تعد عملية تقطير الزهر من العادات التي تقاوم الزوال بمدينة مراكش، حيث تعد الجمعية اليوسفية للتراث والسماع وتلاوة دلائل الخيرات، من الجمعيات التي تحاول الحفاظ على هذا الموروث الثقافي والتراث اللامادي بإحيائه كل سنة كلما حل فصل الربيع.
وتعمل الجمعية اليوسفية للتراث والسماع وتلاوة دلائل الخيرات، على الاحتفاء بهذه العادة التي تعتبر من التقاليد المراكشية الضاربة في عمق التاريخ، بتنظيم حفل تقطير الزهر بضواحي مراكش.
ودأبت الجمعية اليوسفية، على تقطير زهور النارنج وفق الطريقة التقليدية، في فعالية سنوية تهدف إلى إحياء هذه المهارة التي كانت تميز البيوت المراكشية في الماضي، والحفاظ على هذا التراث الحضاري من الاندثار ونقله إلى الأجيال الحالية التي لم تشهد هذه الممارسة في بيوتها ولا تعرف عنها أي معلومة.
ومع دخول فصل الربيع وتفتح أزهار شجر النارنج البيضاء ذات الرائحة الفواحة، يعمل متطوعو الجمعية اليوسفية للترات والسماع وتلاوة دلائل الخيرات على جني الزهور، وتجفيفها ثم ينقلونها إلى إحدى الفضاءات ضواحي مدينة مراكش لتنظيم فعالية تقطير الزهر خلال حفل النزاهة الربيعية وسط أجواء روحانية مع تقديم وصلات سماعية انشادية في المديح النبوي الشريف فضلا عن وصلات من السماع الصوفي.
وحسب المنظمين، فإن الجمعية اليوسفية للتراث والسماع وتلاوة دلائل الخيرات، اعتادت تنظيم حفل روحاني لاحياء عملية تقطير الزهر أحد المكونات الهامة للتراث اللامادي في الاوساط الاسرية المراكشية، كلما حل فصل الربيع، خصوصا أن هذه المادة مطلوبة بكثرة بالأوساط المراكشية وتستعمل كمعطر في جميع المناسبات كالأعياد والأفراح والمناسبات الدينية والأسرية إلى جانب كونها تستعمل في الطبخ المغربي وفي تحضير الحلويات، فضلا عن الاستخدامات العلاجية.
ويشكل تقطير الزهر ممارسة قديمة في المدن العتيقة حيث كانت النساء يحرصن مع دخول فصل الربيع على تقطير الزهور في المنازل بطريقة تقليدية، ووفق طقوس أصيلة، اعتمادا على أداة مصنوعة من النحاس تسمى "القطارة".
ورغم أن هذه العادة تراجعت بشكل كبير في البيوت أمام توفر هذه المادة في المحلات التجارية، فإن بعض النساء الكبيرات في السن ما زلن متمسكات بتقطير الزهر في بيوتهن وفق الأصول المتوارثة عن الجدات لكون نكهته أفضل من الزهر المقطر في المصانع.
ويعد ماء الزهر ضروريا لتحضير عدد من المأكولات والحلويات، وفي تحضير العطور والتجميل، بالإضافة إلى استعماله في التطبيب التقليدي.
"مازهر" (ماء الزهر) كما هو متداول في أوساط المراكشيين أساسي أيضا في المناسبات كالأعراس والولائم حيث يتم استقبال الضيوف برشهم بهذا الماء بعد وضعه في وعاء فضي يسمى "المرشة" وتعد أدوات التقطير النحاسية جزءا أساسيا من أثاث الأسر في المدن العتيقة.
وكانت النساء في الماضي يجتمعن في أحد البيوت ويقمن بتقطير الزهر وفق طقوس موروثة، إذ يشترط في المرأة التي تشرف على تقطير الزهر أن تكون على طهارة، في حين تنطلق العملية وسط ترديد الصلاة والسلام على النبي محمد خاتم المرسلين.