خص الدكتور حسن عاشي، الخبير الاقتصادي في مركز كارينغي للشرق الأوسط، "المغربية"، بمقال تحليلي يستعرض تجربة المغرب في مواجهة الفقر.
وقال الخبير المغربي إن تجربة البلاد في مكافحة آفة العوز، تفيد البلدان العربية، التي تعاني الظاهرة، إذ أن البلاد استطاعت أن تقلص نسبة الفقر من 16.2 في المائة سنة 2000، إلى 9 في المائة حاليا. واستعرض عاشي، الذي يشتغل، في الوقت نفسه، بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، العوامل الستة، التي مكنت من خفض مؤشر الفقر بسبع نقاط، خلال السنوات العشر الأخيرة، وحددها في تباطؤ النمو الديموغرافي، والاستثمار المكثف والموجه نحو البنية التحتية، (الطرق والموانئ والمطارات)، والنظام الضريبي، الذي وصفه بأنه فعال، والاستخدام الاستراتيجي لعائدات الخوصصة، سيما المستخلصة من قطاعات الاتصالات، والتبغ، والنقل، وتوزيع الماء والكهرباء، والسوق المالية، إلخ، والمساهمة القوية لقطاع القروض الصغيرة (استهداف 5 ملايين شخص في أفق 2015)، والتحويلات المالية، التي يساهم بها أفراد الجالية المغربية القاطنين في الخارج (أكثر من 50 مليار درهم سنة 2007)، إضافة إلى المشاركة الديناميكية لتنظيمات المجتمع المدني، دون إغفال المشاريع المهمة، التي تحققت بفضل مبادرة التنمية البشرية.
وشدد الخبير الاقتصادي، في المقابل، على أن التجربية المغربية لمحاربة الفقر ليست نموذجية، إلا أن التركيز على أربع ركائز تكفل تحقيق النتائج المنشودة، وهذه الركائز هي: دعم القدرات البشرية، سيما محو الأمية، والحد من الفوارق الاجتماعية، وتحسين بيئة الأعمال، وأخيرا، مشاركة فعالة للمجتمع المدني.
زيادة بواقع واحد في المائة في نسبة محو الأمية، لدى البالغين في المغرب، تؤدّي إلى زيادة بنسبة 9 في المائة في نصيب الفرد من الاستهلاك. ويمثّل ارتفاع معدلات الأمية خسارة فادحة للقدرات البشرية، ويقوّض فرص المغرب في التغلّب على معوقات التنمية. ويحصل أقل من 10 في المائة من البالغين الأميين، اليوم، على دورات محو الأمية. وتحتاج الحكومة إلى تخصيص المزيد من الموارد البشرية والمالية لتنفيذ استراتيجية محو أمية الكبار، وزيادة كفاءتها وتوسيع نطاق تغطيتها. وتمثّل الشراكة مع نسيج المنظمات غير الحكومية أحد الأصول القيمة، التي يحتاج واضعو السياسات إلى استخدامها على أفضل وجه.
ويحتاج واضعو السياسات إلى إزالة العقبات، التي تحول دون المشاركة في برامج محو الأمية، وتكييف مضمونها وجداولها الزمنية لتتناسب مع احتياجات ورغبات المستفيدين. كما ينبغي عليهم، أيضاً، جعل سياسة محو الأمية لامركزية وفتحها أمام المقاربات والممارسات المُبتَكَرة، والمرنة. يمكن تقديم محو الأمية، على سبيل المثال، بوصفه عنصراً من مجموعة من الخدمات، مثل الحصول على الائتمان لبدء أو توسيع الأعمال التجارية، أو كجزء من التدريب والمشورة الفنية لأصحاب المشاريع الصغيرة. وينبغي منح حوافز مناسبة لأرباب العمل الخاص، الذين يتردّدون اليوم في تثقيف موظفيهم الأميين.
كان أداء المغرب جيداً في الحدّ من الفقر، خلال العقد الماضي. ومع ذلك ما تزال عدم المساواة مرتفعة بشكل بارز ومتواصل. ويحتاج واضعو السياسات إلى تعزيز سياسات إعادة التوزيع لخفض التفاوت بين الأفراد والأقاليم. وينبغي عليهم تطبيق نظام ضريبي أكثر تصاعدية وفرض ضرائب أعلى على الثروات الكبيرة. كما يحتاج واضعو السياسات إلى إلغاء الإعفاء الضريبي الكامل للقطاع الزراعي، الذي يمنح، بغض النظر عن حجم الأعمال والدخل الذي تحققه. وهذا الاستثناء، المعمول به، منذ منتصف الثمانينات، غير عادل من الناحية الاجتماعية، وغير فعّال من الناحية الاقتصادية.
