أشاد في حديث لإذاعة ميدي 1 بدور جلالة الملك في تطوير التعاون جنوب-جنوب

الرئيس السينغالي يبدأ غدا زيارة رسمية للمغرب

الخميس 25 يوليوز 2013 - 14:54

ييبدأ ماكي سال، رئيس جمهورية السينغال، غدا الخميس، زيارة رسمية للمغرب، تتواصل إلى يوم السبت المقبل، بدعوة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

كانت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أعلنت في بيان لها أنه بدعوة كريمة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سيقوم فخامة ماكي سال، رئيس جمهورية السينغال، بزيارة رسمية للمملكة المغربية من يوم الخميس 25 إلى يوم السبت 27 يوليوز 2013.

وأوضحت الوزارة في البلاغ نفسه أنه بهذه المناسبة، سيجري جلالة الملك مباحثات رسمية مع الرئيس السينغالي، ويقيم جلالته مأدبة إفطار رسمية على شرف ضيفه الكبير والوفد المرافق له بالقصر الملكي العامر بمدينة الدارالبيضاء.

من جهته، أكد رئيس الجمهورية السينغالية، ماكي سالي، أن هذه الزيارة تروم "إعطاء نفس جديد ودينامية جديدة للتعاون بين البلدين النموذجي منذ زمن طويل".

وقال سال، في حديث لإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية "ميدي 1"، إن العلاقات بين البلدين "القوية بفضل التطابق التام في الرؤى حول القضايا الاقتصادية والدبلوماسية ، تتجاوز التناوبات السياسية ".

وأشار الرئيس السينغالي إلى أن الزيارة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس في مارس الماضي لدكار، مكنت من تحقيق انطلاقة جديدة للتعاون العريق بين البلدين اللذين يتقاسمان العديد من القيم.

وقال إن التعاون الاقتصادي بين البلدين "ممتاز"، وذكر بهذا الخصوص، بأنه تم التوقيع، خلال زيارة جلالة الملك محمد السادس للسينغال، على عدة اتفاقيات في مختلف المجالات (النقل والفلاحة والتجارة)، مبرزا أنه خلال زيارته الرسمية للمملكة، سيتم التوقيع على اتفاقيات شراكة عديدة أخرى في مجالات السياحة والشؤون الإسلامية وتربية الأحياء المائية، فضلا عن إرساء التعاون بين المجالس الاقتصادية والاجتماعية، وصناديق الإيداع والفاعلين الخواص بالبلدين.

وأكد الرئيس السينغالي أن هذه المشاريع "الملموسة اشتغل عليها المغرب والسينغال معا".

وتطرق سال إلى استئناف الرحلات الجوية للخطوط الملكية المغربية نحو السينغال، من خلال حوالي 14 رحلة أسبوعية بين المغرب والسينغال، مؤكدا أنه "تم إعطاء دفعة كبيرة للتعاون الثنائي بغية تسريعه".

وبخصوص قضية الصحراء، أكد سال أنه "بالنظر للتطابق التام لرؤى البلدين ، لا يمكننا إلا الاصطفاف إلى جانب موقف المغرب ومواكبته في هذا الملف"، ولاحظ أنه "في عهد الرئيسين عبدو ضيوف وعبدولاي واد، وفي عهدي، ظلت مواقف السينغال بهذا الخصوص ثابتة ولم تتغير أبدا".

وحرص الرئيس السينغالي، من جانب آخر، على الإشادة بدور جلالة الملك في تطوير التعاون جنوب-جنوب "عبر زيارات جلالته لإفريقيا واستقباله لوفود ورؤساء دول، ومن خلال الأهمية التي يوليها لهذه المسألة".

المغرب-السينغال: مبادلات تجارية دون مؤهلات البلدين

تجمع المغرب والسينغال علاقات سياسية تاريخية ونموذجية، غير أن المبادلات التجارية بينهما، ومع ما تشهده من انتعاش، تبقى دون مستوى تطلعاتهما، رغم إرادة التعاون التي تحذوهما.

وبالفعل، عرفت المبادلات التجارية بين البلدين تطورا مهما بلغت نسبته 116 في المائة، حيث انتقلت من 987 مليون درهم سنة 2011 إلى 2,13 مليار درهم سنة 2012، وهو التقدم الذي يرجع بالخصوص إلى ارتفاع الصادرات المغربية.

