بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس، برقية تعزية إلى أفراد أسرة الراحل المحجوب بن الصديق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الذي وافاه الأجل المحتوم، مساء يوم الجمعة الماضي، بأحد مستشفيات باريس، عن سن يناهز 88 سنة، بعد حياة حافلة بالعمل القيادي النقابي ل
شيعت أمس الأحد، بعد صلاة الظهر، في مسجد الشهداء، بمدينة الدارالبيضاء، جنازة شيخ الزعماء النقابيين المغاربة، الأمين العام للمركزية النقابية، الاتحاد المغربي للشغل، المحجوب بن الصديق، بمقبرة الشهداء.
بحضور عدد كبير من الشخصيات المغربية، النقابية والسياسية والثقافية والفكرية، كما حضرت الجنازة مجموعة من الشخصيات الأجنبية، وعدد من أصدقاء الراحل، وأفراد أسرته وعائلته.
وكان من بين الحاضرين، الوزير الأول، عباس الفاسي، وعدد من أعضاء الحكومة، ورئيس مجلس المستشارين، محمد الشيخ بيد الله، ونبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وصلاح الوديع، عضو المكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، وحبيب المالكي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، إضافة إلى الوزير الأول السابق، إدريس جطو، وعبد الواحد سهيل، عضو المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية، وعدد من المنتخبين وفعاليات نقابية من المغرب وتونس، وتلقى أبناء الراحل، عادل وليلى وغيثة، التعازي من أصدقائه.
وأجمع عدد من النقابيين ورجالات السياسة بالمغرب على أن المحجوب بن الصديق، الذي توفي مساء الجمعة الماضي، بأحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس، عن سن تناهز 88 عاما بعد معاناة مريرة مع المرض، على المكانة البارزة للراحل في العمل الوطني، قبل الاستقلال، وعلى دوره الكبير في تأسيس العمل النقابي بالمغرب، وفي تطور الحركة النقابية بالبلاد بعد الاستقلال.
وأشاد عدد من الحاضرين بالمناقب، التي كان يتحلى بها الراحل، ليس فقط على مستوى النضال النقابي، لكن، أيضا، في دفاعه المستميت عن كافة القضايا الوطنية، خاصة قضية الوحدة الترابية للمملكة، إذ لعب دورا إيجابيا في إقناع العديد من الهيئات الدولية، خاصة العمالية، بعدالتها.
وأبرزوا أن المحجوب بن الصديق كان من رجالات المغرب الأفذاذ، ومن أبرز وجوه المقاومة ضد الاستعمار، موضحين أن الراحل عرف بحنكته وتجربته الكبيرة وبعلاقاته المتنوعة على الصعيد الدولي.
وتأسف عبد المجيد الراضي، عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي لوفاة المحجوب بن الصديق، وتوجه بأحر التعازي لأفراد أسرته، وكافة النقابيين المناضلين، واعتبر وفاته خسارة للحركة النقابية بصفة عامة، أما حبيب المالكي، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعببية، فأكد أن المحجوب بن الصديق من أبرز وجوه الحركة النقابية والاجتماعية بالبلاد، ولعب دورا رائدا في ترسيخ التنظيم النقابي كإحدى ركائز بناء مغرب الغد. وقال "كان يعتبر أن كل ما هو اجتماعي يجب أن تعطى له الأسبقية، لأن ليس هناك تنمية اقتصادية دون التركيز على البعد الاجتماعي، وكان الراحل رجل حوار، صارما في مواقفه المبدئية، وبلا شك أسس لمدرسة نقابية، وسيبقى رمزا من رموز التغيير ببلادنا، والحركة النقابية في حاجة إلى استخلاص الدروس، وأحسن ما يمكن أن نقوم به، وفاء لكفاحه ونضاله، هو أن نعمل جميعا من أجل توحيد الحركة النقابية ببلادنا".
وصرحت خديجة الرويسي، رئيسة بيت الحكمة قائلة "بألم تلقيت الخبر، تربطني به علاقة خاصة، عرفته في نضالات عائلات السياسيين المختفين ومجهولي المصير، وفي تلك الفترة كنا نجد منه كل الدعم، كان على رأس نقابة وحيدة في الوطن العربي وفي إفريقيا، نشأت من رحم الحركة الوطنية، ناضل إلى جانب العمال وقاد النقابة بكل صعوباتها، وهو وطني كبير، وأوضح شفيق السحيمي، مخرج سينمائي، أن بن الصديق أسس للعمل النقابي في وقت لم يكن فيه المغاربة الحق في "التنقيب"، إذ كانت النقابة خاصة بالفرنسيين، وساهم رحمه الهح في الدفاع عن مصالح المغاربة عن طريق العمل النقابي.
بدأ الراحل، الذي يعد من أبرز النقابيين المغاربة والعرب نشاطه مبكرا ضمن النقابة العمالية، فرع سككيي مدينة مكناس التابعين للكونفدرالية العامة للشغالين.
وانتسب إلى حزب الاستقلال، إلا أنه سرعان ما انسحب منه، سنة 1959، لتعلقه بالعمل النقابي.
