الأم في عرف زهور الأشعري هي العماد الأساسي للتربية، والعمود الفقري للأسرة، والعكاز الذي يتكئ عليه الأبناء وهم يخطون خطواتهم الأولى في الحياة، وإن عجزت ضاعوا في زحمة الانشغالات والإهمال، لنكون أمام ظواهر يصعب تفاديها أو معالجتها بعد ذلك ..
من هنا انطلقت فكرة تبدو بسيطة في معناها لكنها جريئة وذات أبعاد قيمة، تعود بالنفع على أطفال وشباب، وأسرة بأكملها، وبالتالي على المجتمع، فكان ميلاد جمعية الأنوار المشرقة للثقافة والتنمية الاجتماعية، التي تنشط بمنطقة سيدي مومن بالداراليضاء، والتي أخذت على عاتقها دعم المرأة الأرملة في الحفاظ على أطفالها، وحمايتهم من الضياع ومن التهام الشارع لهم.
تكرس زهور جل وقتها، إلى جانب عملها كمنتدبة طبية لها خبرتها في التعرف على الحالات النفسية للنساء، لمرافقة بعضهن والعمل على حل مشاكلهن، وتحسيسهن بدورهن الأساسي في حياة أبنائهن.
عن هذا المبدأ وفلسفة الجمعية في الحماية والوقاية قبل العلاج، تتحدث زهور الأشعري، إحدى مؤسسات الجمعية، ونائبة رئيسها، في هذا الحوار.
ما هي الفكرة الأساسية التي انطلق منها تأسيس جمعية من هذا النوع؟ وكيف تبنيت مبدأ "الوقاية خير من العلاج"؟
- انخرطت في هذه المبادرة، إيمانا مني بالعمل الجمعوي، كأسلوب يساهم في البحث عن سبل التخفيف من معاناة بعض الفئات، والبحث في إطار منظم عن الحلول المناسبة، وسبق أن كان لي عدة مبادرات سابقة في هذا المجال، وهي مبادرات ميدانية جعلتني أقف على أوضاع أخرى لفئات أخرى من المجتمع، وهي وضعية المرأة الأرملة، التي تجد نفسها بين ليلة وضحاها، دون معيل بل في وضعية هشة جدا، ومتدنية ماديا، وعلى عاتقها أطفال عليها تربيتهم، وتوفير لقمة العيش لهم.
كان يثير انتباهي دائما أطفال صغار في الأحياء الهامشية، وهم يلعبون في الشارع إلى وقت متأخر من الليل. حالتهم الرثة جعلتنا نتقرب منهم، لنتعرف على أوضاعهم المعيشية، بعضهم فقد الأب أو الأم، ويستعرضون حالات مأساوية تدعو للرثاء.
فكرنا آنذاك أنه لا يمكن أن نكتفي فقط بالشفقة عليهم، والتصدق والإحسان إليهم، فجاءت فكرة تأسيس هذه الجمعية حتى تكون إطارا ينظم علاقتنا بالأسر الفقيرة جدا، التي تعيلها امرأة بالأساس، تظل طيلة اليوم خارج البيت للبحث عن لقمة العيش لها ولأبنائها، بطريقة أو بأخرى، في حين تترك الأطفال الصغار في معظم الأحيان، عرضة للإهمال ليتكلف بهم الشارع أو الغرباء.
هدفنا الأساسي احتضان الأرملة وأطفالها اليتامى، على اعتبار أن هذا العمل سيجنب هذه الأسر الضياع، أو بمعنى آخر، سيقي الأسرة والأبناء من التشرد أو الانحراف.
فبالنسبة لنا في الجمعية "الوقاية خير من العلاج".. لا يمكن انتظار تفشي ظواهر الأمهات العازبات، أو أطفال الشوارع، أو إدمان المخدرات... لنقوم بعدها فقط بالبحث عن حلول للتصدي لها أو معالجتها، بل نرى من الضروري إنقاذ الأسرة أولا من الضياع، وتوفير بعض الإمكانيات لها تقيها من التشرد.
هذه هي الفكرة الأساسية التي تقوم عليها جمعية الأنوار المشرقة، التي تأسست سنة 2007، والتي ليس لها أي انتماء غير الشعور والرغبة في مد يد العون إلى فئة محتاجة إلى ذلك. تعتمد على مواردها الذاتية المحدودة جدا، لكن غالبا ما تجد بجانبها المحسنين، وبعض ميسوري الحال من فاعلي الخير.
اليوم نبحث عن مقر مناسب، لأن مقرنا الحالي هو عبارة عن شقة نكتريها لاستقبال الأرامل وأطفالهن، لكن قدرتها الاستيعابية محدودة.
