تصدعات بارزة على البيوت تنذر بسقوطها مع بداية موسم الشتاء

خطر الموت يهدد سكان درب الرماد بالبيضاء

الجمعة 20 شتنبر 2013 - 13:39
مشهد لزقاق بدرب الرماد

منازل آهلة بالسكان وأخرى فارغة تطوقها الهشاشة من كل جانب بدرب "الرماد" في المدينة القديمة بالدارالبيضاء، حتى أصبحت تثير في نفوس سكانها الهلع والخوف، دون أن يملكوا السبيل إلى درء المخاطر عنهم

فأمام هذه المنازل المتصدعة التي يفترض أن يغادرها السكان على عجل، فإنهم مجبرون على البقاء فيها لغياب البديل وبعد منعهم من إجراء إصلاحات أو ترميمات تقلل من احتمالات الموت تحت الركام، هكذا عبر بعض السكان المتضررين لـ"المغربية" حين زارتهم في دورهم المتآكلة، محاولين الكشف عن الهوة الحاصلة في تصدعاتها وتشققاتها.

يشبه سكان المدينة القديمة درب "الرماد" بـ"الجحيم"، بينما يعتبره آخرون "قنبلة موقوتة" تهدد حياة الكثيرين منهم، فمجرد ولوج أزقته يترصد الخطر خطوات الزائر، منازل بطوابق متعددة تعتريها الرطوبة والتشققات بشكل مخيف، ليتبادر إلى ذهن الزائر سؤال عادي من النوع الذي لا يمكن أن يطرحه إلا متفحص للوضع، كيف أمكن لهؤلاء المواطنين الاستمرار في الإقامة بهذا الدرب المنذر بالموت تحت الركام؟

فالناس في درب الرماد يعيشون تحت وقع الخوف من انهيار المنازل عليهم، ليكابدوا واقعهم على مضض في حالات من التضامن بينهم، لأنه إلى الآن لا مفر من السكن بأوساطه، يقول السكان بعبارات تعكس اختناقهم وتدمرهم.

يتألف درب الرماد من منازل قد يصل علوها إلى الطابق الثالث، وأخرى محصورة في طابق سفلي، وهي منازل بمواد بناء هشة وهزيلة قائمة وسط بيئة اجتماعية تعج بأعداد مهمة من السكان، هذا الدرب هو "الموت" ممثلا في مساكن متداعية للانهيار فجأة.

حذر وخوف

بخطوات حريصة من "المغربية"، انتقلت بين أرجاء الدرب برفقة عبد الغني لكرد، رئيس "جمعية التضامن والإخاء" وعدد من شباب الدرب، لرصد المساكن الأكثر تصدعا وخطورة على السكان والزوار. في مقدمة درب الرماد، هناك منزل بثلاثة طوابق، برزت عموديا من زاويته في الطابق الأخير، شجيرة صغيرة، انغرست جذورها في واجهة المنزل لتتفرع أغصانها، مساهمة في اتساع هوة التشققات التي تطاله، وعن هذه الشجيرة يفيد السكان أنها عامل يزيد من خطر هذا المنزل المتصدع بشكل كبير، وبينه وبين المنزل المجاور له فراغ طوله مترين يشكلان زقاقا صغيرا، والسير عبره يقود إلى منزلين آخرين وهما مهددان بدورها في حالة وقوع المنزل الأول.

يثير المنزل، الذي تخترق علوه شجيرة، مخاوف السكان بحكم جواره لـ"العوينة"، المنبع المائي الذي يعتمده السكان في جلب الماء الصالح للشرب، إلى جانب مجاورته لـ"روض الأطفال"، وعند الاستفسار عن عدم نزع الشجيرة لتقليص هامش الخطر عن سكان المنزل والحي، يذكر بعض شباب الدرب، أن الأمر صعب بحكم اختراق جذوع الشجيرة لإسمنت المنزل الهش، موضحين أن الشجيرة نبتت في غفلة من سكان المنزل وهم الآن يجهلون كيفية اقتلاعها بعيدا عن تهدم واجهة المنزل المتداعي للسقوط.

بلغت "المغربية" زقاقا آخر، حيث ينتصب منزل آخر متهالك، بالصدفة، وجدت بعض الشباب قد التفوا حوله لجمع الشذرات التي تهاوت من جداره الخارجي، فالمنزل غادره أصحابه بعد فترة إثر استفادتهم من مساكن بديلة، لكنه لم يجر هدمه لتخليص الباقين من تبعات تهدمه التدريجي، ليجبر السكان والمارين بمحاذاته على تحمل ما يخبئه من مآسي إن لم تمنع القدرة الإلهية حدوثها، يقول عبد الله زغلول، أحد سكان الحي لـ"المغربية"، بلهجة متضايقة من واقع درب الرماد المرير.

كان شباب الدرب يشيرون بأياديهم إلى مكامن الشقوق والتصدعات في المنازل الأكثر تقادما، وهم يرفعون برؤوسهم نحو الأعلى، في مشهد يوحي بانشغال هؤلاء بمشكلة المنازل الآيلة للسقوط والتي يتعذر عليهم التخلص منها، رغم محاولاتهم المتكررة في تسليط الضوء، على أن درب الرماد سيدفن سكانه تحت ركام منازلهم إن لم تكن هناك تدخلات سريعة تحسم في المشكلة.

