تعيش مدينة مراكش، خلال الفترة الممتدة ما بين 12 و19 فبراير الجاري، على إيقاع فنون الحكي، في النسخة الثانية من المهرجان الدولي لفن الحكي، حيت استطاعت المدينة الحمراء، التي ظلت وفية لشهادة ميلاد ساحة جامع الفنا التاريخية كتراث شفهي لامادي للإنسانية، أن تجمع أكثر من 80 حكواتيا من كل بقاع العالم، لينطلق اللسان الأعجمي، بالعربي، والامازيغي، في توليفة، قد تتكرر في المهرجانات المقبلة لفن القول.
انطلقت فعاليات هذه التظاهرة الثقافية المتعددة اللغات، المنظمة بمبادرة من اتحاد الحكواتيين للإبداع الثقافي وفن الحكاية، ومقهى الحكي العالمي، تحت شعار "أصوات الأسلاف"، الاثنين، برحاب مؤسسة دار بلارج بقلب المدينة العتيقة لمراكش بتقديم عرض جماعي، جمع كافة الحكواتيين المشاركين، اكتشف من خلالها الجمهور حكايات وأساطير جرى سردها على لسان "شيوخ الكلام" المغاربة والأجانب من كلا الجنسين، بارعون في استقطاب اهتمام السامعين ويمتلكون ناصية اللغة، مع ربط الصلة بالجمهور، بكل براعة وسهولة.
كثيرة هي الحكايات التي شدت إليها انتباه الحاضرين والمولعين بهمس الكلام وصحبه. فبين حكاية وأخرى تنهض حكايات الشيوخ والشباب لتلهب حماسة الجمهور.
جمهور مدينة مراكش وضيوفها، عاشوا لحظات من التشويق خلال متابعتهم لأحداث الحكايات، والأساطير، وقصص البطولات والخوارق التي روجها الرحالون والمغامرون والمستكشفون بعد عودتهم من رحلاتهم في أقاصي بقاع الدنيا في كل الأزمان.
وخلال هذه التظاهرة الثقافية والفنية، المنظمة إلى غاية 19 فبراير الجاري، تم تخصيص فضاءات شهيرة بالمدينة، على غرار ساحة جامع الفنا ودار بلارج والمقاهي الأدبية والرياضات التاريخية والمتاحف، لتقديم حلقات الحكي من طرف حكواتيين يمثلون أكثر من 12دولة، حيث تشكل جلسات الحكي مناسبة للجمهور للاستمتاع ومتابعة حكايات متنوعة، وكذا للالتقاء بحكواتيين يتميزون بأساليب مختلفة، واكتشاف عدد من طرق الحكي، التي تمثل مختلف البلدان والحضارات.
من حكاية التاريخ إلى غيرها من أجناس مختلفة من إبداع القول، قال الحكواتي الشاب زهير الخزناوي مدير المهرجان إن عالم الحكي يختلف عن عوالم الصورة والكتابة. وأضاف في حديثه ل"الصحراء المغربية" أنه قد تشدك حكاية، وتجعل لها بداية ونهاية وعناصر التشويق، قد تحكيها محتفظا بأصلها الأولي وقد تزيد فيها بعض الرموز والدلالات، خصوصا حينما تريد أن تبعث بالرسائل، مبرزا أن الحكواتي يحفظ عن ظهر قلب نصوصا وحكايات قديمة لكنه يحاول أن يطبعها بأسلوبه الخاص، وإدارة جيدة لفعل الإلقاء.
وأوضح الخزناوي أن هذا الحدث الثقافي يهدف إلى الترويج للسياحة الثقافية في مدينة مراكش، وجعلها وجهة ثقافية بامتياز، مشيرا إلى أن هذه التظاهرة ستتخللها جلسات في فن الحكي بلغات مختلفة تتواصل لأسبوع، وتتأسس على تقليد الحكي ذي التاريخ التليد بالمدينة الحمراء.
وأضاف أن أهم ما يميز هذا المهرجان هو تنظيم كرنفال يتكون من رواة القصص انطلاقا من المدينة العتيقة لمراكش في اتجاه ساحة جامع الفنا التاريخية لإعادة الاعتبار لفن الحكاية الذي يصنف في خانة الثقافة الشفهية والشعبية، وللحكواتيين الذين ما فتئوا يكافحون من أجل الحفاظ على هذا التراث اللامادي، وضمان استمراريته، والتأكيد على أن الحكايات بمثابة الروح من جسم جامع الفنا، مشيرا إلى إنشاء مدرسة لتلقين أسس ومبادئ فن الحكي، بغرض تحبيبه واشاعته في صفوف النشء.
من جانبه، أكد جون روو، الحكواتي البريطاني الشهير، أن مدينة مراكش، هي أمثل فضاء لفن الحكي والحلقة، منوها بالقبول الذي يحظى به هذا الفن لدى الجمهور الواسع.
واعتبر الحكواتي البريطاني أن مكانة فن الحكي في عالم اليوم ما تزال موجودة، على الرغم من التوسع الرقمي، مبرزا أن الحكاية تحظى بشعبية كبيرة، وما يزال الناس يهتمون بهذا النوع الفني العريق.
ويهدف المهرجان الدولي لفن الحكي إلى النهوض بالسياحة الثقافية بمدينة مراكش، والتعريف بمختلف أنماط السرد الحكواتي، والتعرف على مختلف التجارب العالمية في هذا المجال، ويعتبر مبادرة في التحفيز على ممارسة الحكي والرواية الشفهية بالنسبة لفئات جديدة من مكتشفي فن الحكي، الذين برهنوا عن براعة وكفاءة عالية في فن الحكي والتواصل، كما يساهم بدوره الكبير في بروز جيل جديد من الرواة الشباب من كلا الجنسين.
وتشكل هذه التظاهرة الثقافية المتعددة اللغات، فرصة للتبادل الثقافي وتقاسم الخبرات بين الحكاة، وتعريف المشاركين بالثقافة المغربية، إضافة إلى الترويج للمدينة الحمراء كوجهة سياحية لهذا الفن، وفتح المجال للمرأة في فن الحكاية، والقضاء على الصور النمطية بين الثقافات ونشر قيم التسامح والسلام، وتعزيز السياحة الثقافية في مراكش.