والإعانات الحكومية الممنوحة إلى قطاع الزراعة تتعلق، اليوم، بالاستثمارات، التي لا يستطيع تحملها سوى كبار المزارعين. وتفيد هذه الإعانات صغار المزارعين الأكثر انكشافاً أمام الأحوال الجوية، والأكثر حاجة إلى دعم الحكومة.
وأخيراً، فإن الإنفاق العام على التعليم، والرعاية الصحية، والبنية الأساسية، ودعم الاستهلاك، يفيد المناطق الحضرية، والأشخاص الأفضل حالاً، أكثر بكثير مما يفيد الفقراء. ويجب على صانعي السياسة إصلاح السياسات القائمة وتوجيه المزيد من الموارد إلى المناطق الريفية والأسر الفقيرة.
يلعب القطاع غير الرسمي (غير المهيكل) دوراً رئيساً في خلق فرص العمل، وتوليد الدخل، والتخفيف من حدّة الفقر، ويساهم في الاستقرار الاجتماعي. لكن من جهة أخرى، يُتّهَم هذا القطاع بالتهرّب من الضرائب، وانتهاك القوانين، وممارسة منافسة غير المشروعة على الرسمي.
ويتغذّى تضخم الاقتصاد غير الرسمي في المغرب من بنية مؤسسية، تعرقل مسعى أصحاب المشاريع صغيرة الحجم، لإضفاء الطابع الرسمي على أعمالهم التجارية. إنهم ينتجون السلع والخدمات المشروعة، لكنهم يفتقرون إلى الموارد والمعرفة، التي تسهّل الامتثال إلى الأنظمة. وينبغي على واضعي السياسات توفير الحوافز المناسبة لأصحاب المشاريع غير الرسمية للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، ما يحتاج إلى إعادة النظر في القوانين، بهدف تبسيط إجراءات التسجيل وخفض التكاليف الاجتماعية والضريبية.
إن الأنظمة المعقّدة ليست سوى جزء من المشكلة. فالدولة تخسر عائدات الضرائب عندما لا يجري تسجيل المنشآت التجارية الصغيرة. لكن الانتماء إلى الاقتصاد غير الرسمي له تكلفته على شكل رشاوى، وإتاوات، تُدفَع إلى المسؤولين الفاسدين ووكلائهم، لقاء بعض الخدمات، أو للحصول على الحماية من طرف السلطات.
تشكّل اللامركزية عنصراً أساسياً في الحوكمة الرشيدة، إذ توفّر بيئة مواتية يجري فيها جعل عملية اتّخاذ القرارات، وتقديم الخدمات، في متناول الناس. واضعو السياسات في المغرب في حاجة إلى وضع قواعد وآليات لزيادة شفافية المجالس المحلية، ومساءلتها أمام الناخبين، وضمان عدم استحواذ النخبة المحلية على مكاسب اللامركزية.
المجالس المحلية المُنتخبة في حاجة إلى موظفين من ذوي المهارات العالية، والمتحمّسين، لتقديم الخدمات بكفاءة وفعالية، إذ أن موظفي الدعم غير الأكفاء، الذين يتقاضون أجوراً زهيدة، يقوّضون سمعة المجالس المحلية، ويقدّمون صورةً سلبيةً عما يمكن أن تقدّمه اللامركزية للناس. وينبغي على المجالس المحلية الاستثمار في بناء قدرات موظفيها وضمان حصولهم على القدرات التقنية والإدارية.
وتستطيع المنظمات غير الحكومية زيادة المشاركة وتعزيز الشفافية والمساءلة، لكن خضوعها إلى السلطات المحلية، من أجل وجودها وعملياتها، يحدّ بشكل كبير من هوامشها. فالتعديلات، التي أُدخِلَت على الإطار القانوني للمنظمات غير الحكومية، وعلى الرغم من أنها إيجابية، لها تأثير محدود.
سجّل المغرب انخفاضاً ملفتاً في معدّل الفقر خلال العقد الماضي. وعلى الرغم من أنه ما يزال بعيداً عن تقديم نموذج مثالي، إلا أن تجربته قد تفيد البلدان العربية الأخرى، إذ أن أقل من 9 في المائة من المغاربة يصنّفون اليوم على أنهم "فقراء"، مقارنةً بنسبة كانت تناهز 16.2 في المائة، قبل عقد من الزمن.