وسجل الميزان التجاري بين المغرب والسينغال فائضا سنة 2012 لفائدة المغرب، حيث انتقل من حوالي 894 مليون درهم سنة 2011 إلى قرابة 2,07 مليار درهم سنة 2012، أي بتحسن بلغت نسبته 132,12 في المائة، وذلك حسب معطيات لوزارة التجارة الخارجية.

وانتقلت صادرات المغرب نحو السينغال من 941,2 مليون درهم سنة 2011 إلى 2,10 مليار درهم سنة 2012 أي بارتفاع نسبته 123 في المائة، في حين عرفت الصادرات نحو هذا البلد انخفاضا يقارب 37 في المائة سنة 2012 (29,4 مليون درهم سنة 2012 مقابل 46,6 مليار درهم سنة 2011).

ويمثل القطن والمنتوجات الغذائية أهم واردات المغرب من السينغال، وبالمقابل يصدر نحو هذا البلد المنتوجات الطاقية والأسلاك الكهربائية والمواد الغذائية والأدوية ومنتوجات الألبسة الجاهزة.

أما الاستثمارات المغربية بالسينغال، فوصلت إلى 2,1 مليون درهم سنة 2011، تتركز أساسا في قطاعات البنوك والنقل والعقار والخدمات، في حين أن حجم الاستثمارات السينغالية بالمغرب بلغ 13,4 مليون درهم سنة 2011.

وتشكل اتفاقيات الشراكة جانبا آخر من الإرادة المشتركة للمغرب والسينغال في تنمية تعاونهما. فمنذ سنة 1963 إلى اليوم تم التوقيع على 60 اتفاقا قانونيا وتجاريا في مجالات الاستثمار والمساعدة التقنية والتقنين وتنظيم قطاع البناء والأشغال العمومية والوقاية المدنية والنقل الجوي والطرقي.

وفضلا عن هذه الاتفاقيات، يضم مجلس الأعمال المغربي السينغالي هيئات أرباب العمل من البلدين إلى جانب مختلف الأنشطة الترويجية المنظمة من الجانبين، وبصفة خاصة مشاركة المغرب في جميع دورات المعرض الدولي لدكار، وفي "منتدى المغرب إفريقيا كهرباء" إلى جانب مشاركة السنغال في الدورة السابعة للمعرض الدولي للكهرباء، والإنارة، والإلكتروتيكنيك وتكنولوجيا الهندسة.

العلاقات المغربية الإفريقية.. نموذج للتعاون جنوب- جنوب

فاطمة تيمجردين

حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين على القيام بزيارات منتظمة إلى عدد من الدول الإفريقية، واضعا نصب عينيه ترسيخ نموذج للتعاون جنوب-جنوب، باعتباره السبيل الأنجع لتحقيق التنمية والاندماج في الفضاء الإفريقي.

وحملت الجولة الإفريقية التي قادت جلالة الملك، في مارس الماضي، إلى كل من السنغال والكوت ديفوار والغابون، رسالة قوية للقادة الأفارقة عن التزام المغرب بتعزيز شراكة استراتيجية مع دول القارة السمراء في مختلف المجالات ومواصلة تضامنه معها والدفاع عن مصالحها.
فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، خلال زيارته لكوت ديفوار، عزم المغرب الأكيد" على تشييد "نموذج مثمر ومزدهر" للتعاون جنوب-جنوب في إفريقيا".

وعبر جلالة الملك عن أمله في تعميق التشاور السياسي البناء حول القضايا الأساسية، التي تهم الأمن والاستقرار الجماعي للدول المغاربية ودول غرب إفريقيا، والتي "تتقاسم نفس المصالح الاستراتيجية"، مشددا جلالته على الارتباطات القوية والمتداخلة، والتكامل الحقيقي الذي يجمع الدول المغاربية وبلدان غرب إفريقيا.

وقد أعطت هذه الزيارة، التي تم خلالها التوقيع على جملة من اتفاقيات التعاون بين الجانبين، دفعة قوية للعلاقات الاقتصادية بين المغرب وإفريقيا، التي شهدت في السنوات الأخيرة تطورا ملموسا من خلال التوجه المتزايد للقطاع الخاص المغربي للاستثمار في إفريقيا، ما فتح المجال للشركات المغربية المتوسطة والكبرى لتوسيع استثماراتها، بعدما كان الوجود الاقتصادي المغربي في إفريقيا مقتصرا على بعض التجار المستقرين بالسنغال وكوت ديفوار ومالي.

