شكايات المتضررين مهمة لتحريك البحث والتقصي حول الأدوية المشبوهة

عيون لا تنام في قسم اليقظة الدوائية بالرباط

الأربعاء 09 فبراير 2011 - 12:36

شهدت السنة المنصرمة، جدلا واسعا حول تسويق نوع من الأدوية في المغرب، رغم الحديث عن تسببها مضاعفات جانبية تشكل خطرا على صحة المرضى، تلته دعوة وزارة الصحة إلى تدخل عاجل باتخاذ القرار المناسب لوقف أي إضرار بصحة المواطن.

وقابل ذلك خروج وزارة الصحة، في أكثر من مناسبة، لإصدار بيانات رسمية، أفادت في بعضها بسبق اتخاذها قرارات سحب بعض هذه الأدوية، وأخرى أعلن أنه يتدارس سحبها من الصيدليات خلال فترة محددة بناء على نتائج اللجان الاستشارية المشكلة لتفحص الدواء ورصد مضاعفاته الجانبية قبل اتخاذ القرار المناسب بشأنها. وفي ظل هذا النقاش، الذي تناولته الصحافة المتتبعة للشأن الصحي، يجهل أغلب المواطنين، كيف يجري التوصل إلى أن هذا الدواء أو ذاك.

"المغربية" زارت المركز الوطني لمحاربة التسممات واليقظة الدوائية،
المخول له تلقي شكايات المتضررين ومباشرة التحريات العلمية حول الدواء المشتكى به.

تشكل بعض الأدوية خطرا على الصحة والبدن، في الوقت الذي تعول جميع أجهزة المراقبة بعد تسويقها على تصريحات المريض نفسه أو محيطه العائلي، باعتباره المصدر الأول للإبلاغ عن أي أثر جانبي للدواء، والمساهم المباشر في إثارة الانتباه إلى التركيبة الدوائية المضرة، قبل إعلانات الأطباء والصيادلة والشركات المصنعة للأدوية، الذين يأتون في مرتبة لاحقة، موازاة مع غياب قانون يلزمهم بالإبلاغ عن الأعراض الجانبية للأدوية، وأمام الحساسية التي يشكلها الموضوع بالنسبة إلى الشركات المنتجة للمواد والمعدات الطبية، لأنها تعتقد أنه يضر بمصالحها.

هذا الواقع، يوازيه عدم معرفة المواطن بالجهة المخول إليها رفع الشكوى بالضرر، علما أن المركز الوطني لمحاربة التسممات واليقظة الدوائية، المخول له تلقي هذه الشكايات ومباشرة التحريات العلمية حول الدواء المشتكى به، ما يزال غير معلوم به لدى العموم، إذ أن التعامل معه ما يزال في بداياته الأولى، رغم مرور21 سنة على تأسيسه.

شكايات متكررة

جميع الأدوية التي صدرت بشأنها نشرات إنذارية حول أضرارها الصحية في المغرب، سواء خلال سنة 2009 أو 2010، لم تأت، في مجموعها، بناء على تكرار الشكايات المرفوعة من قبل المرضى المغاربة، وإنما بناء على ما توصلت إليه أبحاث ودراسات منجزة في مراكز لليقظة الدوائية في دول أوروبية وأمريكية، حيث المواطن والطبيب يشكلان المصدر الأساسي لإثارة الانتباه إلى الأعراض الجانبية للأدوية، والمحرك الأساس لعجلة تحرك الجهات الوصية. ومنبع ذلك يأتي من وعي المواطن في هذه البلدان، ومعرفتهم بالتركيبة الطبية لكل دواء، مهما تغيرت أسماؤها التجارية.

وبناء على تلك التقارير، فإن الصيادلة والأطباء والبيولوجيين، التابعين لمركز اليقظة الدوائية في المغرب، يتابعون عن كثب ما يجري في عالم الأدوية، وتتوفر لديهم إمكانية الولوج إلى المعلومات المخزنة في مركز اليقظة الدوائية الدولي، بتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، ما يهديهم إلى اتخاذ القرارات المناسبة، التي تحتاج إلى شجاعة من مسؤولي مديرية الأدوية في المغرب، وعدم التردد في اتخاذها دون أي تأخر ودون مخاوف من التعرض لأي ضغوطات معنوية من الشركات المنتجة للأدوية.

