السيادة الصناعية، وتقليص التبعية للواردات أمر ممكن، لكن ليس سهلا. فذلك يتطلب تضافر عدة عوامل من بينها تغيير العقليات، وتعزيز التنافسية، والثقة والإصغاء والشجاعة والتكوين والبحث وأهم عنصر هو الابتكار. جاء ذلك خلال فعاليات الندوة الثالثة من سلسلة ندوات مجموعة "لوماتان" التي تنظم حول موضوع السيادة الاقتصادية.
شكل اللقاء الذي نظمته مجموعة "لوماتان" حول موضوع "السيادة الصناعية: كيف نقلص التبعية للواردات" مناسبة لمناقشة سبل تقليل الاعتماد على الواردات، ولتحليل تأثير الاستراتيجيات الصناعية، وكذلك مساهمة بنك المشاريع الصناعية.
خارطة طريق جديدة لقطاع السيارات

كشفت كنزة العلوي، المديرة العامة للصناعة بوزارة الصناعة والتجارة، خلال اللقاء، أن قطاع السيارات سيحظى بخارطة طريق جديدة قيد الإعداد حاليا، ستغطي الفترة من 2023 إلى 2025 وستمنح مكان الصدارة للاستثمارات الجديدة في صناعة السيارات. وبالتالي، فإن "القطاعات الجديدة المتعلقة بالقطاع غير الموجودة في المغرب سيتم دمجها في المنظومة الصناعية للسيارات، وذلك بهدف تطوير خبرات جديدة في المغرب في هذا النشاط، الذي يسعى الآن للحصول على مرتبة المصدر الرئيسي للمملكة". وزادت موضحة أن وزارة الصناعة تدرس بجدية إمكانية إنشاء قطاع مغربي يتعلق بتقنية إنتاج الزجاج المسطح للسيارات، وحتى القطاعات الاقتصادية الأخرى، خاصة أن "المغرب قادر على إنتاج الزجاج من مادته الخام، السيليكا، المتوفرة بالفعل في بلدنا". وأضافت أن هذا المشروع يندرج في إطار استراتيجية جديدة لتطوير التكامل الصناعي المتعمق. و"يمكن للمملكة أن تكون قادرة على المنافسة في هذا النشاط لأن تكاليف الإنتاج ستكون تقريبًا كما هي في أوروبا".
وتطرقت كنزة العلوي، في مداخلة لها خلال هذا اللقاء، الذي استهل بكلمة ترحيبية لمحمد الهيتمي، الرئيس المدير العام للمجموعة، ذكر فيها بأهمية الموضوع وراهنيته، (تطرقت) إلى إجراءات الوزارة الهادفة إلى مواكبة ودعم المنظومات الصناعية، والاستفادة من الإنجازات وحصيلة المنظومات المختلفة بهدف تكثيف النسيج الصناعي الوطني بسرعة.
وأوضحت العلوي أن الوزارة تواكب كل منظومة صناعية وفقا لخصوصياتها، مؤكدة على أهمية النهوض بتكامل محلي على مستوى القطاع الصناعي.
وأبرزت العلوي في سياق تدخلها أن وزارة الصناعة ستكشف في القريب العاجل عن حصيلة جميع المنظومات الصناعية التي تم إنشاؤها اعتبارا من سنة 2014.
السيادة لا تعني الحماية
محمد البشيري، نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ورئيس لجنة الابتكار والتنمية الصناعية، أشار إلى الأثر الإيجابي لبنك المشاريع الصناعية على تعويض الواردات، مؤكدا أن هذه المبادرة ستسهم في خلق فرص العمل والقيمة المضافة، وكذلك في تعزيز المنظومات الصناعية الحالية.
وسجل أن هذه المشاريع يجب أن تستفيد من المواكبة والدعم في بداياتها، قبل أن تخضع لقواعد المنافسة الحرة خلال مرحلة نضجها لتعزيز قدرتها التنافسية.
وأورد محمد بشيري أن التحكم في المادة الأولية يعني التحكم في الباقي، مشيرا إلى أن الصين تحول 75 في المائة من المواد الأساسية العالمية، وأضاف أن التفكير يجب أن ينصب على إنتاج المادة الأولية بالمغرب مع إمكانية تصديرها حتى للدول الأخرى.
وذكر أن المغرب يحظى بالثقة بالنفس في ما يخص "صنع بالمغرب" فهو يتوفر على مؤهلات بل يتقدم عن بعض الدول الأوروبية في ما يخص إزالة الكربون.
وقال "السيادة لا تعني الحماية"، مشيرا إلى ضرورة تطوير مفهوم الابتكار واللجوء إلى استعمال التكنولوجيا كونها تخلق فرصا للشغل.
وبالنسبة لقطاع السيارات، أعلن بشيري أن التفكير منصب حاليا لتحديد الاحتمالات الأخرى للحصول على مصْدر مصنٍّع للسيارات من المواد الخام المحلية، مشيرا إلى الاتفاقية الموقعة أخيرا بين مجموعة رونو ومناجم لتأمين مادة الكوبالت التي تدخل في صناعة البطاريات.

بدوره، أكد محمد فكرات، الخبير في المجال الصناعي، أن السيادة الصناعية "لا تعني فقط الإنتاج محليا، بل تعني الإنتاج المشترك بذكاء لخدمة الأسواق الوطنية والدولية". واعتبر الخبير أنه من الضروري دعم المقاولات الصغيرة جدا والمقاولات الصغرى والمتوسطة، مبرزا أن هذه المسؤولية تقع على عاتق القطاعين الخاص والعام من خلال الطلبيات العمومية.
