هل هي فقط الصدفة التي جعلت حيا شعبيا في مدينة بروكسيل اسمه "مولمبيك" يتكرر باستمرار في قضايا التطرف والإرهاب في أوروبا؟ أم أن الأمر يتعلق بمرتع حقيقي ومشتل كبير لتفريخ وتجنيد واستقطاب الأشخاص المتطرفين المنذورين للموت في جبهات القتال؟ وهل يتعلق الأمر بمدرسة فكرية واحدة تنتج التطرّف وتفرز المتشبعين بالفكر التكفيري؟ أم أن الأمر يتعلق بتنظيمات متفرقة وبذئاب منفردة تشتغل وفق أساليب إرهابية مختلفة؟
إن مشروعية هذه التساؤلات نابعة من أن حي "مولمبيك" السكني الشعبي، المعروف باحتضانه للجاليات الأجنبية ببلجيكا، اقترن اسمه بعدد من قضايا الاٍرهاب والتطرف في السنوات الأخيرة، كما بات أشهر حي في أوروبا، بعدما شكل القاعدة الخلفية لمرتكبي العمليات الإرهابية التي استهدفت باريس، مساء الجمعة المنصرم.
من هذا الحي انطلق علي عراس، المعتقل حاليا بالمغرب على خلفية تورطه في قضايا الإرهاب والتطرف، ومنه انطلق عبد الحميد أبا عود وشقيقه الأصغر نحو سوريا للقتال في صفوف تنظيم (داعش)، ومنه انطلق صلاح عبد السلام المطلوب رقم 1 في قائمة المشتبه بهم في أحداث باريس الإرهابية.
قبل هذا التاريخ، انطلقت من الحي، بعد أن استقرت به مدة ثلاث سنوات بعد اقترانها بمواطن بلجيكي من أصل مغربي، البلجيكية ميريل ديكوك، التي نفذت عملية انتحارية في وسط بغداد في 9 نونبر 2005، التي تسببت في وفاة تسعة جنود من قوات التحالف، في تحول نوعي في العمليات الجهادية، التي كانت تشترط سابقا الذكورة كشرط لازم في الجهاد.
تتكرر العمليات الإرهابية، وتختلف الأساليب الإجرامية من عملية لأخرى، لكن الثابت دائما هو حي "مولمبيك" الشعبي وسط بروكسيل.
لكن كيف وصل التطرف إلى هذا الحي السكني؟ هناك إجابات عديدة، منها من يؤكد أن التطرف دخل إلى الحي عبر نافذة البلجيكيين الأفغان، الذين حاربوا في صفوف القاعدة في أفغانستان، وهناك من رمى بالكرة إلى البلجيكيين من أصل مغاربي الذين قاتلوا في حرب العراق الثانية ضد قوات التحالف الدولي، وتيار ثالث استبعد التطرف الوافد، أي القادم من الخارج، ورجح أن يكون التطرف محليا ساهم فيه أشخاص من الحي نفسه، لكنهم متشبعون بالفكر الظلامي التكفيري.
ومن بين الرعيل الأول لأصحاب الفكر المتطرف في حي مولمبيك، نجد علي عراس، البلجيكي من أصل مغربي والمعتقل حاليا بالمغرب. ولابد من التأكيد على أن عامل السن يعتبر عنصرا محددا في هذه المسألة، على اعتبار أن عراس يناهز من العمر 52 سنة، فيما باقي التكفيريين الذين انطلقوا من الحي تتراوح أعمارهم بين 25 و30 سنة، كما أن الوقت الذي كان ينشط فيه علي عراس في مجال التجنيد والاستقطاب والدعوة كان هؤلاء الشباب في سن المراهقة، ويواظبون على جلسات التربية والإعداد ويخضعون لتدابير التصفية التي يسهر عليها علي عراس وباقي الأتباع.
ومن هذا المنظور، يمكن طرح التساؤل التالي: هل نحن هنا أمام سلسلة مترابطة، انطلقت من علي عراس وانتهت عند صلاح عبد السلام وعبد الحميد آبا عود وباقي الانتحاريين؟
إن مشروعية هذا التساؤل من شأنها أن تدفع الشرطة البلجيكية، التي أخلت حي مولمبيك من سكانه، أول أمس الاثنين، إلى فتح مسارات جديدة للبحث حول علي عراس الذي يقبع في السجون المغربية، كما من شأنها أن تسلط الضوء أكثر حول علاقته المفترضة بتفريخ التعصب والتطرف في صفوف حي سكني هامشي أصبح معروفا بتصديره للعبوات الناسفة.
كما أن مشروعية السؤال من شأنها أن تدفع المنظمات غير الحكومية، التي تستغل قضية علي عراس للمساس بالمغرب، إلى الوقوف مليا، في وقفة موضوعية مع الذات، للبحث حول علاقة هذا الأخير بموجة التطرف التي ضربت أوروبا، أخيرا.