هذا الإنجاز المهم، في بلد يقطنه 32 مليون نسمة ويفتقر إلى أي موارد طبيعية كبيرة، كان ممكناً بفضل ستة عوامل رئيسة استطاع المغرب أن يجمعها خلال العقد الأخير، وهي: التباطؤ في النمو الديموغرافي، والاستثمار المكلّف والموجه نحو البنية التحتية، والنظام الضريبي الفعّال والاستخدام الاستراتيجي لعائدات الخصخصة، والمساهمة القوية لقطاع القروض الصغيرة، والتحويلات المالية السخية للمهاجرين، والمشاركة الديناميكية لمنظمات المجتمع المدني، بين العامين 1980 و2010، انخفض معدل الخصوبة في المغرب من 6 إلى 4،2 أطفال لكل امرأة بالغة، وهو أعلى بكثير من الانخفاض، الذي سُجِّل في مصر وسورية على سبيل المثال. وقد أدى هذا الانخفاض في الخصوبة إلى تخفيف الضغط على الإنفاق العام الجاري، إذ سمح بتخصيص المزيد من الأموال لمشروعات البنية الأساسية العامة، كما أدّى إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 3.6 في المائة، على مدى العقد الماضي، مقارنة مع 2.8 و1.6 في المائة في مصر وسورية.
استثمرت الدولة في برامج البنية التحتية الأساسية للمناطق الريفية، وأدى توسيع نطاق شبكات مياه الشرب إلى تحسين الأوضاع، حتى في المجتمعات المحلية الفقيرة. كذلك، أتاح تمديد الكهرباء إلى الأرياف الوصول إلى المعلومات، ووفّر فرصًا أكبر للأفراد والشركات الصغيرة. فضلاً عن ذلك، خلقت الطرق الريفية فرصاً لسائقي سيارات الأجرة وناقلي البضائع، وجعلت الأسواق لبيع المنتجات الزراعية في متناول الفلاحين، وأتاحت إمكانية التنقّل إلى مناطق عدة والاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية.
دور الخوصصة والقروض الصغرى والتحويلات
لم تكن الاستثمارات العامة في البنية التحتية مُمكِنة دون موارد مالية مستقرة. وبدأ المغرب في إصلاح نظامه الضريبي في الثمانينات، عن طريق ترشيد الإعفاءات وتعزيز الإدارة الضريبية، علماً أن الإيرادات الضريبية تُشكّل الآن نسبة 24 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع 15 و11 في المائة في مصر وسورية.
إضافة إلى ذلك، أنشأت السلطات المغربية صندوقاً خاصاً جرى توجيه نصف العائدات المحصّلة من الخصخصة إليه، بصورة تلقائية. بحلول 2009، تراكمت في الصندوق أكثر من 4 ملايير دولار أميركي، وساهم في تمويل أكثر من 27 مليار دولار من الاستثمارات العامة، باستخدام مصادر أخرى.
وشكّلت القروض الصغيرة الممنوحة من مؤسسات القروض الصغرى أداة أخرى ساهمت في خفض معدل الفقر. وهذا ما وضع المغرب اليوم في موقع الريادة في العالم العربي في مجال القروض الصغيرة، بمجموع يصل إلى 59 في المائة من مجموع القروض الإقليمية الممنوحة. وتساعد القروض الصغيرة في الخروج من دائرة الفقر، من خلال إطلاق مشروع اقتصادي صغير، أو تعزيز مشروع قائم. وكما كتب آدم سميث، مؤلّف "ثروة الأمم"، فإن "المال يصنع المال، وعندما يكون لديك القليل غالباً ما يكون من السهل الحصول على المزيد. والصعوبة الكبرى هي في الحصول على ذلك القليل".
يُذكَر أن عدد المستفيدين من القروض الصغيرة ارتفع إلى 1.3 مليون شخص. خلافاً للقروض المصرفية، التي تقتصر على المناطق الحضرية، فإن القروض الصغيرة تفيد الناس في القرى الصغيرة المنعزلة.
ويلعب المغاربة العاملون في الخارج، أيضا، دورا بارزا في خفض معدلات الفقر عن طريق تحويل الأموال إلى ذويهم وأقاربهم. في المتوسط، يُحوّل كل مهاجر مغربي شهرياً ما يعادل 100 دولار لعائلته. وتُمثّل الهجرة المتزايدة لأحد أفراد الأسرة إلى الخارج استراتيجية رئيسة لانتشال الأسرة من براثن الفقر. وتمثل التحويلات نسبة 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في المغرب، و5 في المائة في مصر، وأقل من 3 في المائة في سورية.