وتشمل استثمارات الخواص من المغاربة في القارة الإفريقية مجالات متعددة مثل البنوك والمالية والتأمين والاتصالات والبنيات التحتية والسكن والمناجم، والتكوين و"الاقتصاد الأخضر".

ويرتبط المغرب في الوقت الراهن بعلاقات تعاون مع نحو 40 دولة إفريقية، ينظمه إطار قانوني يضم 478 اتفاقية وبروتوكولا تتكفل اللجان المشتركة بوضعها حيز التنفيذ . كما وظفت عدة آليات مؤسساتية على غرار الوكالة المغربية للتعاون الدولي لإعطاء دفعة قوية لهذا التعاون.

وتم في السنوات الأخيرة إيلاء أهمية متزايدة للمجال الاقتصادي في الشراكة المغربية الإفريقية، خاصة في دول السنغال وكوت ديفوار ومالي والطوغو والبنين وبوركينا فاصو وغينيا والنيجر، حيث ارتفع عدد المقاولات المغربية المصدرة بـ 6في المائة سنة 2010 مقابل 1,7 في المائة خلال الخمس سنوات السابقة، وارتفعت صادرات المغرب اتجاه إفريقيا بـ 71,8 في المائة بين 2007 و2010.

ولا يقتصر التعاون بين المغرب وإفريقيا على الشق الاقتصادي، بل يتجاوزه إلى مجالي السلم والأمن، بفضل الجهود الكبيرة التي تقوم بها المملكة بهدف إرساء السلم والاستقرار في القارة الإفريقية، إذ ما فتئت تدعم مبادرات الأمم المتحدة لإعادة الاستقرار في المنطقة، كما لا تدخر أي جهد للمساهمة بقواتها العسكرية في حفظ السلم في المنطقة.

ويعكس التضامن مع البلدان الإفريقية في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية روح الانتماء الإفريقي للمغرب الذي لا يدخر جهدا في تقديم المساعدات الإنسانية للسكان المتضررين.

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك في الرسالة التي وجهها إلى المشاركين في القمة العادية لرؤساء الدول والحكومات في منظمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي انعقدت في كوت ديفوار في فبراير الماضي، أن المملكة ستواصل "تحمل المسؤوليات المنوطة بها على الوجه الأكمل سواء على الصعيد الثنائي، باعتبارها جارا يؤمن بقيم التضامن أو على المستوى الدولي، باعتبارها شريكا يتوخى استتباب السلم والأمن في المنطقة".

وأضاف جلالته "وفي سياق القرار الذي كان المغرب قد اتخذه في حينه بإرسال مساعدات إنسانية عاجلة للتخفيف من معاناة الآلاف من الماليين المهجرين إلى جنوب مالي أو اللاجئين إلى موريتانيا والنيجر وبوركينا فاصو، فإنه سيظل يولي اهتماما بالغا للوضع الإنساني المقلق الذي يعيشه هذا البلد".

وفي أفق احتضان المغرب للدورة العادية الـ13 لقمة رؤساء دول وحكومات تجمع دول الساحل والصحراء، فإنه مدعو إلى الاضطلاع بالدور المنوط به في إطار هدا التجمع الذي يضم 28 دولة لتعزيز مكانته في القارة التي تعرف تحولات كبرى وعميقة اقتصادية وسياسية واجتماعية ومجالية، وذلك من خلال تطوير أشكال جديدة للتعاون وتشجيع كل أشكال الدبلوماسية الموازية، والانفتاح على المجتمع المدني والنخب الإفريقية ذات التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية بالقارة. (و م ع)

مدير معهد الدراسات الإفريقية: المكانة المتميزة التي يحظى بها المغرب في إفريقيا امتداد لدوره الكبير في خدمة قضايا القارة

فاطمة تيمجردين

أكد يحيى أبو الفراح، مدير معهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد الخامس السويسي بالرباط، أن المكانة المتميزة التي يحظى بها المغرب في إفريقيا تعتبر امتدادا للدور الكبير الذي اضطلع به منذ عقود في خدمة قضايا القارة، لاسيما مساهمته الفعالة في تحرير إفريقيا وبناء وحدتها.

