السيادة الغذائية والأمن الغذائي.. أي خيارات بالنسبة للمغرب؟

الصحراء المغربية
الخميس 19 ماي 2022 - 12:57

قال سهيل انحايلي، مدير تحرير هيئات مجموعة "لوماتان" خلال افتتاح أشغال الندوة الأولى من سلسلة ندوات "لوماتان" حول موضوع "السيادة الغذائية: أي خيارات من أجل ضمان استقلال أكبر للمغرب"، إن السيادة الاقتصادية للمغرب شكلت هدفا استراتيجيا وأولوية وطنية لسنوات. وتهدف العديد من الاستراتيجيات القطاعية التي نفذت بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى تحقيق هذه السيادة.

وأضاف سهيل انحايلي  في كلمته خلال افتتاح الندوة التي تدخل في إطار ندوات المجموعة حول مواضيع "الفلاحة، الصحة، الصناعة، الطاقة والأنظمة المالية، ما هي الرافعات التي تضمن السيادة الوطنية؟"، أن خير مثال على ذلك استراتيجية الطاقة التي يجري اعتمادها الهادفة إلى تحقيق مزيج من 52 في المائة من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة أو مخطط المغرب الأخضر الذي أتاح تحقيق معدلات عالية من تغطية الاحتياجات الفلاحية الوطنية بالإنتاج المحلي.

 

اختار المغرب ضمان أمنه الغذائي، على غرار معظم الدول. وبسبب اعتماده لهذه الاستراتيجية، لم يعرف المغرب أي أزمة تموينية "وذلك لأنه يدير أمنه الغذائي بنجاعة وفعالية عكس بعض الدول الأوروبية التي شهدت أزمة على صعيد التموين، وهي نقطة إيجابية تحسب لفائدة قطاعنا الخاص" يقول حميد فلون، المدير العام للفدرالية الوطنية للصناعات الغذائية "فيناغري"، ومنذ اعتماد المغرب خياره في الثمانينيات لم يعاني أي مشكل بخصوص أمنه الغذائي، يبرز رضوان عراش، الكاتب العام بوزارة الفلاحة، موضحا أن المغرب ينتج حوالي 60 في المائة من احتياجاته الغذائية، أما الباقي فيتم استيراده من الخارج. وقال عراش إن المغرب استطاع تعزيز دور القطاع الخاص الذي أضحى مدمجا في سلسلة القيم العالمية، "فهو على دراية جيدة بالأسواق الخارجية التي يستورد منها". وأضاف أن التموين بالمغرب يمر عبر الإنتاج المحلي ثم الاستيراد " ففي المتوسط، وخلال فترة مخطط المغرب الأخضر، تم تغطية الحاجيات بـ 60 في المائة، والواردات تسهم في خلق التوازن".

وتختلف السيادة الغذائية عن الأمن الغذائي، بحسب المتدخلين في الندوة، فـ "السيادة الغذائية تعني إنتاج كل ما يحتاجه المغرب. وهذا يبقى أمرا بالغ الصعوبة". يقول المصطفى شهار، مدير المجال الأخضر بالقرض الفلاحي، مشيرا إلى أنه من جهة أخرى، ينطوي الأمن الغذائي على عدم التبعية، وتحقيق الحد الأقصى من الإنتاج محليا، مع قدرة تخزينة وتسويق مناسب. أي جعل الفلاحة أكثر كفاءة ومرونة وتكاملًا وهذا هو هدف الاستراتيجيات المختلفة لمخطط المغرب الأخضر والجيل الأخضر. لذلك لا يمكن تحقيق السيادة الغذائية لعدة أسباب، أولها عدم قدرة المغرب على تحرير نفسه من الأسواق العالمية وضمان اكتفائه الذاتي من العديد من المنتجات الزراعية، كما يؤكد شهار. و"عندما نتحدث عن السيادة يحيل ذلك إلى إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي، هناك العديد من المنتجات يتم ضمان الاكتفاء الذاتي فيها وتلبية حاجيات المستهلك" يقول حميد فلون.

عدم القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، يؤكد المتدخلون أنه يتضح، على سبيل المثال، جليا من خلال زراعة الحبوب والمحصول المتوقع إنتاجه خلال الموسم الفلاحي الحالي الذي يبلغ 32 مليون قنطار، أي انخفاض بنسبة 69 في المائة مقارنة بالحملة السابقة.