وتميز بديناميته وطموحه وتعلقه بالنشاط النقابي، إذ اتخذ من مدينة الدارالبيضاء مستقرا له منذ 1950.
واعتقل المحجوب بن الصديق خلال فترة الحماية، وكان أحد قادة الحركة العمالية، قبل أن ينتخب أمينا عاما للاتحاد المغربي للشغل، عند إنشائه في 20 مارس 1955 .
وظل الراحل معارضا لانضواء الاتحاد المغربي للشغل تحت مظلة أي حزب، مدافعا عن استقلالية النقابة، بشعار "سياسة الخبز".
وفي تاسع يونيو 1993، انتخب الراحل في جنيف، بشكل رسمي، مندوبا دوليا بالمجلس الإداري للمكتب الدولي للشغل، الذي سبق له أن انتخب فيه عضوا رسميا، سنتي 1960 و1970 .
وتمكن المحجوب بن الصديق، بفضل قوة شخصيته ونضاله النقابي، لفترة تزيد عن أربعين سنة، من البقاء على رأس الاتحاد المغربي للشغل، إلى حين وفاته.
وأعرب جلالة الملك، بهذه المناسبة الأليمة، لأفراد أسرة الفقيد، ومن خلالهم إلى كافة عائلته الصغيرة وذويه، وسائر أسرته النقابية الكبيرة، عن أحر التعازي وصادق المواساة، سائلا جلالته الله العلي القدير أن يتغمده بواسع مغفرته ورضوانه، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يعوضهم عن فقدانه المؤلم جميل الصبر وحسن العزاء.
وقال جلالة الملك "وإننا لنستحضر، بكل تقدير، المسيرة النضالية الطويلة للراحل العزيز، كأحد رواد الحركة الوطنية والنقابية، سواء من أجل استرجاع المغرب لحريته وسيادته، أو كأحد الفاعلين النقابيين القياديين في عهد الاستقلال، المشهود لهم بالغيرة الوطنية على مقدسات الأمة وثوابتها، والدفاع عن القضايا الاجتماعية، طوال أزيد من نصف قرن من الزمن".
وبعدما عبر جلالة الملك عن مشاطرته لأفراد أسرة الراحل مشاعرها الحزينة في هذا المصاب الأليم، الذي لا راد لقضاء الله فيه، جدد جلالته الدعاء للفقيد الكبير بأن يجزل الله ثوابه، ويحسن قبوله، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، مؤكدا جلالته لهم موصول رعايته وسابغ تعاطفه وسامي رضاه.
محمد الخدادي
كان المحجوب بن الصديق وراء التأسيس للعمل النقابي في المغرب، وساهم في مغربة الحركة النقابية، بفصلها عن فرنسا، خلال فترة الحماية، كبداية لتأسيس مركزية الاتحاد المغربي للشغل، التي ظل على رأسها من البداية، إلى نهاية حياته.
ولد المحجوب بن الصديق يوم 20 فبراير 1922 بمكناس، واشتغل عاملا بالسكك الحديدية، ثم رئيس محطة قطار. جاء إلى العمل النقابي من حزب الاستقلال، وكان الناطق الرسمي باسم الوطنيين في الاتحاد العام للنقابات المتحدة في المغرب، في إطار المركزية الفرنسية، الكونفدرالية العامة للشغل، المقربة آنذاك من الحزب الشيوعي الفرنسي، وامتداده النقابي في المغرب، وعضوا باللجنة التنفيذية وبأمانة الاتحاد منذ 1950. انتخب أمينا عاما لفدرالية عمال سكك الحديد في يونيو 1951، بعد أن كان عضوا في المكتب. اعتقل سنوات 1951، و1952، و1954. وفي السجن، وفي صلة بالكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة، جرى تحضير مشروع اتحاد نقابي وطني، هو الذي أصبح الاتحاد المغربي للشغل، يوم 20 مارس 1955، الذي أصبح أمينا عاما له، وزعيم العمل النقابي الوطني المغربي.
نشأ في أسرة حضرية متوسطة، إذ كان والده حرفيا، ما مكنه من التسجيل بمدرسة أبناء الأعيان، ثم بثانوية مكناس، واستكمل هذا الزاد المدرسي بتكوين ذاتي، لا سيما بقراءة الصحف العربية والفرنسية. و في سبتمبر 1938 اجتاز بنجاح مباراة ولوج السكك الحديدية وأصبح عامل سكك، وعين رئيس محطة قطار، قرب سيدي قاسم، التي كانت مركزا صغيرا لاستغلال البترول، وأصبح لاحقا رئيس محطة في قرية بناحية مكناس.
أشرف على تنشيط خلايا لحزب الاستقلال بين عمال سكك الحديد، ولفت نشاطه انتباه قيادة الحزب، خصوصا اليساريين الذين كانوا يرون الارتكاز على العمل النقابي، أي عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة.
نشر مقالاته الأولى الموقعة باسم "عامل سكك الحديد الصغير" في الجريدة الأسبوعية الوطنية "المغاربي الفتي"، وأدان روابط الحماية بين إدارة سكك الحديد والكونفدرالية العامة للشغل، وأثار الانتباه إلى تباين الأجور وتفاوت الوضع القانوني بين المغاربة والفرنسيين.
