ونحن في الطريق نحو باندونغ الإندونيسية، بعد أن أخذ منا التعب مأخذه، أسعدنا راقنا رمزي وهو من السفارة الإندونيسية بالمملكة بكلام يذهب مباشرة نحو القلب. قال مخاطبا الإعلاميين المغاربة الثلاثة الذين تلقوا الدعوة إلى رحلة تتغيى تعريف المواطنين المغاربة بالمؤهلات السياحية لهذا البلد "سيرحب بكم المواطنون ويسعدون بلقائكم لأنكم من المغرب، وسيظلون يحكون عن لقائكم بهم لكل من صادفوه ولو بعد مدة طويلة".
أقوال رمزي أكدتها الحفاوة التي استقبلنا بها في الفندق من طرف العاملين، الذين كان يصر على أن يقول لهم إنه من المغرب. كان لي انطباع جيد عن الإندونيسيين، سواء الذين تعرفت عليهم في السفارة منذ التسعينيات من القرن الماضي، أو خلال زياراتي المتعددة إلى بلدان الخليج، حيث يشتغلون في عدة مجالات، لكن ما صادفته رسخ هذا الانطباع.
مرافقانا رمزي وفوزان، اللذان انتدبتهما السفارة الإندونيسية وأعددانا من الناحية المعنوية لتوقع رحلة طويلة نحو بلدهم. ووعدانا بأيام ممتعة هنا في بلدهما.
من يسافر من المغرب في اتجاه إندونيسيا يشعر وكأنه مر من عمره أكثر من 24 ساعة، لكن لم يكن لذلك أي أثر لا مكالمات ولا عمل ولا شيء كالمعتاد، حين تخوض هذه التجربة تشعر وكأنك أصبحت من سكان أحد القطبين، أي أنك تعيش نهارا شبه دائم، لا يشعرك بالليل سوى مرورك عبر أبوظبي أي لحظتي الوصول إليها ومغادرتها.
تغادر البيت حوالي السادسة صباحا لتصل إلى مطار محمد الخامس قبل موعد الرحلة بثلاث ساعات، تعيش على إيقاع الأحداث، التي هزت مواقع في العاصمة الفرنسية باريس قبل أكثر من أسبوعين، نعم تعيشه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تنهي إجراءات التسجيل تهم بالولوج إلى قاعة الإركاب، تكون ملزما بأداء ضريبة الهجمات الإرهابية التي تهز من حين إلى آخر منطقة معينة من العالم، إنها عولمة التفتيش التي تقابل ما أصبحنا نعيشه ونسمعه عن عولمة الإرهاب تزيل المعطف والحذاء وكل شيء معدني، تمر دون أن يرسل جهاز المراقبة إشارة بأنك تحمل شيئا ممنوعا ومع ذلك تخضع لتفتيش يدوي..
ينتهي كل شيء على خير تركب الطائرة بعد مغادرة البيت بأكثر من أربع ساعات تحلق في اتجاه جاكارتا عبر أبوظبي، وأنت في اتجاه العاصمة الإماراتية التي كنت تشكو طول مدة الرحلة إليها تتمنى لو تنتهي رحلتك هناك في مطار أبوظبي، تقطع على نفسك وعدا ألا تشكو من جديد لكن هيهات، تنام ثم تصحو تشاهد فيلما أو اثنين، تحملق من حولك ثم تعود إلى النوم، تصحو من جديد تنظر إلى خريطة المسافة التي تقطها الطائرة بالكاد تصل إلى الأجواء المصرية... تمضي الوقت بين الترفيه والنوم وبعد حوالي سبع ساعات تخبرك المضيفة أنه جرى الشروع في الهبوط.. تشير الساعة إلى التاسعة والنصف ليلا حسب توقيت أبوظبي، الخامسة والنصف مساء بتوقيت المغرب الذي غادرته بعد مرور العاشرة والنصف ببضع دقائق.
تلج إلى المطار حيث عليك أن تنتظر أكثر من أربع ساعات، تنسى أنك حللت بالمطار ليلا، فليله مثل نهاره أضواء وحركة دائبة، كل المطاعم والمحلات تعج بالزوار، تسمع أسماء مدن من مختلف الدول والقارات وشركات طيران متعددة، رحلة بعد أخرى.
ينتشلك صوت يعلن عن انطلاق عملية الإركاب الخاصة بك لتبدأ رحلة مدتها ثماني ساعات. لم تتغير الخطوط مثلما أقلتنا طائرة لطيران الاتحاد من الدارالبيضاء إلى أبوظبي، أقلتنا طائرة للشركة نفسها من أبوظبي نحو جاكارتا، الرحلة الثانية أو على الأصح الجزء الثاني من الرحلة مختلف، نعم تغيرت الوجوه، فبعد أن كانت الأغلبية الساحقة من الركاب مغاربة وعرب، توحي سحنات وجوه أغلب المرافقين في الجزء الثاني أنهم آسيويون، أو على الأصح إندونيسيون، إنهم فرحون جدا لأنهم سيجددون الاتصال بوطنهم وأهلهم بعد مدة طويلة من الاغتراب.. لا ترتسم الفرحة على وجوههم فقط، بل إن ذلك يتضح من ثرثرتهم وضحكاتهم التي تزعجك أحيانا، لكنك تقدر ظروفهم لا فرحة تعادل فرحة العودة إلى الوطن.