غيمة سوداء

درب الرماد الذي كان في الماضي يحتل موقعا مهما وسط الدارالبيضاء، تغيرت معالمه بشكل مريع بحيث أصبح السكان وسط أنقاض تقيد حريتهم وتمنع عنهم الشعور بالاستقرار والأمان، فحسب تعبير بعض الشباب، فإن "الخوف الذي ينتابهم باستمرار وتزيد حدته مع كل غيمة سوداء تلوح بتهاطل الأمطار، لا يمكن إدراكه إلا بقضاء يوم على الأقل وسط الدرب المتقادم".

فقد نشأ تضامن بين سكان درب الرماد لتقاسمهم المعاناة نفسها وهي العيش في دور مهترئة تهدد سلامتهم، فإلقاء نظرة متفحصة لمنازل الدرب كافية لمعرفة الواقع النفسي للسكان، الذين كانوا يتجمعون حول "المغربية" ليدعونها إلى دخول بعض المنازل ومعاينة ظروف العيش بوسطها، في خضم التشققات التي تتسع باستمرار، خاصة عند تهاطل الأمطار، وتشبع الجدران والأسقف بالرطوبة.

وجدت "المغربية" في مشهد الدرب وأزقته ومنازله القديمة جدا، مشاهد قبح لا تبعث على الطمأنينة، ومع ذلك يؤكد السكان أنهم مجبرون على العيش في وسط هش ومرهق نفسيا، إلى حين تدخل المعنيين لإعفائهم من اجترار الخيبة والخوف من انهيار المنازل عليهم في أية لحظة.

فما يسميه البعض بالاستقرار الاجتماعي والنفسي يسميه سكان درب الرماد بالاختناق والارتياب، بسبب الرطوبة المبقعة على جدران وأسقف منازلهم، إلى جانب التصدعات المستمرة التي تنبئ بوقوعها عليهم، ليجدوا أنفسهم مدفوعين دون مقاومة إلى الرد عن استفسار كل من يزورهم بالدرب، سواء أكانوا صحافيين أو معنيين بالشأن المحلي أو مكلفين بلجنة تقصي واقع المدينة القديمة، لعلهم يجدون في تلك الآذان الصاغية إليهم أيادي ممدودة تنأى بهم عن البقاء في درب لا يبشر بالخير مع حلول فصل الشتاء.

من أجل الأطفال

لا يريد سكان الدرب أن يعرضوا حياتهم وحياة أبنائهم للخطر، لكنهم عاجزون عن الرحيل منه، كما هم ممنوعون عن إجراء ترميمات وإصلاحات، فحسب ما ذكره عبد الله زغلول، قاطن بالدرب، فإن السكان حاولوا في عدة مناسبات الحصول على تراخيص تخول لهم ترقيع بعض الشقوق والتصدعات، لكن ذلك لم يكن ممكنا أمام قرار منع أي إصلاح، وحسب ما قاله هشام خضاري، قاطن آخر بالدرب، فإنه أدلى بجميع الوثائق الضرورية لتمكينه من إذن بالإصلاح أو إعادة الهيكلة، لكن دون جدوى، بدعوى أن حكم الإفراغ الصادر في حق السكان والداعي إلى تعويضهم بمساكن بديلة لا يخول لهم إحداث أي تغيير في المساكن التي سيرحلون عنها قريبا.

اتضح لـ"المغربية"، خلال تجولها بدرب الرماد بمعية شبابه ونسائه، أنهم مترقبون للمخاطر، لكنهم مع كل هذا لا يستطيعون ردها إن لم تكن هناك مساع حثيثة
قبل المعنيين والقائمين على الشأن المحلي تخلصهم من تبعات سلبية تتخللها تلك الشقوق البارزة على الجدران والأسقف. فالمنازل الهشة التي تنتصب في درب الرماد، سواء تلك المأهولة بالسكان أو الفارغة، هي مبعث "خطر فادح"، لهذا فالسكان يطالبون على الأقل بهدم المنازل الفارغة حتى تجنب أطفالهم الذين يلعبون في الأزقة وقوعهم ضحايا لانهيارها فجأة، والسكان بالكاد يتطوعون لجمع تلك الأجزاء المنهارة من المنازل بين الفنية والأخرى، وحذرهم لن يمنع عنهم هول المخاطر التي تطوق الدرب من كل جوانبه.

أزقة ضيقة ومنازل متهالكة دون بنيان متين ودون مرافق مهيكلة، تشكل منظرا حزينا، يمتد على مساحة مهمة بقلب الدارالبيضاء بجوار دروب أخرى تكتنفها قصص إنسانية شبيهة أو مختلفة، ليبقى درب الرماد، بعد زيارة "المغربية" لسكانه قبل تفاقم وضعهم مع فصل الشتاء لهذه السنة، واحدا من أحياء المدينة القديمة، يختصر مأساة حياة "باستعارة" الموت البطيء للسكان.




تابعونا على فيسبوك