وليكون المواطن في المستوى نفسه من الوعي، يجب على جميع مستعملي الأدوية، العلم أن سوق الأدوية في المغرب، كما هو الأمر في جميع دول العالم، غارقة بأدوية تحمل أسماء تجارية مختلفة ومتنوعة، رغم أنها مصنعة من تركيبة طبية واحدة، تفيد العلاج نفسه. وما اختلاف أسمائها، إلا أمر تجاري يأتي في سياق المنافسة بين الشركات المنتجة للأدوية.

وتبعا إلى ذلك، وجب على المواطنين الانتباه إلى التركيبة الطبية لكل دواء، وهي عبارة عن تسمية قد تبدو مركبة ومعقدة في النطق وغير مفهومة لغير العاملين في قطاع الصحة، والهدف من ذلك، أخذ الاحتياطات الضرورية عند الحديث عن تسبب دواء في مشكلة صحية معينة، أو عند صدور قرار بسحبه من الصيدليات في الخارج أو لدى ظهور نقاش حاد حول ضرورة التفكير في وقف وصفه للمرضى داخل المغرب.

اليقظة الدوائية بالمغرب

قد يعتقد البعض أن المركز الوطني لليقظة الدوائية، يتوصل إلى قراراته بناء على إخضاع الأقراص والمحاليل الطبية لاختبارات بواسطة المجهر أو بمعدات طبية خاصة، لإعلان هذا الدواء أو ذاك مضرا بالصحة.

لدى زيارة "المغربية" مقر مركز اليقظة الدوائية في مدينة الرباط، الذي تديره الدكتورة رجاء بنكيران، اتضح أن المركز، يتولى مهمة مراقبة تبعات استعمال الأدوية لدى المرضى، باعتبارها أدوية مرخصا لها بالتسويق والاستعمال في المغرب من طرف مديرية الأدوية لوزارة الصحة، بعد التحري حولها، وإخضاعها لسلسلة من البحوث، كما هو منصوص عليه في القانون.

ومن أبرز التسممات الدوائية، التي يقف عليها المركز، يكون التسمم الدوائي في المغرب، إما بسبب الوصف الخاطئ لمقادير الأدوية من قبل الأطباء، أو لسوء تعامل المريض مع الأدوية ومع وصفة الطبيب، أو عند الإفراط في أخذ المقادير. كما أن العديد من حالات التداوي الذاتي، أو تناول الأدوية المزورة، يتسبب في كثير من حالات التسممات الدوائية.

وبناء على ذلك، فإن عمل قسم اليقظة الدوائية، ينقسم إلى شطرين، الأول يتولى جمع المعلومات، انطلاقا من الشكايات الوافدة عليه حول المضاعفات غير المرغوب فيها الناتجة عن استعمال الأدوية، وتقويم نسبة فائدتها وخطورتها، وتقييم درجة ظهور الأعراض الجانبية وخطورتها أو تسببها في وفيات.

وفي إخبار منظمة الصحة العالمي، من خلال وضع المعلومات المحصل عليها في بنك المعلومات لدراستها، قبل بلوغ مرحلة إصدار نشرة إنذارية حولها أو اتخاذ قرار سحبها من سوق الأدوية.

ويتحرى بخصوصها طاقم مكون من أطباء وصيادلة ودكاترة علميين، تمهيدا لإنذار المصالح الصحية المختصة للتقليص من المضاعفات غير المرغوب فيها من دواء معين أو لقاح أو مستحضر، بهدف تحسين سلامة المريض في القطاع الصحي.

وهنا تكمن أهمية الإبلاغ عن المضاعفات الجانبية، من المواطنين والأطباء والصيادلة، والحرص على التواصل مع مركز اليقظة الدوائية، سواء بالهاتف على الرقم الاقتصادي 0801.000.180، الذي يتيح على مدار اليوم وطيلة أيام الأسبوع، الإجابة عن مختلف الأسئلة، علما أنه كلما تكرر الإبلاغ عن ضرر ناتج عن علاج طبي معين، يحرك البحث العلمي حوله، وبالتالي يساهم في خفض احتمالات الوفيات والتسممات الدوائية.

من هنا تبدأ مهمة المركز في شطرها الثاني، تنفذ داخل مختبر علم التسممات وعلم الأدوية، إذ يجري طاقم مكون من مهندسين ودكاترة علميين وصيادلة وتقنيين متخصصين تشخيصا ومعايرة للمواد السامة، في السوائل البيولوحية للإنسان الذي تعرض لضرر معين، بمناسبة أخذه دواء معينا، إذ يخضع دمه أو بوله أوالسوائل المستخرجة من غسيل معدته، للتحليل بطريقة استعجالية.