لم نر من الليل سوى لحظات، كان ذلك كما قلت سابقا عند الهبوط في مطار أبوظبي وبعد مغادرته، أما باقي الوقت فكان نهارا بالنسبة إلينا لكن نهارنا في المغرب كان السبت أما في إندونيسيا فكان الأحد. كنا كمن يهرب من الليل، ويمشي نحو النهار بإصرار بعد ثماني ساعات تستعد الطائرة لتحط في مطار جاكارتا، ما كادت المضيفة تعلن عن ذلك حتى أطلقت مواطنة إندونيسية العنان لصوتها وشرعت في الغناء وهي تضحك لم أفهم من كلامها سوى جاكارتا، دون شك كانت تعبر عن سعادتها بالعودة إلى جاكارتا.
أنهينا الإجراءات وبعد ذلك سحبنا الأمتعة، لكننا لم نصل بعد إلى وجهتنا. أخبرنا ممثل لوزارة السياحة في مدينة باندونغ الذي كان في استقبالنا بعد الترحيب أننا سنقطع مسافة قدرها بحوالي 200 كيلومتر في ظرف ثلاث ساعات، استغربنا لطول المدة مقارنة مع المسافة فأكد لنا أن ذلك مرده إلى الازدحام، الذي تشهده جاكارتا، يعني أن الخروج من هذه المدينة المليونية صعب شأنه شأن الدخول إليها يحدث هذا يوم الأحد يعني يوم عطلة نهاية الأسبوع ولكم أن تتصوروا كيف هو الوضع وسطه..
أطلقنا العنان لأسئلتنا لمرافقينا رمزي وفوزان، الأول يتحدث الفرنسية والثاني العربية لأنه أتم دراسته العليا في المملكة. المثير في الرجلين أنه رغم كثرة أسئلتنا كانا يجيبان والابتسامة تعلو وجهيهما.
كنت أستعجل الوصول إلى باندونغ ليس بسبب التعب فقط، بل لأن هذه المدينة تعود بي إلى سنوات الدراسة، وما كان يحكيه لنا الأساتذة عن قمة باندونغ، التي انعقدت في أبريل 1955، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت قمة لمناهضة الاستعمار، وتعد اللبنة الأولى لقمة عدم الانحياز، وهي القمة التي دعت إلى احترام حقوق الإنسان وسيادة الدول ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها واعتماد الطرق السلمية في حل النزاعات وتنمية التعاون والمصالح المتبادلة بين الدول.
أتذكر القمة ذاتها كلما مررت من ساحة باندونغ في الدارالبيضاء، والتي استمدت شهرتها من الحريق الذي شب في الربع الأخير من القرن الماضي في مركز للبريد والمواصلات كما كان يدعى سابقا.
كان الجو حارا رغم أننا في فصل الشتاء، وهذا طبيعي جدا لأن مناخ هذا البلد الآسيوي استوائي، حيث الخضرة في كل مكان، تتهاطل الأمطار وتزداد الحرارة ارتفاعا فتنمو الأعشاب بسرعة وتصبح الأماكن أكثر نضارة.
إندونيسيا التي حللنا بها أول أمس الأحد، بلد، يشهد نموا ديمغرافيا لافتا، فعدد السكان 250 مليون نسمة، 90 في المائة منهم مسلمون والبقية تختلف دياناتهم، وتحترم، فهذا البلد فيه وزارة للشؤون الدينية تتفرع عنها مديريات لكل ديانة مديرية خاصة.
تعج مدينة جاكارتا العاصمة الإندونيسية بالحركة وتنبض بالحياة، إذ يبلغ عدد سكانها نهارا 25 مليون نسمة، لكنه يختلف ليلا، إنه يتراجع إلى ما بين 10 و12 مليون نسمة، بعدما يعود العاملون بها إلى المدن المجاورة التي يقيمون فيها.
من خلال الحديث إلى المرافقين تعرفنا على أشياء تبدو غريبة لكنها لافتة، هذا البلد لا يوجد فيه حيوان اسمه الحمار، ويقول فوزان وهو يبتسم "ليشرح مدرسو الشؤون الدينية الآية القرآنية التي يذكر فيها الحمار يقولون للتلاميذ إنه حيوان أصغر بكثير من الحصان وإن كان قريبا منه شكلا، فإن الحمار يختلف أيضا بطول أذنيه".
لا يوجد في إندونيسيا أيضا الجمل، ومن المنتجات الفلاحية التي قيل لنا إنه لا وجود لها التين والزيتون والتمر، أما الرمان فهو مختلف من حيث الحجم عنه في المغرب، بل إن حجم الرمان المغربي يثير استغراب كل إندونيسي زار بلادنا. إذا تحدثنا عما لا يوجد هنا فإننا سنتحدث لا حقا عما يوجد وما يثر الانتباه.