بمجرد ذكر منطقة عين السبع، بالدارالبيضاء، يتبادر إلى الذهن، وللوهلة الأولى، حديقة الحيوانات، إحدى أعرق الفضاءات الترفيهية في المغرب.
"المغربية" زارت الحديقة، وسط الأسبوع الماضي، خلال فترة الصباح، حيث صادفت أطرا وتقنيون، بينهم بيطرية، يشتغلون وسط مجموعة من الوحوش والطيور والزواحف.
الحديقة محاطة بسور قصير، وأشجارها الباسقة والوارفة الظلال توحي من بعيد بأنها فضاء أو منتزه طبيعي، يدعو كل من مر بجانبه أن يلقي عليه نظرة. الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، أبواب الحديقة مغلقة، إذ يخال للمار بجانبها أنها في عطلة، لكن واقع الحال غير ذلك، عمال وتقنيون ومهندس الحديقة، يبدأون عملهم، وسط حيوانات متوحشة، ألفوا التعامل معها، كما اعتادت هي، أيضا، على وجودهم.
جولة للمراقبة
مدير الحديقة، العمراني العلوي، كان في الموعد، خرج حارس ليترقب وصوله، دقائق قليلة، ظهر من بعيد يتأبط حقيبة، ألقى علينا التحية، وقبل الالتحاق بمكتبه، طلب منا مرافقته، في رحلته اليومية داخل الحديقة، لترقب حال العمال والحيوانات. مدخل الحديقة يدل على همة العمال، أرضية المدخل نظيفة، عمال مشمرون عن سواعدهم، يكنسون، وينظفون بالماء أقفاص الحيوانات، لا يعيرون اهتماما للخارج عن دائرة الأقفاص، إلا عندما يلقي الحاج العمراني تحية الصباح، وهو يسألهم عن أحوالهم وعن أحوال الحيوانات التي يتفقدها قبل أن ينتقل إلى مكتبه.
يقول العلوي، مهندس الدولة في البيئة وتدبير الموارد الطبيعية، ومتخصص في ميدان تنظيم وتدبير الحدائق بالمغرب، لـ"المغربية" إنه "يقوم يوميا بهذه العملية، قبل الالتحاق بمكتبه، من أجل التدخل السريع، واغتنام الوقت في حالة إصابة بعض الحيوانات بحوادث خطيرة". يمر المسؤول على جميع الأقفاص، ملقيا التحية على العمال، الذين يوجدون بداخلها، كل حسب مهامه، عمال نظافة، تقنيون متخصصون في تقديم الأكل، وآخرون متخصصون في الصيانة والتعامل مع الحيوانات، وأطر الحديقة، كل يعمل في انسجام وفي جو أخوي، تغيب فيه البيروقراطية، وسط الأقفاص. وقفت "المغربية" على عمال النظافة الذين انخرطوا في تنظيف الأقفاص وغسلها، وكذا كنس أرضية الحديقة. بينما المسؤول عن الحديقة، كلما مررنا بالقرب من قفص إلا وذكر بالحالة الصحية الجيدة للحيوانات، مستشهدا بأدق التفاصيل البيطرية، التي تخضع لها، وتبدو القردة وهي في حركة دؤوبة، أنها بخير، وهي تحرك أسقف الأقفاص بقوة كبيرة.
قبل اكتمال الجولة، تفقد العلوي مخزن التموين أعلاف الحيوانات، مذكرا، بأنهم يهيئون العلف الكافي للحيوانات مرتين في الأسبوع، من الاثنين إلى الخميس، ومن الجمعة إلى الاثنين، وأنهم حريصون على أن يكون لديهم احتياط كاف من الأعلاف، تحسبا لاحتمال تأخر الممون بهذه المواد التي تعتبر ضرورية. تم عرجنا على المدخل الرئيسي للحيوانات، الخاص بعمال الحديقة، مستشهدا بنظافته، وبأنه ممنوع عن الزوار.
قبل أن تكتمل الجولة، في طريقنا لمكتب العلوي، صادفنا شاحنة لنقل اللحوم، بالقرب من قفص أسد الأطلس، وبداخلها ستة قطع كبيرة، تولى أحد مزودي الحديقة تسليمها، وبمجرد مروره بالقرب من قفص الأسود، حتى بدت منها حركات غريبة، وكأنهم يشمون رائحته، قدم صاحب شاحنة اللحوم، ورقة تحمل كمية اللحم، وجودته، وصلاحيته، وختما من المصالح البيطرية، وختما أخر من مصلحة المجازر الجديدة، نسخة منها تودع لدى الإدارة، ألقى عليها الحاج العلوي نظرة، أمتار قليلة، تراءت لنا من بعيد شاحنة، خاصة بنقل النفايات التابعة لشركة النظافة، وللجماعة الحضرية لعين السبع، فتح الباب الكبير، تقدمت الشاحنة وتابعت السير، في اتجاه حاويات الأزبال.