السعدية بناني السلاوي، الرئيس المدير العام لـ "فاليانس"، ذكرت أن السيادة تعني القدرة على إنتاج وتقليص التبعية، أي تنويع مصادر التموين وتطوير الاستقلالية، مشيرة إلى أن سيادة الدول الأخرى تسهم في ضمان السيادة للمغرب، مشيرة إلى أن العالم عاش 3 فصول، انطلاقا من كوفيد، مرورا ببعد كوفيد، وصولا الى الحرب الأوكرانية الروسية و"ما ترتب عنها من ندرة المواد الأولية والمكونات الصناعية، وهذا ما تعلمنا منه أن الاقتصادات التي استطاعت كسب الرهان هي الدول الرشيقة، التي لها القدرة على الاستباق". ودعت إلى تغيير العقلية والتحلي بالثقة في المنتوج المغربي.
الأجهزة المنزلية: مشروع المنظومة جاهز وسيتم إطلاقه قريبا
كشفت كنزة العلوي، المديرة العامة للصناعة بوزارة الصناعة والتجارة، أن هذه الأخيرة ستطلق منظومة خاصة بقطاع التجهيزات المنزلية قريبا، بعد أن أضحى المشروع جاهزا. وأوضح محمد بشيري، نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، أن "هناك آفاقا واعدة بهذا القطاع، بحيث يمكن الإنتاج والتصدير معتمدين في ذلك على مؤهلاتنا، لكن يبقى مشكلا ويكمن في تحديد المشتري النهائي".
وأبرز بشيري أن من مميزات هذه المنظومة هو أن الفاعلين فيه سيشملون موردي مكونات الأجهزة المنزلية المصنوعة من المواد الخام المحلية. وبالتالي، سيتمكن المستهلك المغربي من الوصول إلى مجموعة كاملة من الأجهزة المنزلية التي تحمل ملصق "صنع في المغرب". وسيكون أيضا علامة للشركات التي تنتج محليا من مصادر محلية. وزاد موضحا "حتى يتمكن الفاعلون من الحصول على هذا الملصق، ينبغي عليهم تلبية شرط لا غنى عنه: وهو ضرورة الحصول على معدل نفاد بنسبة 40 في المائة"، معلنا أن مشروع العلامة هذا جاهز وسيتم إطلاقه بدوره قريبا.
4.0 تشكل مستقبل الصناعة بالمغرب
أوضح محمد بشيري، نائب رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ورئيس لجنة الابتكار والتنمية الصناعية، أن 4.0 تشكل مستقبل الصناعة بالمغرب، فهي "تُوفّر للمغرب حقلا غنيا بالفرص غير المحدودة، لتحويل طرق الإنتاج الحالية بشكل جذري وجعل المصانع متصلة بالكامل".
وأضاف أن بإمكان المملكة أن تصبح بسهولة مُصدرا للتقنيات الصناعية 4.0، من خلال تعزيز الجسور بين عالم البحث الجامعي والصناعة. وقال "نحن قادرون على إنشاء منظومة مغربية 4.0، لأن لدينا المادة الرمادية اللازمة، وبفضل هندسته المحلية، يمكن للمغرب تطوير تقنياته الخاصة ونشرها على الصعيدين المحلي والدولي"، خاصة أن المغرب يتوفر على سيادة في الداتا طالما أنه يضم أكبر مركز على الصعيد الإفريقي". وزاد مؤكدا أن المضي قدما نحو الصناعة 4.0 لا يشكل تهديدا لفرص الشغل، بل العكس من ذلك، "فالروبوتات ستسمح بإنشاء مهن جديدة. ومن هنا تأتي أهمية تكييف عرض التكوين الجامعي مع احتياجات السوق الجديدة". وهي وجهة نظر تتقاسمها معه السعدية بناني السلاوي، الرئيس المدير العام لـ "فاليانس"، إذ قالت إن المغرب بإمكانه الاستفادة من تحويل "التهديد"، الذي تمثله الصناعة 4.0 إلى فرصة. لكن يبقى ذلك رهينا بتلبية بعض الشروط. منها خلق منظومة للمعرفة والابتكار تجمع الجامعات والمصنعين معا. ثم مراجعة القوانين التنظيمية في هذا المجال لإحداث ثورة في الصناعة من خلال التكنولوجيا".
وبالنسبة لمحمد فكرات، الخبير الصناعي، فإن الصناعة 4.0 هي رافعة لتحسين الكفاءة الصناعية، فـ "من خلال ربط الأشياء واختيار المعدات الصناعية الذكية، سوف نضمن المزيد من الشفافية وسيتم تحسين الأداة الصناعية بشكل كبير".
كنزة العلوي، مديرة عامة للصناعة بوزارة التجارة والصناعة، أكدت أن 4.0 تتطور بشكل جيد في المغرب، كما أنها تشكل رافعة أساسية لتنافسية الصناعة، تتيح قيادة سريعة للمقاولة والتحول العالمي، مشيرة إلى أن وراء كل روبوت هناك فرصة شغل. وأكدت توفير الوزارة لبرنامج دعم للاستثمار والتدريب للشركات الراغبة في دخول الصناعة 4.0، مشددة على الملكية الفكرية في هذا المجال والإجراءات، التي اتخذها المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية لحماية منتجي التكنولوجيا الصناعية.
تصوير : حسن سرادني