وأوضح أبو الفراح، في حديث أجرته معه وكالة المغرب العربي للأنباء، أنه تم وضع اللبنات الأولى للوحدة الإفريقية في مؤتمر الدار البيضاء سنة 1961، بمبادرة من جلالة المغفور له محمد الخامس، الذي ساهم في دعم حركات التحرر الإفريقية، إلى جانب مساهمة المملكة بشكل رئيسي في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963، وتعزيز الاستقرار السياسي واستتباب الأمن بالقارة عبر المشاركة في عدد من عمليات حفظ الأمن والاستقرار، وفي حل النزاعات الإفريقية.

ولاحظ أن اهتمام المغرب بالقارة السمراء، التي تحتل مكانة مركزية في سياسته الخارجية، شهد تزايدا مكثفا خلال الأربع عشرة سنة الأخيرة، إذ عمل على تقوية علاقاته مع المجموعات الاقتصادية الإفريقية، وأرسى أسس شراكة حقيقية تخدم المصالح المشتركة بين بلدان القارة، إلى جانب مساهمته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في التنمية السوسيو- اقتصادية للقارة.

واعتبر مدير معهد الدراسات الإفريقية أن هذا التوجه لا يمكن تفسيره فقط بالتحولات المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية على جميع الأصعدة، ولكن بالخصوص برغبة المغرب في بناء استراتيجية متعددة الأبعاد للتعاون مع الدول الإفريقية قوامها الشراكة والتضامن والسلم، باعتبار القارة مجالا حيويا بالنسبة لحاضر ومستقبل المغرب.

وفي هذا الإطار، يضيف أبو الفراح، أعطى جلالة الملك محمد السادس دفعة قوية للعلاقات مع البلدان الإفريقية من خلال قيامه منذ اعتلائه العرش، بعدد قياسي من الزيارات إلى هذه البلدان، إذ قام في أقل من 10 سنوات بحوالي 24 زيارة إلى قرابة 14 بلدا إفريقيا، مبرزا أن هذه الزيارات كانت لها نتائج إيجابية ملموسة على تقوية مكانة المغرب في القارة، وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية، ودفعت عددا من الشركات المغربية للاستثمار في قطاعات متنوعة في القارة.

وأشار مدير معهد الدراسات الإفريقية إلى أن الاهتمام المغربي بإفريقيا تم تكريسه أيضا بواسطة الدستور الجديد الذي ركز على أهمية البعد الإفريقي للهوية الوطنية، وعلى ضرورة تعزيز التعاون جنوب جنوب، ولاسيما مع البلدان والشعوب الإفريقية.

ورغم وجود المغرب خارج مؤسسات الاتحاد الإفريقي، يضيف أبو الفراح، فقد عمل على تعزيز مكانته عبر ابتكار أساليب جديدة وفعالة للتعاون، ساهمت بشكل مباشر في خدمة القضية الوطنية الأولى، وإقناع أغلب الدول الإفريقية بنجاعة المقترح المغربي للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.

وأشار إلى أنه في كل المناسبات القارية والدولية لا تتردد هذه الدول في إثارة الوضع غير الطبيعي لوجود بلد مؤسس للوحدة الإفريقية خارج تنظيمات الاتحاد الإفريقي، والمطالبة بتصحيح هذه الوضعية الشاذة. غير أن موقف المغرب من هذه المسألة، يقول أبو الفراح، "واضح فهو ينبني على الشرعية الدولية ومشروط بزوال الأسباب التي دفعته إلى مغادرة المنتظم الإفريقي".

وبخصوص العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإفريقيا، أشار أبو الفراح إلى أن الوجود المغربي الاقتصادي بإفريقيا انتقل في أقل من عقد من الزمن من وضعية تميزت بضعف المبادلات التجارية مع البلدان الإفريقية، وبحضور اقتصادي لا يتجاوز استقرار مجموعة من التجار المغاربة في عدد من الدول وخاصة في السنغال والكوت ديفوار، إلى وضعية جديدة قوامها الانفتاح الاقتصادي المتزايد على إفريقيا عبر تنويع وتقوية المبادلات التجارية.