وفي عدا هذه الحالات، يجري التحري حول المقادير المستعملة من الدواء المشتكى به، لترشيد العلاج وتجنب إخفاقه وتجنب المضاعفات غير المرغوب فيها من الدواء. وبهذه المهمة، يعمل المركز على عملية تطوير الحماية من استعمال المنتوجات الطبية الموجودة في المغرب، عبر المراقبة المستمرة، من خلال تقييم نجاعة الدواء وانعكاساته السلبية.

وخلال الزيارة الميدانية لـ"المغربية" لأرجاء مختبر الأدوية والتسممات في المركز الوطني لمحاربة التسممات واليقظة الدوائية، تبين أنه يتوفر على كثير من المعدات الطبية الخاصة بالتحليل البيولوجي، حيث توجد طاولات الاختبار العلمية ومعدات أخذ العينات والمحاليل البيولوجية، ووسائل سحب العينات وأدوات القياس العلمي، وتجري مراقبة الانعكاسات عن استهلاك المنتوجات الطبية المسوقة في المغرب.

تنسيق مع منظمة الصحة

ما استشفته "المغربية" لدى حديثها مع رجاء بنكيران، مديرة قسم اليقظة الدوائية، اتضح أن القرارات النهائية بخصوص سحب دواء معين وإعلان ضرره على الصحة، ليس بالقرار الذي يتخذه المغرب بمعزل عما يجري في العالم، إذ يعمل المركز بتنسيق مع هياكل منظمة الصحة العالمية، الخاصة بمراقبة التسممات الناتجة عن الأدوية، ومع مركز اليقظة الدوائية العالمي.

وفي المغرب، تشكل لجان من المتخصصين لتدارس الأمر واتخاذ القرار المناسب، عند تعدد الشكايات من مضاعفات دواء معين، في المغرب وخارجه، ثم ترفع النشرة الإنذارية إلى وزارة الصحة لاتخاذ القرار المناسب.

ولهذا الغرض يعمل المركز بنظام معلوماتي خاص، بموجبه يجري تسجيل مجموع المعلومات الوافدة على المركز، حول أعراض جانبية لدواء أو لقاح أو تحليل معين، في بنك وطني للمعلومات، لا يمكن الولوج إليه إلا من قبل الشخص المكلف بهذه المهمة، لأن المعلومات المضمنة فيه ترسل إلى منظمة الصحة العالمية وتجمع في بنك المعلومات لمركز اليقظة الدوائية العالمي.

وتدخل المعلومات عبر الإجابة عن أسئلة متناهية الدقة والانضباط، لتسمح بربط وجود علاقة سببية ما بين الدواء والعرض الجانبي السيء، استنادا إلى مختلف الشكايات حول الأعراض الجانبية من قبل مهنيي الصحة، من أطباء وممرضين ومولدات وأطباء الأسنان، أو المواطنين.

وتابعت "المغربية" جانبا من إدخال المعلومات المذكورة، من قبيل تحديد الدولة، التي ترد منها المعلومة، مع الإجابة عن اسم التركيبة الدوائية، وسن المريض ومكان وجوده، وطريقة ومقدار الدواء المستعمل ومواقيت أخذه، إلى جانب ذكر أمراض أخرى يشكو منها المريض، وحول ما إذا كان يأخذ أدوية أخرى موازاة مع الدواء، الذي تسبب له في الأثر الجانبي، أو أعشاب طبية.

وفي كل مرة، يفتح النظام المعلوماتي نوافذ أخرى لمستعمله، لوضع درجة تقييم الخطورة، أو تقديم احتمالات العلاقة السببية ما بين استعمال الدواء والعرض الجانبي، كما تظهر نوافذ أخرى تحيل على كتابة خلاصات وتقييمات أولوية مرفوقة بملاحظات معينة، قد تساعد على الوصول إلى خلاصة يقينية لا شك فيها.

وتبعا لذلك، فإن هذه المعلومات تشكل بنك المعلومات العالمي حول الأدوية، يمكن لجميع الدول الشريكة في النظام الاطلاع على المعلومات المدخلة من باقي دول العالم، كما يمكن لهذه الأخيرة، الاطلاع على المعلومات المعلنة من قبل المغرب، وفق نظام محدد ومضبوط محدد من قبل منظمة الصحة العالمية والمركز العالمي لليقظة الدوائية.

