانية أداء النفقة أم لا.
30 في المائة من الملفات الرائجة مشكلها التبليغ
أبرز الوزير الإشكالية التي تخلقها مسألة التبليغ في تأخير تنفيذ الأحكام القضائية، قائلا إن "30 في المائة من الملفات القضائية الرائجة، خاصة التي تعمر طويلا أمام المحاكم، مشكلها الأساسي هو التبليغ".
ولتجاوز هذا الأمر، كشف قائلا: "أقدمنا على خطوة جريئة نقوم من خلالها بتبليغ الشخص في العنوان الذي نملكه، وإذا قام بتغيير عنوانه، فقد أسسنا مكتبا على مستوى محكمة الاستئناف أطلقنا عليه اسم مكتب البيانات الرقمية، وعملنا على ربطه بوزارة النقل والمحافظة العقارية، والآن نشتغل على ربطه بالمديرية العامة للأمن الوطني، وبعدها بباقي الوزارات ومؤسسة بنك المغرب، كي تتم الإجراءات القانونية والقضائية في حينها".
وأضاف، في هذا السياق: "إذا قام القاضي بتبليغ الشخص المعني على العنوان الموجود، وحتى إذا لم يكن هذا الشخص موجودا بنفس العنوان، كان التبليغ صحيحا"، مسجلا أن وزارة العدل "تشتغل كذلك على إمكانية ربط هذا المكتب بالرقم الهاتفي الشخصي للمعني بالأمر، في انتظار إيجاد المخرج القانوني لهذه المسألة"، مستشهدا بمقولة "كم التزم بشيء ألزمه".
كما سرد وهبي أبرز التعديلات التي حملها مشروع قانون المسطرة المدنية، منها مسألة "عدم القبول"، وتقديم المستندات والإنذار..، والاختصاص النوعي، وتوسيع مجال تدخل النيابة العامة، وإقرار مرحلة التصدي على مستوى محكمة النقض، وإعادة النظر في طرق الطعن، وصدور الأحكام وتنفيذها في آجال معقولة، فضلا عن دور الوساطة على مستوى المحاكم، متسائلا: "هل يمكن أن يلعب القاضي دور الوساطة وفي نفس الوقت هو حكم".

إشكالات كبرى
وعرج الوزير على الإشكالات التي يعرفها قانون المسطرة المدنية الحالي من قبيل تقديم "أجل طلب الاستئناف أو طلب حق النقض"، ومضى قائلا: "نحن نتعامل مع التوقيت الإداري الذي لا يتجاوز الساعة 15.00، لكن بفضل التطور التكنولوجي، وعن طريق المنصة الرقمية، سيصبح بإمكان وضع طلب الاستئناف في 23.59، أي قبل دقيقة من انصرام الأجل المطلوب".
ولم يفت الوزير أن ينبه إلى ما اعتبره "إشكالات كبرى ستكون على مستوى القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية"، قائلا: "إننا حاولنا من خلال هذه التعديلات إلى حد كبير أن نجعل دور القاضي دورا إيجابيا في هذا القانون".
كما أعلن طرح مشروع المسطرة الجنائية على مسطرة المصادقة في الحكومة، قبل إحالته على البرلمان "قبل آخر شهر ماي"، معتبرا أن هذا المشروع الذي وصفه بـ "المثير للجدل" دخل "في مرحلة إجراءاته الأخيرة".
يذكر أن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية قالت في أرضية اللقاء الدراسي إن الهدف من تنظيمه هو "لإخضاع مشروع قانون المسطرة المدنية للدراسة والتحليل العلميين، والمساهمة في تجويد مقتضياته"، بمشاركة مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وخبراء وأكاديميين وفاعلين في مجال العدالة.
وتعتبر المجموعة أن المأمول من مشروع قانون المسطرة المدنية، أن يكرس مجموعة من القواعد الضامنة لسير مرفق العدالة، وأن يؤطر حقوق وواجبات المرتفق وأعضاء منظومة القضاء.
بنسالم أوديجا
مستشار بمحكمة النقض

قال إن مشروع قانون المسطرة المدنية يتكون من 644 مادة، وأن الصيغة الحالية هي الـ 43 من صيغ مشروع القانون.
وكشف أوديجا، في كلمته خلال اللقاء الدراسي، أن معدل التقاضي بسوء نية مرتفع بالمغرب، إذ تبلغ نسبة القضايا البسيطة كالنفقة والأكرية والديون العادية ونزاعات الشغل وغيرها 33 في المائة، من أصل خمسة ملايين قضية رائجة بمحاكم المملكة، وأن التقاضي بسوء نية يرتبط بعقلياتنا وتربيتنا وعاداتنا، مشددا على الحاجة إلى علاج هذا الوضع.
وأشار المسؤول القضائي إلى إشكالات أخرى، من قبيل تضخم القضايا أمام المحاكم، والخصاص على مستوى الموارد البشرية، وغيرها، بما يدعو إلى ضرورة اللجوء إلى وسائل بديلة لحل القضايا والمنازعات.
وعن مستجدات المشروع قال: "جاء بمنصة تلزم التعامل بين القضاء والدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وأشخاص القانون العام والمحامين بالبريد الإلكتروني، حسب الحالة"، بالإضافة إلى استخدام الوسائل الإلكترونية في عمليات البيع بالمزاد العلني وإجراءات التبليغ والإشهار، معتبرا ذلك "تحولا كبيرا في منظومة العدالة، وأن المغرب يعيش مرحلة تاريخية في مسار الإصلاح القضائي".
الحسين الزياني
رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب

أفاد أن بعض مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية "تقلص أو تعدم من الحقوق الدستورية، ويتعلق الأمر بمبدأ المساواة أمام القانون، درجات التقاضي، حق التقاضي، حماية منظومة حقوق الإنسان، وأن السند في ذلك الفصول 118 و120 و121 من دستور 2011 ".
ويرى الزياني، في مداخلته في اللقاء الدراسي، أن هناك "خصاصا في بيان الفلسفة الكبرى من تعديل قانون المسطرة المدنية، نظرا لغياب دراسة الجدوى والآثار لمقتضيات المشروع، فإنه يصعب ملامسة الأهداف التي يتوخاها المشرع من المشروع"، مضيفا: "هناك خصاص في تحديد المحاور الكبرى من الإصلاح وعدم إبراز مدى الحاجة الملحة لسن قانون جديد، والجدوى القانونية منه عن طريق دراسة قبلية، وبحث كل القوانين والتشريعات التي يمكن أن تؤثر على القانون الجديد وتطبيقه على أرض الواقع".
ولفت قائلا: "ورش الرقمنة الذي أصبح اليوم تحديا راهنيا لا يمكن إهماله، إن لم نقل إننا متأخرين على ركبه، إذ أصبح اليوم يفرض نفسه بقوة، مما يحتم على الجميع الإسراع في الانخراط الكامل فيه"، مشددا على أن الورش "لن ينجح إذا اقتصرنا على عمل القضاة وكتاب الضبط، بل لا بد من تمكين العنصر الرئيسي في العملية القضائية، الذي هو المواطن المتقاضي، من الانخراط السهل والمتاح في هذا الورش".