كيف يقع رصد هؤلاء الأرامل، وما هي معايير اختياركم لهن كأشخاص يحتاجون بالفعل إلى مساعدة؟
- في هذا الصدد، نستعين بمساعدين للبحث في هذه الحالات.. وحين رصدها يقومون بالانتقال إلى البيت، أو الغرفة التي تعيش فيها، ثم نفتح بشأن كل حالة ملفا يضم بعض الوثائق التي تثبت الهوية والحالة الاجتماعية للأرملة وللأطفال الأيتام. ولا أخفيكم أننا اكتشفنا بالفعل أوضاعا مزرية لأسر تعيش في غرفة فوق السطوح دون أفرشة مناسبة، وبمؤونة لا تسمن ولا تغني من جوع. ما يجعل الأطفال بالفعل معرضين للضياع. بعد ذلك، ننتقل إلى عين المكان من أجل طمأنة الأم، وثنيها عن عزمها الخروج إلى الشارع، سواء للتسول أو للدعارة، وتقنعها بالجلوس في بيتها لرعاية أطفالها الصغار، الذين هم بحاجة إليها، خاصة وقت الدراسة، وبالفعل نعمل على توفير معظم الحاجيات لهذه الأم، ما يجعلها في وضع أفضل مما كانت تعيشه، بمعنى أن الجمعية ستقدم لها كل الدعم والمساعدة لإعالة أطفالها.
قلت إنكم تعوضون الأب المعيل لتجلس الأم في بيتها؟ هل تكفي إمكانياتكم المتواضعة في ذلك؟ وما هي أهم المساعدات التي تقدمونها؟ وماذا عن الأنشطة الأخرى للجمعية؟
- كما قلت سابقا، إننا نعتمد على المحسنين في المقام الأول، والحمد لله ما زال في هذا المجتمع أناس يؤمنون بالتضامن، ويسعون إلى فعل الخير. أما عما نقوم به لفائدة الأرملة وطفلها فنحن نضمن بالنسبة إلى المتمدرسين، كل تكاليف الدخول المدرسي من حقيبة وأدوات ومصاريف التسجيل، وحتى الملابس. أيضا نمد الأسرة بمؤونة يومية تكفيها عناء الخروج للبحث عنها... ونرى أن هذا الأمر ساعد الطفل كثيرا الذي أصبح يعود إلى البيت ويجد والدته في استقباله، تحضنه وترعاه، وتقدم له وجبته، كباقي الأطفال، قبل أن يعود إلى المدرسة. أعتقد أن هذه السياسة أتت أكلها بحيث نقف على النتائج سنة بعد سنة. الأمر لا يقتصر على الطفل الصغير، بل نتابع حتى من هم في المرحلة الإعدادية، الذين يحظون بدروس الدعم والتقوية، وعدد من هؤلاء نجدهم يتفوقون ويواصلون دراستهم في الكلية. وأمام هذه الإرادة لا يسعنا إلا أن نواصل دعمنا لهم.
هناك حوالي سبع فتيات يتيمات بلغن سن الزواج، فتكلفنا بتزويجهن، وهن اليوم مستقرات في بيوتهن. أيضا، وقفنا على بعض حالات البيوت المهترئة، التي عملنا على ترميمها حتى تصبح صالحة وآمنة للسكن، وجهزنا بعض آخر من البيوت بالأثاث ..
الأنشطة الأخرى للجمعية تتجلى في توفير كسوة العيد، والأضاحي، وتنظيم خرجات ترفيهية وتربوية، ومخيمات صيفية، وورشات للرسم والمسرح ومباريات رياضية. واليوم نسعى إلى فتح ورشات خاصة بالأرملة في بعض الصناعات اليدوية، إلى جانب دروس محو الأمية بالنسبة إلى بعضهن.
إلى أي حد تجدون التجاوب من قبل هؤلاء الأرامل لتكريس وقتهن لأطفالهن، وانتظار مساعدة جمعيتكم؟
- لاحظنا بالفعل أن مجهوداتنا لا تذهب سدى، وكثير من الأطفال تحدوهم الإرادة ليكونوا فاعلين، سواء من ناحية تمدرسهم أو من خلال انخراطهم في أنشطة الجمعية، ما يقيهم البحث عن ملء الفراغ في الشوارع.
بعض الأرامل، قبل لقائهن، كن يعشن حالة نفسية منهارة وعصبية جدا، لكن بعض خضوعها لعلاج نفسي وفرته لهن الجمعية، أصبحت معنوياتهن مرتفعة وأقبلن على الحياة بشكل أفضل. إذن، هذه النتائج حفزتنا رغم الإمكانيات المحدودة للعطاء أكثر... نعتبر أننا نساهم، بشكل كبير، في تربيتهم إلى جانب هؤلاء الأمهات، ولا أخفيكم أن النتائج مرضية جدا حتى الآن بالنسبة إلينا، ما يجعلنا نفتخر بهم.