مطاردة مثيرة
التحقنا بإدارة الحديقة المتواضعة، حيث كان لقاؤنا ببيطرية الحديقة لطيفة آيت بناصر، مستعدة لبداية يوم غير عاد حافل بالأعمال، لديها عملية حقن ستة من خيول صغيرة من أصل إنجليزي، والعملية ليست سهلة، تقول بيطرية الحديقة، نظرا "لعدم توفرنا على تقنيات تساعدنا على إتمام المهمة، كممرات خاصة بالحيوانات، يمر من وسطها الحيوان وتحكم حركته.
وتمكن البيطري من الاشتغال في أحسن الأحوال، والحيوان يكون في ضعيه مريحة وهادئة"، وقال مدير الحديقة، الذي شارك في عملية (المطاردة) التي تتبعناها، إن الإمساك بالحيوان ليست سهلة، وتحتاج لتقنية، لدى أشارك مع العمال، أوجههم، وأرشدهم للكيفية الصحيحة، كالإمساك بذيله في اتجاه معاكس، وبرأسه وفمه، لشل حركته، بعدها تأتي البيطرية، لحقنه. بالفعل ومن خلال وجودنا مع طاقم الحديقة الذين تتوزع الأدوار بينهم، ويشتغلون كخلية نحل، فالمسألة ليست بسيطة، نظرا للقوة التي يتمتع بها الحيوانات، ستة عمال تقنيين، والمهندس، ومدير الحديقة، شاركوا في عملية المطاردة والإمساك بالحيوانات الستة".
توضح الطبيبة البيطرية، التي كانت تركد بحقنتها، كلما أمسكوا بأحد الخيول الصغيرة، وسط الأتربة، وهي تتحرك في كل الاتجاهات، تقول البيطرية "نشتغل في ظروف صعبة، في ظل غياب وسائل وتقنيات خاصة بعملية معالجة الحيوانات، تساعدنا على حقن الحيوانات في ظروف مواتية"، موضحة، أن الحقنة، التي أعطتها للخيول، هو لقاح يعطى عبر جرعتين متقاربتين، الأولى في بداية الشهر، والثانية قبل نهايته، فضلا عن اللقاح السنوي، الذي يعطى مرة في السنة، إلى جانب اللقاح الذي يخصص للقردة، ضد مرض الجهل، والكلاب الخاصة بالحديقة، وأخرى خاصة بالطيور، مشددة على أنه، في السنة الماضية كثفنا جهودنا، حتى نبقى بمنأى عن أمراض "أنفلونزا الخنازير".
أما عن الحديقة، يقول العلوي، الذي لا يتكلم إلا مستدلا بوثائق وملفات، مدونا بها كل كبيرة وصغيرة، حديقة عين السبع قديمة جدا، أنشئت سنة 1928، عندما كانت عبارة عن ضيعة فلاحية خاصة، في ملك أحد المعمرين الفرنسيين، الذي كان يجلب الحيوانات من قارات مختلفة ويعيد بيعها.
وفي سنة 1973، أصبحت الحديقة في ملكية بلدية مدينة الدارالبيضاء، وتحت إشراف المجازر القديمة، وأصبحت في ما بعد خاضعة للمجموعة الحضرية ولمجلس المدينة، مضيفا أن مساحتها الحالية، حوالي هكتارين، بعدما تقطعت أواصرها لصالح حديقة الألعاب، التي توجد بالقرب منها. وبخصوص الحيوانات، يضيف العمراني، أنه من خلال الجرد السنوي، الخاص بشهر نوفمبر 2010، يوجد 255 وحدة من التدييات من أصل 21 فصيلة، و 373 طائرا من أصل 18 فصيلة، أما الزواحف، فيبلغ عددها 21 من نوع واحد، المجموع 654 موزعة على 40 نوعا، أما في ما يتعلق بعمال وأطر الحديقة، فيبلع عددهم 36، منهم أطر، وتقنيون، وعمال، ومربو الحيوانات، وموظفون إداريون، مؤكدا، أن الميزانية المخصصة للحديقة، عرفت هذه السنة تحسنا، بنسبة 80 في المائة، حيث رفعت الجماعة من ميزانية الأكل، كما خصصت ميزانية للأدوية.
وللمحافظة على هذا المتنفس الترفيهي، والتربوي، أكدت مصادر "المغربية"، أن مجلس المدينة، سيخصص هذه السنة ميزانية، لإعادة تأهيل حديقة عين السبع، لأن بنيتها التحتية فعلا هشة.