وسجل، في هذا الصدد، توجه الشركات المغربية بشكل متزايد للاستثمار في إفريقيا، وذلك بهدف الاستفادة من المؤهلات الكبيرة التي توفرها اقتصادياتها، في ظل التحسن الذي عرفه مناخ الأعمال بالدول الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، مبرزا أن هذا التوجه كاختيار استراتيجي يمكن الشركات المغربية من البحث عن أسواق جديدة، لاسيما بعد الأزمة الاقتصادية التي عرفتها الاقتصاديات العالمية ومنها اقتصاديات الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن التحولات المتسارعة التي تعرفها القارة السمراء خلال السنوات الأخيرة، وتزايد مكانتها على صعيد الخريطة الجيو-سياسية العالمية، والمنافسة القوية حول ثرواتها وأسواقها من طرف القوى الاقتصادية التقليدية، وكذا الناشئة، وغيرها من الدول، حتمت على المغرب تفعيل استراتيجية واضحة تشجع استثمارات الشركات المغربية بإفريقيا وتحسن من تنافسيتها، وذلك عبر التوجه نحو المجالات التي راكم فيها تجربة كبيرة كقطاعات الاتصالات والسياحة والفلاحة والأشغال العمومية، أو عبر تقوية دوره الاستراتيجي كبوابة رئيسية نحو إفريقيا وملتقى استراتيجي على مستوى العلاقات الدولية بين القارة وأوروبا وأمريكا، وكذلك عبر تعزيز دور الخطوط الملكية المغربية كفاعل مركزي في تقوية إشعاع المغرب على الصعيد القاري. (و م ع)

محور الرباط - دكار.. إرادة مشتركة لانبعاث نمط نموذجي للتعاون جنوب- جنوب

دكار: إدريس حيداس

مما لا شك فيه أن الزيارة الملكية، التي قام بها جلالة الملك محمد السادس في مارس الماضي لدكار، والزيارة التي يشرع فيها الرئيس السينغالي ماكي سال، اليوم الخميس، للرباط، ستبثان دينامية جديدة في العلاقات المغربية السينغالية الممتازة وستعطيان المزيد من الدفع لهذه الإرادة المشتركة لانبعاث نمط نموذجي للتعاون جنوب-جنوب.

ويعد محور الرباط - دكار، الذي أضحى من الآن فصاعدا نموذجا رائدا للتعاون جنوب-جنوب، بالمزيد من الإشعاع والمبادرات الفعلية والمتعددة الأشكال لإعطاء نموذج إفريقيا جديدة تتطلع لتأليف جهودها من أجل التنمية والاندماج.

وتماشيا مع الإرادة المشتركة للمضي قدما في هذه العلاقات العريقة والمميزة التي تجمع قائدي البلدين منذ فجر الاستقلال، قام جلالة الملك محمد السادس سنة 2001 بزيارة أولى للسينغال.

وخولت هذه الزيارة حينها إعطاء دفعة قوية ومضمون حقيقي لعلاقات التعاون في المجالات التنموية ذات الأولوية بين البلدين، مثل الفلاحة والصيد البحري والتعليم والتكوين والصحة وتدبير المياه والري والاتصالات والتهيئة الحضرية والنقل الجوي والبنيات التحتية الأساسية.

وتوالت منذ ذلك الحين زيارات جلالة الملك للسينغال كدلائل إضافية على الرغبة الأكيدة في إعطاء دينامية متجددة لهذه العلاقات الأخوية التي ما فتئ جلالته يوليها للنهوض بعلاقات المغرب مع هذا البلد.

ففي 14 نونبر 2006، قام جلالة الملك بزيارة عمل للسينغال هي الرابعة في غضون خمس سنوات وتميزت بالتوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون في مجالات الاستثمار والمساعدة التقنية في قطاعات تقنين وتنظيم قطاع البناء والأشغال العمومية والوقاية المدنية والنقل الجوي.

ومنذ تولي الرئيس السينغالي الجديد ماكي سال السلطة سنة 2012، عاد تعزيز العلاقات بين المغرب والسينغال إلى الواجهة.

وكان جلالة الملك أكد في برقية بعث بها للرئيس سال في 26 مارس 2012 لدى انتخابه رئيسا للسينغال "ارتياحه لعلاقات الأخوة الإفريقية الممتازة، والتعاون المثمر الذي يربط البلدين"، مؤكدا عزم جلالته على العمل، "من أجل تعزيز هذه العلاقات وتنويعها بشكل أفضل في إطار شراكة استراتيجية سياسية واقتصادية قوية ومتجددة، وتعاون جنوب-جنوب نشيط ومتضامن لما فيه خير الشعبين الشقيقين وصالح تنمية القارة الإفريقية".