لكن أكيد أن هناك إكراهات قد تحد من عزيمتكم، أو تعرقل مساعيكم الاجتماعية والإحسانية. ماهي؟
- هناك إكراهات، مع الأسف، تكمن في عدم تجاوب السلطات المحلية، بالأساس، مع طلب ما، سواء بخصوص تنظيم نشاط أو دعمه ماديا أو لوجيستيكيا، خاص بتجهيزات أو غير ذلك... فكثيرا ما نصطدم ببعض التماطل والتسويف، الذي يفسد علينا فرحتنا بالقيام بنشاطنا الذي هو غالبا ما يكون لفائدة قضية إنسانية.
ففي الوقت الذي نحتاج فيه أن يقوم المنتخبون المحليون بدورهم إزاء العمل الجمعوي، نصطدم بلامبالاة. نحن اليوم، نحتضن أزيد من 40 أسرة، وبالإمكان رعاية أكثر من ذلك، لو وجدنا مساندة السلطات المنتخبة المحلية، وهذا بإمكانه أن يساهم في وضع حد لعدة ظواهر، وأنا أومن بأن مساندة أرملة أو أسرة فقيرة من شأنه أن يحول دون ظهور عدة آفات اجتماعية أخرى. فما زلت أؤكد أن دور الجمعية هو وقائي بالدرجة الأولى.
"المغربية" - بأطباق من التمر والحليب، جرى استقبال عدد من الأطفال الأيتام، وأمهاتهم الأرامل، في مبادرة تستهدف الترويح عنهم، ومشاركتهم يوم جميل تعلو فيه الموسيقى وترسم فيه البسمة على شفاههم.
إنه "يوم اليتيم"، الذي نظمته جمعية الأنوار المشرقة للثقافة والتنمية الاجتماعية، يوم فاتح يوليوز بالدارالبيضاء، والذي كان مناسبة للترفيه والمرح وقضاء لحظات سعيدة تنسي الأيتام عناء سنة دراسية حافلة وتعوضهم ولو جزء يسير من الحرمان من أبسط حقهم في اللعب واللهو.
الحفل كان عبارة عن كيرميس، استفاد منه أزيد من 200 طفل، وحضره أطفال آخرون، وبعض الفنانين والرياضيين.
وعرف اليوم تنظيم عدة عروض بهلوانية وألعاب سحرية وشارك الأطفال في ورشات للرسم وللكتاب وورشات للتحسيس بنظافة الجسم والأسنان.
كما كان الأطفال على موعد مع ألعاب تحفز الفكر وتنمي ذكاء الطفل، أما الطفلات فخضبن أيديهن بنقوش الحناء.
وقالت رئيسة مهرجان اليتيم، زهور الأشعري، إن الحدث شكل متنفسا لهؤلاء الأطفال، الذين وجدوا متعة حقيقية في مقاسمة لحظات اللهو والفرحة مع أقرانهم، مؤكدة أن الجمعية ستجعل من هذا اليوم حدثا سنويا، يخفف عن الأيتام وحدتهم، وحرمانهم من فضاءات اللهو واللعب.
وثمنت الأشعري المساهمات التي حظيت بها الجمعية، وهي تحتفل باليتيم، من قبل عدد من المحسنين، وكذا من قبل بعض الشركات الغذائية المتخصصة، التي مدت الجمعية، سواء بقنينات المياه المعدنية، أو المشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة، والبسكتة، منوهة بكل من ساهم في إنجاح هذا اليوم لفائدة اليتيم.
ودعت رئيسة التظاهرة إلى ضرورة الانخراط من قبل السلطات المحلية والمنتخبون في مثل هذه المبادرات بروح من الوطنية والتضامن، حتى يمكن بالفعل الحديث عن التنمية البشرية في أسمى معانيها.
في الوقت نفسه، حذرت الأشعري من مغبة استغلال مثل هذه التظاهرات للدعاية لأغراض شخصية أو للترويج لاسم أو شخص معين، "لأن غرضنا الأساسي هو التحسيس بوضعية اليتيم، وبالمجهود المضاعف للأم الأرملة الفقيرة، التي تعاني أكثر من أي شخص آخر في سبيل الحفاظ على تماسك أسرتها وتجنيب أبنائها التشرد".
وفي ختام الحدث، وزعت الهدايا والجوائز والميداليات على الفائزين في المسابقات وفي نهائي دوري كرة القدم، الذي يشارك فيه الأطفال من منخرطي الجمعية.
للإشارة، ومساهمة من الجمعية في تحفيز المتفوقين في الدراسة، سلمت هدايا للناجحين في امتحانات الباكالوريا، وهي عبارة عن مبالغ مالية ( 1000 درهم لكل ناجح في الباكالوريا، و500 درهم لتلاميذ الثانوي، ثم 300 درهم لتلاميذ المرحلة الابتدائية)، وأدوات منزلية للأمهات.