وعن ضيق مساحة الحديقة، يقول العلوي العمراني، إنها أنشئت بالصدفة، إذ كانت عبارة عن ضيعة فلاحية كبيرة، والفرنسيون بنوا بها حديقة، عبر جلب الحيوانات من مناطق بعيدة، في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما كانت توجد خارج المدينة، لكن اليوم كبرت المدينة، وأضحت وسط البنايات، ومساحتها الحالية، لا تستوعب عدد الزوار، الذين يتوافدون عليها، سيما أيام السبت والأحد، من الأحياء المجاورة، لأنها تعتبر المتنفس الوحيد لسكان سيدي مومن، والحي المحمدي، ومنطقة عين السبع، وحتى الأحياء البعيدة، مؤكدا أنه يمكن الاحتفاظ بها، كحديقة صغيرة خاصة بالطيور، أو بالنباتات، في حين يمكن أن تبنى حديقة خاصة بجميع الحيوانات خارج الدار البيضاء، مع الاحتفاظ باسم الحديقة الحالي، حتى لا نفرط فيه كتراث أو كاسم ذي دلالة كبيرة، أما عن المخاطر التي من المحتمل أن تشكله الحديقة وسط المدينة.
يؤكد الحاج، أنه من الممكن في المستقبل أن تشكل خطرا، إذا كانت الحراسة غير كافية، لذلك شيدنا سياجا من الحديد أمام مدخل الحديقة، إذ لم يكن موجودا في السابق، وعززنا أبواب أقفاص الحيوانات المفترسة بسياج من حديد كذلك، محاولة منا في تكثيف الحراسة، فمثل هذه الحوادث تقع أحيانا حتى في الدول المتقدمة، التي تتوفر على وسائل حراسة متطورة، لذا فمن المستحسن، أن تتخصص هذه الحديقة في المستقبل للحيوانات الصغيرة، وللطيور، على أمل إنشاء حديقة كبيرة بكل المواصفات خارج المدينة، متمنيا أن تعمم هذه المسألة على باقي المدن المغربية، من أجل تبادل الحيوانات والحفاظ على التنوع البيولوجي للحيوانات المهددة بالانقراض، وإنشاء توأمة بين الدول، لنستفيد من تجاربها.
ورغم ذلك، فالحديقة تتوفر على صيت كبير، وحصلت على جوائز من منظمات عالمية مثل النجمة الذهبية الكبرى، يقول الحاج العلوي، نظرا لضيق المساحة، ولعدم وجود حدائق متفرقة عبر تراب المملكة، نتبادل معها، الحيوانات، فمنذ إنشاء الحديقة سنة 1928، ساهمت في إنقاذ أسد الأطلس، بسهرها على ولادة توأمين من هذا النوع، الذي يعرف انقراضا، كما شهدت الحديقة طقوس ولادة الذب الأسمر الذي ينحدر من كندا، وراهن طاقم الحديقة على التميز، إذ استطاع بمجهودات ذاتية توفير الأمان لمجموعة من الطيور، وهكذا شهدت الحديقة ولادة النسر الأكلف، سنة 2002.
غياب الحيوانات الضخمة
"الحديقة مازالت محتفظة بمكانتها، وعشاقها كثر"، يقول بوشعيب (76 سنة)، الذي يقطن بمنطقة عين السبع إن "الحديقة ترجع نشأتها إلى عهد الاستعمار الفرنسي، وكان الفرنسيون يشرفون على تسييرها في الثلاثينيات، حيث كانت قبلة للزوار من مختلف الأعمار من مغاربة وأجانب، يؤمها الناس من مختلف أنحاء الوطن، نظرا لشهرتها وللموقع الطبيعي الخلاب، آنذاك، الذي كانت توجد به، بعيدا عن صخب المدينة، تحفها الأشجار والنباتات من جميع الجهات، الشيء الذي كان يزيدها جمالا ويشجع على التوجه إليها.
وزاد قوله " الحديقة تشكل بالفعل منتزها طبيعيا، ولو أنها لا تضم جميع أنواع الحيوانات، خاصة ذات الحجم الكبير، إذ تقلصت مساحتها وتقطعت أواصرها لصالح حديقة ألعاب الأطفال، خصوصا أنها الآن لا تتعدى بضعة هكتارات، وهي مساحة غير كافية لاستقطاب جميع أنواع الحيوانات، كما هو الشأن بالنسبة للحدائق العالمية، فضلا عما يسببه مرور القطار من خلف الحديقة من إزعاج نفسي للحيوانات، التي اعتادت على العيش وسط الغابات.
قبل أن نغادر الحديقة، صادفنا فوجا من الأطفال الصغار، في زيارة للحديقة، فالمدارس تقوم بهذه الزيارات من أجل التربية البيئية، وتمكين الأطفال الصغار من التعرف مباشرة على الحيوانات، والاستمتاع بمشاهدتها، وحمل ذكريات عن هذا الفضاء.