وأبرز عراش أن الموسم الفلاحي الحالي تميز بنقص التساقطات المطرية ما أثر على الإنتاج المتوقع من الحبوب الذي سجل تراجعا بـ 70 في المائة، وهو الأمر الذي يحيل على ضرورة ضمان التوازن وتوفير الحبوب بالسوق، عن طريق الاستيراد لتعويض العجز في الإنتاج الوطني". والمغرب انخرط في هذا المنطق المعني بالتوازن بين الإنتاج الوطني والواردات منذ مدة. وأضاف المتدخلون أن الجفاف ليس هو السبب الوحيد، فهناك أسباب بنيوية مثل غلبة الاستغلاليات الصغيرة، وانخفاض متوسط ​​العائد للهكتار، واختيار مسارات تقنية لا تكون مناسبة دائما. ينضاف إلى ذلك الوضع الدولي، الحرب الروسية الاكرانية، الذي له تأثير مباشر على أسعار المدخلات، وهذه وضعية يشهدها العالم بأسره، يقول رشيد بنعلي، النائب الأول لرئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية "كومادير"، مشيرا إلى أنه كانت هناك إشكالية التزود بالمدخلات بالإضافة الى عدم وضوح الرؤية من قبل المستوردين، وحيرتهم بشأن اقتنائها من عدمه، خاصة أنه لا يمكن استعمال الآزوت أمام غياب التساقطات مطرية. وأوضح أن سعر الآزوت انتقل من 320 للقنطر إلى 1020 درهم للقنطار.

واعتبر عراش أن نقص الإنتاج من المحصول يرجع بالأساس الى عامل الطقس، وأيضا إلى تراجع المساحات المزروعة التي كانت تناهز عادة 4,5 ملايين هكتار،  هذا الموسم تم زراعة 3,6 ملايين. إلا أنه ورغم ذلك اعتبر المتدخلون أن رقم 32 مليون طن (المحصول المتوقع من الحبوب) يبقى جيدا بالنظر إلى "الجمع بين عامل تسجيل عجز في الساقطات وتراجع حقينة السدود هي الأخرى وبالتالي المساحات المسقية وأيضا مخلفات كوفيد وأيضا ارتفاع أسعار المدخلات".  وأضاف بنعلي أنه لحسن الحظ تساقطت المطار خلال مارس وأبريل ما ساهم في تحسين الكلأ العلف والزراعات الربيعية. وعلى العموم، ذكر حميد فلون أن المردودية على المستوى الوطني تبقى دون التطلعات ما يؤثر على الصناعات الغذائية، التي تلجأ للأسواق الخارجية قصد التموين بالمواد الأولية مثل الحبوب والبذور الزيتية لزيت المائدة  والتي تجد صعوبة بالتزود بها  بسبب ارتفاع أسعارها، كما يوضح فلون. بالطبع حاول الفاعلون في البداية مقاومة ارتفاع الأسعار بامتصاص هذه الزيادات في الأسعار، لكن بما أن المسلسل تواصل تم اللجوء إلى الزيادة في الأثمان، فـ "الفاعلون الاقتصاديون لم يكن لديهم الخيار بعكس الزيادة على سعر المنتوج خاصة المنتوجات الواسعة الاستهلاك".

وسجل بنعلي أن سعر القمح بم يشهد أي زيادة منذ 30 سنة، ليبقى الوضع بالنسبة للحبوب استثنائيا عكس المنتوجات الأخرى مثل الزيوت والمواد الغذائية.

ورغم ذلك، أفاد المتدخلون أن السلطات تدعم القدرة الشرائية للمواطنين، "أكيد ليس ماديا لكن من خلال مواكبة الفلاحين والتأطير والتوجيه فالدولة لايمكنها دعم جميع المواد، فهي تدعم القمح الطري والسكر وغاز البوتان".

وركز المتدخلون على أن المغرب مندمج في سلسلة القيمة العالمية، من خلال القطاع الخاص، وهذا "أمر مهم بالنسبة لأمننا الغذائي"، مبرزين أن  الاستيراد لا يشكل مشكلا بالنسبة للمغرب، فهو "يستورد القمح الطري من أوروبا ومن كندا يستورد القمح الصلب،  وأيضا الأرجنتين والبرازيل".  عير أنه بالنسبة لبنعلي، فإن المشكل لا يكمن في التزود من الخارج، لكن يكمن في الضياع، مشيرا إلى

المغاربة يستهلكون أو "يضيعون" الكثير من الخبز، بالنظر الى سعره المنخفض، فيوميا يتخلص المغاربة من  30 مليون قطعة خبز، وهو ما يناهز ربع الإنتاج بمعنى آخر، يتم التخلص من حوالي 36 مليون درهم كل يوم، بناء على سعر بيع 1.20 درهم لكل وحدة. "وهذ السعر هو الذي يشجع على شراء كميات أكبر من الحاجات الحقيقية، فمثلا أسرة تتكون من أربعة أفراد تقتني 6 خبزات، في حين تكون في حاجة إلى خبزتين، وكذلك الشأن في حفلات الأعراس وأيضا السجون". ما دفع ببنعلي إلى الدعوة لإيجاد التوازن مع الاستهلاك الصحيح، إلى مراجعة "سقف السعر لأنه يشجع على الإفراط في الاستهلاك، الذي يصل إلى 350 كيلوجرام للفرد في السنة". وهو الطرح الذي ذهب إليه حميد فلون قائلا "نحن نأكل الكثير من الخبز. لكننا نضيع الكثير منه أيضا، حتى أثناء عمليات الحصاد". داعيا إلى إعادة تعديل السياسة العامة المخصصة لزراعة الحبوب.

 

تصوير: عيسى سوري

 

 

 

 

 

 




تابعونا على فيسبوك