من جهة أخرى، شكل الدعم السينغالي لقضية الوحدة الترابية للمملكة على الدوام قناعة راسخة لدى الدبلوماسية السينغالية. وجدد الرئيس الجديد للدبلوماسية السينغالية أليون بادارا سيسي التأكيد على هذا الموقف، خلال زيارته الرسمية الأولى للمغرب أخيرا، قائلا "إن السيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية لا يمكن الجدال فيها. إنه موقف محسوم فيه بشكل دائم".

وأعرب المغرب والسينغال عن إصرارهما على العمل على تنويع علاقات التعاون الثنائي وتوسيعه، بمناسبة انعقاد الدورة 14 للجنة المختلطة المغربية السينغالية للتعاون المنعقدة، أخيرا في دكار.

وفي هذا السياق، دعا البلدان إلى تعزيز وتقوية العلاقات الثنائية بهدف الاستجابة للطموحات المشتركة وتوفير شروط إقامة نموذج للشراكة بين البلدان الإفريقية من خلال العمل على تطوير آليات هذه العلاقات وتجديد المقاربات وتنويع المتدخلين.

وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري شهدت علاقات البلدين في ظرف وجيز قفزة نوعية، إذ ارتفعت وتيرة المبادلات والاستثمارات منذ سنة 2000، حيث انتقلت المبادلات التجارية من 6 ملايين دولار سنة 1999 إلى 52 مليون دولار سنة 2005.

يذكر أنه سنة 1964 تم التوقيع على اتفاقية يتم بموجبها معاملة المؤسسات المغربية والسينغالية في كلا البلدين بالمثل، ومنذ ذلك التاريخ وقع البلدان 60 اتفاقا ومعاهدة تجارية، من أجل تسهيل التدفقات التجارية والاقتصادية والاستثمارات بين البلدين. وإضافة لهذه الاتفاقيات، هناك أيضا آلية مجلس الأعمال المغربي السينغالي، الذي يضم رجال الأعمال من كلا البلدين.

وتعد قطاعات الفلاحة والسياحة والبناء والأشغال العمومية والهندسة المدنية والتكنولوجيات الجديدة قطاعات واعدة في التعاون والاستثمارات بين البلدين. وانعكست متانة العلاقات السياسية إيجابا على قطاع الاستثمارات، والتي بدأها القطاع العام المغربي في السينغال ويواصلها حاليا القطاع الخاص.

وبالفعل، تحضر الخبرة المغربية في عدد من القطاعات الاقتصادية السينغالية مثل البناء والأشغال العمومية والصناعة الصيدلية والكهرباء. ومنذ سنة 2005، انضاف القطاع البنكي المغربي بقوة إلى هذه الدينامية الاستثمارية في السينغال.

في هذا السياق، يبرز الوسام الذي حصل عليه أخيرا، الرئيس المدير العام لمجموعة التجاري وفابنك محمد الكتاني من لدن الرئيس ماكي سال دليلا على نجاح هذه المجموعة في السوق السينغالي، والتي أنشأت في العام 2008 فرعا محليا تابعا لها بعد اندماج بين البنك السينغالي (المجموعة البنكية لإفريقيا الغربية)، والفرع المغربي (التجاري وفابنك السينغال)، لتصبح أول مجموعة بنكية في السينغال ونموذجا ناجحا في منطقة غرب إفريقيا.

وتعمل المجموعة البنكية على تطوير التعاون المغربي السينغالي في مجال المبادلات التجارية والاستثمارات. وحسب الرئيس المدير العام للمجموعة فهي تعتبر أول بنك تجاري ساهم في تمويل مشاريع كبرى من قبيل إنشاء طريق سيار بالسينغال ومشروع محطة حرارية ومشروع محطة كهربائية تعمل بالفحم الحجري (محطة سيندو بطاقة إنتاج 125 ميغاواط).

وتفيد حصيلة البنك للعام 2011 أن القروض الموجهة للاقتصاد السينغالي من طرف المجموعة بلغت 527 مليار فرنك إفريقي من مجموع موارد بلغت 493 مليار فرنك إفريقي (أورو واحد يعادل 654 فرنك افريقي).

كما يحضر المكتب الوطني للماء والكهرباء بقوة في السينغال، إذ حصل المكتب على صفقتي مشروعين للكهربة القروية في سان لوي ولوغا (شمال). وتتكلف حاليا الشركة المغربية السينغالية للكهرباء التابعة للمكتب الوطني للماء والكهرباء والمحدثة في أكتوبر 2008 بتنفيذ مشروع كهربة 550 قرية بمنطقة سان لوي، في حين يشمل البرنامج الثاني كهربة 11 ألف منزل في لوغا.