أخيراً، أسهمت المشاركة النشطة لمنظمات المجتمع المدني المحلية في انخفاض معدّل الفقر في البلاد. فقد سمحت الدولة، في البداية، بعمل المنظمات غير الحكومية، لأن هذه الأخيرة ركّزت على تقديم الخدمات ولم تدخل في أي سياسة مواجهة. وساهمت الشراكة، التي عقدتها المنظمات غير الحكومية مع الدولة والمجالس المحلية، بهدف توفير الكهرباء والمياه وتحسين معدّلات معرفة القراءة والكتابة، في تعزيز موقفها. ثم سمح تعديل الإطار القانوني للجمعيات، في عام 2002، للمنظمات غير الحكومية في المغرب، بالاستفادة المباشرة من المساعدات الأجنبية.
خيارات السياسة العامة
لقد جرى انتشال ما يقارب 1.7 مليون مغربي من براثن الفقر خلال العقد الماضي. وساهمت كل من الجهات الحكومية وغير الحكومية على حدّ سواء في تحقيق هذا الإنجاز. لكن تجربة المغرب ليست نموذجاً كاملاً، ولها محدوديتها الخاصة. والتحدّي اليوم بالنسبة إلى المغرب هو عدم ترك هؤلاء ينزلقون إلى الوراء والحفاظ على هذا الاتجاه. ورغم وجود بُعد التنمية البشرية في الخطاب، إلا أن هذا يجب أن يترجم في أرض الواقع بشكل فعّال بوصفه أولوية.
ينبغي على واضعي السياسات بناء إستراتيجيتهم على أربع ركائز رئيسة: أولاً، يجب أن يصبح القضاء على الأمية أولوية وطنية. ويتطلب تحقيق هذا الهدف من واضعي السياسات تخصيص المزيد من الموارد البشرية والمالية لبرامج محو أمية البالغين.
كما أنه ينطوي على منح حوافز للأسر الفقيرة لتعليم أطفالها. وثانياً، ينبغي على واضعي السياسات تعزيز سياسات إعادة التوزيع للحدّ من عدم المساواة والإقصاء. وهم يحتاجون إلى تطبيق سياسة ضريبية أكثر تصاعدية، وتحسين استهداف الإنفاق العام لصالح الفقراء. وثالثاً، صنّاع القرار في حاجة إلى توفير الحوافز لأصحاب المشاريع غير الرسمية للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، والامتثال إلى التزاماته الضريبية والاجتماعية. وهذا يتطلب تبسيط إجراءات إنشاء الشركات الرسمية، وتسهيل الحصول على القروض، وبرامج التدريب، وتوفير المعلومات عن الفرص المتاحة في السوق.
ورابعاً، ينبغي على صناع القرار تعزيز اللامركزية السياسية والمالية، وزيادة مشاركة الجهات غيرالحكومية (المجالس المحلية المنتخبة ومنظمات المجتمع المدني)، في صياغة وتنفيذ سياسات التنمية المحلية.
ينص الدستور في المغرب على أن التعليم الأساسي مجاني وإلزامي لجميع الأطفال حتى الصف السادس. لكن عملياً، العديد من الأطفال لا يذهبون إلى المدارس أو ينقطعون عن الدراسة في مراحل مبكّرة. فالفقر وبُعد المسافة يحدّان من الفرص التعليمية، إضافة إلى الطلب على اليد العاملة للأطفال، وانخفاض مستويات تعليم الوالدين، وعدم وجود أي دعم عام. واضعو السياسة في حاجة إلى تحسين خدمات التعليم، من خلال بناء المدارس في القرى البعيدة المعزولة، ومكافأة المعلمين، الذين يُقبِلون على العمل بها. كما أنهم في حاجةٍ إلى تقديم حوافز إلى الأسر الفقيرة، التي تُبقي على أبنائها في نظام التعليم المدرسي، باعتماد نظام "التحويلات النقدية المشروطة (CCT)، التي تصرف مساعدات نقدية للأسر الفقيرة، بشرط تعليم أبنائها. وتمثّل التحويلات النقدية المشروطة مزيجاً متوازناً من المساعدة الاجتماعية وتكوين رأس المال البشري. وفي غيابها، سيبقى الأطفال في الأسر الفقيرة خارج المدرسة أو يتركونها قبل الأوان، وهو أمر غير مرغوب فيه فردياً واجتماعياً.
الحسن عاشي (*)
(*) خبير اقتصادي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.