توضيح بارع ومثالي، ذلك الذي أقدم عليه صاحب الجلالة في قضية مغتصب الأطفال الإسباني، الذي شمله العفو نتيجة خطأ ناتج عن الإهمال ارتكبته المندوبية العامة المكلفة بإدارة السجون وإعادة الإدماج.
لقد تأكد بالوضوح أن الملكية في المغرب هي ملكية متفاعلة، قريبة من الناس، حريصة تمام الحرص على حقوق الأطفال، وتتحلى بنفس إنساني كبير ما فتئ يتأكد على الدوام منذ تولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش.
ورأينا ملكا متعاطفا، منصتا لنبض شعبه، مهتما بآلامه ومتألما بنفس مستوى ألم شعبه، من الجرائم المرتكبة ضد الأطفال واغتصاب البراءة. فالملك، الذي تأثر بصدق، كان في طليعة انتظارات الأمة، لأنه أحس بالصدمة نفسها التي أحست بها. إن المسألة هي مسألة التحام بين ملك وشعبه أكثر مما هي قضية بسيطة تهم موازين القوى بين الشارع والدولة.
الملك انتقل مباشرة إلى الفعل، ثلاثة بلاغات في ثلاثة أيام على التوالي. ولجنة تحقيق من مستوى عال. ونتائج سريعة. وفي الحال إقالة مندوب عام من مهامه. والأهم تجديد دينامي للرؤية الملكية الخاصة بحماية الطفولة، ولمسطرة منح العفو ولأولوية دولة الحق وسمو دولة المؤسسات.
هذه الأزمة الناجمة عن خطأ في التقدير، والتي أراد بعض محترفي المعارضة في المغرب وخارجه أن يحولوها إلى محاكمة غير مشروعة ضد الملكية المغربية، انتهت إلى تقوية بلدنا وتقوية ديمقراطيتنا بشكل لافت، وكانت مرة أخرى دليلا قويا على أن دستور 2011، حتى وهو ما يزال بصدد التنزيل على أرض الواقع، ويواجه بعض الإكراهات، قادر على العمل بشكل سليم.
لقد نزلت هذه القضية المحرجة في حدود التماس بين سلطتين: السلطة التنفيذية، بالنظر إلى أن ملف العفو تتولى وزارة العدل البت فيه والسلطة الملكية، من خلال آلية منح العفو، التي تعود في جانبها الرسمي إلى صاحب الجلالة.
وقد تصرفت السلطتان بثبات. وأتاحت منهجية الخروج من الأزمة التي اعتمدها جلالة الملك بفضل روحه الابتكارية، وإنسانيته، وشفافيته وتفاعله الفوري أن تعيد هذه القضية إلى بعدها الحقيقي المتمثل في كونها مجرد خطأ. خطأ ناجم عن الإغفال، ولكنه خطأ على كل حال.
غير أنه في الواقع، وهذا هو الأساسي، خطأ محدد تم التعرف على أي مستوى تم ارتكابه، وعلى عكس ما ينشره مروجو الأحقاد، لا يبعث على إعادة النظر في أي مبدأ من المبادئ التي تقوم عليها الأمة، وفي أي قيمة من قيمنا المجتمعية وفي أي عنصر أساسي من عناصر الميثاق الشرعي الذي يربط الملك بشعبه.
كيف يمكن القول إن صاحب الجلالة الملك محمد السادس يتجاهل مشاعر شعبه حينما يصاب هو نفسه بالصدمة أو يتملكه شعور مشروع بالاستياء؟ كيف يمكن القول إن ملك المغرب لا يستشعر معاناة الطفولة حينما تتعرض للاغتصاب، والحال أن كل الالتزام الملكي مبني على تعاطف أصيل تجاه الفئات الأكثر هشاشة، والأكثر عوزا والأكثر معاناة من نوائب الحياة؟
كيف يمكن السماح بالقول إن اعتبارات جيو-ستراتيجية بين بلدين يمكن أن تسوغ انتهاك الحق المطلق للأطفال في كرامتهم، وحرمتهم الجسدية، وحقهم في البراءة وحقهم في السعادة؟ إنه قول لا يمكن أن يصدر عن شخص محترم، مستقيم أو شريف بكل بساطة.
وبالنسبة لأولئك الذين تجرأوا في المغرب وخارج المغرب على مثل هذا القول المشين، فإن وضاعتهم تجردهم من أهليتهم الأخلاقية منذ زمن بعيد، ولا يمكنهم أن يبدو مزيدا من الانحدار.