وضمن الاستثمارات المغربية الخاصة، يمكن الحديث أيضا، عن وحدة "غرب إفريقيا للصيدلة" التابعة للمختبر المغربي "سوطيما"، التي افتتحت مصنعا للأدوية في دكار باستثمار يصل إلى 6,5 ملايين أورو.

ورغم ذلك، ماتزال المبادلات التجارية بين المملكة والسينغال، على الخصوص، ومع منطقة غرب إفريقيا على العموم تعتريها صعوبات بفعل غياب اتفاق تجاري مع "المجموعة الاقتصادية والنقدية لغرب إفريقيا" التي تضم ثمانية بلدان من بينها السينغال والكوت ديفوار.

ويعد تسريع التوقيع على الاتفاق التفضيلي للتجارة والاستثمارات الموقع عليه بالأحرف الأولى مع المجموعة في نونبر 2008 شرطا ضروريا للنهوض بالتعاون جنوب-جنوب، ويتعلق الأمر باتفاق يندرج في إطار علاقات مربحة للطرفين تبعا لمساعي المملكة الرامية إلى الاندماج الإقليمي.

ووعيا من المغرب بضرورة إضفاء بعد تضامني على علاقاته مع السينغال، حرص على المساهمة في إنجاز العديد من المشاريع في هذا البلد ركزت على القطاعات التنموية ذات الأولوية في إطار التعاون جنوب- جنوب.

فقد وضع المغرب رهن إشارة هذا البلد تقنية استمطار السحب لفائدة عدة بلدان إفريقية، خاصة السينغال التي يساعد فيها البرنامج، الذي يحمل اسم (باوان)، على إنجاح برنامج البلاد لتطوير الإنتاجية الزراعية (غوانا) بغية تحقيق الأمن الغذائي.

ويعد التكوين قطاعا آخر لا يقل أهمية في التعاون بين البلدين، فبوجود 8000 طالب سينغالي يتابعون دراستهم، يعتبر المغرب ثاني وجهة للسينغاليين للدراسة بعد فرنسا. وبدورها تستقطب الجامعات السينغالية أكثر من 600 طالب مغربي يتابع غالبيتهم دراساتهم العليا في كلية الطب بجامعة الشيخ أنتا ديوب بدكار.

ويهم التعاون بين البلدين كذلك المجال الديني، خاصة من خلال الزاوية التيجانية. واحتضنت فاس في العام 2007 مؤتمر التيجانيين عبر العالم. ومن أبرز سمات هذا التعاون بناء المغرب سنة 1964 لمسجد الحسن الثاني بدكار، الذي تم ترميمه في العام 2002.

وأعطى جلالة الملك محمد السادس، خلال زيارته الأخيرة للسينغال، دفعة جديدة لهذا التعاون عبر التوقيع على عدة اتفاقيات تفتح آفاقا جديدة للتعاون، منها، بالخصوص، اتفاقيتان تهم إحداهما اللوجيستيك والأخرى قطاعات الطاقة والمعادن.

وتوافقت كل من الرباط ودكار بالتالي على تطلعهما كي تكونا أرضيتين للاستثمارات والمبادلات الاقتصادية في منطقتيهما. ولتحقيق هذا الهدف، تكتسي الاتفاقيتان المذكورتان أهمية استراتيجية وتختزنان قدرات هائلة للشراكة ضمن منطق مربح للطرفين.

كما شكلت الزيارة مناسبة لتجسد من خلال نماذج ملموسة هذا التعاون جنوب-جنوب عبر تدشين مصنع للصناعة الصيدلية يعد من بين الأهم في منطقة غرب إفريقيا، ومصحة لطب العيون تجسد التعاون التضامني.

هكذا تعبر زيارة جلالة الملك للسينغال وزيارة الرئيس السينغالي للرباط عن إرادة مشتركة لتقوية مكتسبات هذا التعاون المتعدد الأشكال والمتضامن والفعال.

كما أن الروابط الروحية والأخوة العريقة المنسوجة عبر التاريخ بين البلدين تمهد السبل لإنجاح تحديات تعاون جنوب- جنوب واعد ومثمر بالنسبة للبلدين.(و م ع)




تابعونا على فيسبوك