ويسمح هذا النظام، بالاطلاع على مختلف المعلومات المجمعة حول النوع الواحد من الدواء، أو التركيبة الطبية المصنوع منها، ما يساهم في تشكيل فكرة واضحة حول هذا الدواء، وبالتالي إصدار نشرات إنذارية حوله إما بوضع شروط معينة عند وصفه أو اتخاذ قرار سحبه من سوق الدواء بشكل نهائي.

المركز الوطني للتسممات واليقظة الدوائية في سطور

يقع المركز لليقظة الدوائية في زنقة المفضل الشرقاوي، في مدينة الرباط، تجاوره مديرية الأدوية التابعة بوزارة الصحة. تأسس سنة 1989، موازاة مع تأسيس مركز محاربة التسمم، يجمعها مقر واحد، يقع في مكان هادئ، محاط بالأشجار وبالمساحات الخضراء.

يعد المركز 34 المقبول لدى المركز العالمي لمنظمة الصحة العالمية للوقاية الطبية.
يمنح الأطباء فيه استشارة متخصصة للعاملين في القطاع الصحي وللمواطنين، عبر التشخيص الكلينيكي والايتيولوجي لظهور عرض جانبي لدى مريض لاستعماله منتوج طبي أو عشبي معين.

يجيب دكاترة المركز عن أسئلة المتصلين، يستندون في ذلك إلى معارفهم العلمية بخصائص الأدوية، وبالعودة إلى مراجعة المجلدات والمعاجم الطبية، التي توفرها خزانة المركز، حسب ما عاينته "المغربية".

تحتوي هذه المعاجم الطبية على جميع المعلومات حول الأدوية المتداولة عبر العالم، من حيث خصائصها العلاجية ومقاديرها واحتياطات تناولها وحدود استعمالها، وأعراضها الجانبية. وهي كتب يجري تجديدها، حسب ما تعرفه المعلومات الطبية والصيدلانية من تحيين عبر العالم، حسب ما أكدته الدكتورة رجاء بنكيران لـ"المغربية".

وحسب ما توصلت إليه "المغربية" من معلومات، فإن أكثر المتعاملين مع المركز هم من العاملين في القطاع الصحي العام، وبشكل أكبر المستشفيات الجامعية، مقابل قلة مساهمة الأطباء العاملين في القطاع الخاص ومصنعي الأدوية في الإبلاغ عن الأعراض الجانبية للأدوية.

لائحة الأدوية الأكثر إثارة للجدل بالمغرب

من بين الأدوية التي قررت وزارة الصحة، سحبها شهر دجنبر من سنة 2009، دواء "ميدياتور" الذي تنتجه المؤسسة الصيدلانية (سيرفيير).

وكان المنتوج الصيدلي "بينفليوريكس"، يسوق تحت الاسم التجاري "ميدياتور"، موجها لعلاج مرضى السكري الذين يشكون فرطا في الوزن..

وجاء قرار سحب رخصة تسويقه بعد التشاور مع اللجنة الاستشارية الوطنية لليقظة الدوائية، التي أبلغت عن مخاطره بالإصابة بأمراض القلب من صنف أمراض صمامات القلب، تبعا إلى أن تسويقه في فرنسا، تسبب في وفاة حوالي 500 شخص من مرضى داء السكري.

وفي سنة 2010، أصدرت اللجنة الوطنية لليقظة الدوائية، قرار سحب لائحة من الأدوية المقاومة للأوجاع، تضم التركيبة الطبية "ديكستروبروبوكسيفين"، أو ما يعرف بـ DXP، بعد أن تبين أنها تتسبب في عدد من المضاعفات الصحية لدى الإفراط أو سوء استعمالها. وحدد تاريخ نهاية الشهر الجاري، آخر موعد لتسويق هذه الأدوية في المغرب.

وتضم اللائحة 8 أسماء من الأدوية، وهي: "بيالكون" و"كزالجيكس" و"ديكسترامول فارما" و"بيزودال"، و"دي- ألجيك" و"بروبان" و"باراديكس"، إضافة إلى "دي- أنطالفيك". وتحمل هذه الأدوية،bialgan، xalgix، diantalvic -dextramol pharma، bisedal، di-algik، propofan، paradex.

وتفيد المذكرة الصادرة عن اللجنة المذكورة، التي توصلت "المغربية" بنسخة منها، أنه ينصح المرضى، الذين يتابعون حاليا علاجاتهم بواسطة أحد هذه الأدوية، مراجعة أطبائهم لاستبدال هذه الأدوية بأخرى موازية.




تابعونا على فيسبوك