نوهت رئيسة جمعية "ماتقيش ولدي"، نجاة أنوار بالتفاعل الإيجابي لجلالة الملك محمد السادس مع مطالب المجتمع المدني وعموم الشعب المغربي، بخصوص إطلاق سراح المسمى دانييل كالفان فينا .
وأضافت أنوار، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الجمعية تلقت "بارتياح كبير البيان الصادر عن الديوان الملكي، والذي أكد أن جلالة الملك قرر سحب العفو الذي سبق منحه للمسمى دانييل كالفان فينا"، مشددة على ضرورة تعاون القضاء الإسباني مع مختلف الجهات المعنية حتى يعود هذا المجرم إلى السجن لقضاء عقوبته.
وفي إطار تتبع الجمعية لهذه القضية، وجهت الجمعية، حسب أنوار، رسالة إلى سبع منظمات إسبانية تنشط في مجال محاربة الاعتداء الجنسي على الأطفال، وذلك بغرض "تشديد الخناق على ذلك المجرم وتحسيس الرأي العام الإسباني بخطورة الاعتداءات، التي قد يرتكبها في حق أطفال آخرين".
وأكدت أن الجمعية طالبت المنظمات الإسبانية بتقديم الدعم اللازم لفتح تحقيق وإطلاع الرأي العام والإعلام الإسبانيين بخطورة هذا الشخص لأنه، وحسب خبراء نفسانيين، "مقبل على ارتكاب جرائم الاغتصاب في حق أطفال آخرين".
كما وجهت الجمعية أمس الاثنين، تضيف أنوار، شكاية إلى الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بمدريد تطالبه فيها بالقيام بكل الإجراءات الكفيلة بإبعاده عن أماكن إقامة القاصرين، ووضعه تحت المراقبة من طرف أجهزة الأمن حتى لا يجد الفرصة لتصريف سلوكاته الشاذة، والتنبيه إلى خطورته على سلامة القاصرين في إسبانيا، ومراسلة الجهات المعنية وخاصة وزارة الخارجية من أجل إخبار كل الدول التي سيسافر إليها بسلوكاته الشاذة.
يذكر أن بلاغا للديوان الملكي صدر في وقت سابق أمس أعلن أن التحقيق الذي أمر به صاحب الجلالة الملك محمد السادس في قضية إطلاق سراح المواطن الإسباني المسمى دانييل كالفان فينا، أفاد أن الخلل كان على مستوى المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. الرباط (و م ع)
أعربت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان عن "ترحيبها" بالبلاغات الصادرة عن الديوان الملكي، بخصوص قرار العفو عن معتقل من جنسية إسبانية. ووصفت المنظمة في بلاغ توصلت وكالة المغرب العربي للأنباء بنسخة منه، هذه البلاغات بـ"الإيجابية"، لكونها تنير الرأي العام بملابسات هذا الفعل الخاطئ، وتحدد الإجراءات المطلوب اتخاذها في هذا الصدد بمواجهة الاختلالات المرتبطة به، وبمسطرة العفو على العموم ومساءلة الذين أدوا إلى إدراج اسم هذا المجرم المدان قضائيا بأفعال جسيمة.
كما أن البلاغات، تضيف المنظمة، أكدت على "إلغاء العفو الصادر في حق المعني، مما يعد سابقة في تاريخ العفو الملكي، تعكس إرادة عليا في معالجة الموضوع بكل ما يقتضيه الأمر من صرامة ورد الاعتبار للضحايا وللقضاء المغربي".
من جهة أخرى، أدانت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، طريقة تعامل الحكومة مع المواطنين والمواطنات في تظاهراتهم السلمية لمعرفة حقيقة ما جرى، معتبرة أن التظاهر "حق مشروع"، وأنه يتعين على الحكومة أن تنخرط فعلا في "بناء دولة القانون لحماية حق المواطنين في التظاهر سلميا وتوفير شروط التمتع به".الرباط (و م ع)
عبد العزيز النويضي .. سحب العفو الملكي "قرار إيجابي"
أكد عبد العزيز النويضي، الأستاذ الجامعي والمحامي بهيئة الرباط، أن قرار سحب العفو الملكي عن مغتصب الأطفال المغاربة يعد قرارا إيجابيا، معربا عن أمله في أن يمكن هذا القرار من "إعادة اعتقال هذا المجرم".
وأعرب النويضي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عن أمله في أن يكون هذا القرار "فرصة لتصحيح مسطرة العفو، بما يجعلها أكثر شفافية، وتقوم على معايير موضوعية".
وفي السياق ذاته، انتقد النويضي طريقة تعامل القوات العمومية مع الوقفة الاحتجاجية التي تمت أمام مقر البرلمان على قرار العفو الذي استفاد منه الإسباني دانييل كالفان.