كان فاتح ماي 1949 فرصة الاتحاد العام لنقابات المغرب لإبراز حجم المغاربة في النقابة، ودفع المؤتمر المنعقد بمكناس نقابيين مغاربة إلى وظائف قيادية، مع مرافقتهم بمسؤولين شيوعيين "أوروبيين"، وعلى هذا النحو دخل المحجوب بن الصديق إلى مكتب فدرالية عمال سكك الحديد. وانتخب في مكتب الاتحاد العام لنقابات المغرب، لما قرر المؤتمر، في نوفمبر 1950، وضع أنظمة اتحاد نقابي مغربي، وتوزيع مناصب المسؤولية النقابية مناصفة بين الوطنيين والشيوعيين. وأصبح الطيب بن بوعزة أمينا عاما بالنيابة للاتحاد، إلى جانب الشيوعي أندريه لورا. و في هذا المؤتمر تمكن الاستقلاليون من تمرير تعديل في البرنامج النقابي يطالب بإنهاء الحماية.
بعد أن أصبح المحجوب بن الصديق زعيم العمل النقابي الاستقلالي، حظي ببعد وطني في حملة التجمعات الجماهيرية صيف 1951 المطالبة بإنهاء الحماية، فاعتقل المحجوب بن الصديق يوم 5 نوفمبر 1951، وحكم عليه بسنتين سجنا، وأطلق سراحه أسابيع قليلة قبل اغتيال فرحات حشاد في تونس، واعتقل مجددا يوم 8 ديسمبر بعد إضراب دعا إليه الجناح الاستقلالي في الاتحاد العام لنقابات المغرب، والمظاهرات المقموعة بشكل مرعب بالدار البيضاء، مع 13 قياديا نقابيا مغربيا آخرين، في فترة خلع السلطان محمد الخامس (20 غشت 1953).
يوم 20 مارس 1955، انعقد، في منزل الطيب بن بوعزة، بدرب بوشنتوف بالدارالبيضاء، اجتماع ضم زهاء 40 نقابيا مغربيا يمثلون قرابة 20 اتحادا محليا، من الدارالبيضاء بشكل خاص، ومن الرباط، وسلا، وأسفي، والقنيطرة، ومكناس، أعلن فيه تأسيس الاتحاد المغربي للشغل. ووضع هذا الجمع تشكيلة أول لجنة تنفيذية، واختار الطيب بن بوعزة أمينا عاما. لكن البلاغ "النهائي"، الذي كان بن الصديق بعثه إلى الصحافة، ونشر يوم 21 مارس، أعلن المحجوب بن الصديق أمينا عاما والطيب بن بوعزة نائبا له، الأمر الذي قبله الأخير، بعد رفع شكوى إلى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، ثم لمجلس المقاومة، تحت مسؤولية محمد البصري، الذي حسم الأمر. وكان بن الصديق شديد الارتباط باليسار الاستقلالي في تلك الفترة، المهدي بن بركة، وعبد الله إبراهيم، في حين، كان تكوين الطيب بن بوعزة جرى بأكمله في الكونفدرالية العامة للشغل.
بعد الاعتراف للمغاربة بالحق النقابي والتحاق الشيوعيين بالاتحاد المغربي للشغل، كان أكبر مؤتمر للاتحاد المغربي للشغل يومي 24 و25 ديسمبر 1955، وكان يضم 180 ألف عضو، ووزع أكثر من 560 ألف بطاقة سنة 1956، وأخذ مكانه في الهيئات الاجتماعية وبورصات العمل، ثم في التعاونيات والتعاضديات، منها تعاضدية التعليم، محتكرا تمثيل عالم الشغل. وعمم ظهير 17 يونيو 1957 الحق النقابي على جميع المهن ما عدا أفراد الأمن والجيش، ونص على شرط الجنسية المغربية في مناصب القيادة. وأصبح المحجوب بن الصديق "الزعيم" الأعلى للاتحاد العمالي وللكيان العمالي.
ونهجت حكومة عبد الله إبراهيم (ديسمبر 1958- ماي 1960) سياسة اجتماعية، كان الاتحاد المغربي للشغل شريكها المؤسسي، كما شهدت الفترة لحظة انشقاق حزب الاستقلال، ببروز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي دافع الاتحاد المغربي للشغل داخله عن خط مستقل معتدل ومهدئ للإضرابات خلف عبد الله إبراهيم.
ورد حزب الاستقلال على الانشقاق بتأسيس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في مارس 1960، ثم أدت تطورات سياسية لاحقة إلى خلق اتحاد نقابي جديد في نوفمبر 1978 قريب من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.
خديجة بن اشو
أجمعت فعاليات نقابية وسياسية على أن وفاة المحجوب بن الصديق خسارة للحقل النقابي بالمغرب، إذ اعتبروته من رواد الحركة النضالية على المستوى الوطني، ساهم في الدفاع منذ الثلاثينات من عمره عن قضايا العمال، إلى جانب دفاعه عن القضية الوطنية في عدد من المحافل الدولية.
وقال عبد المجيد الغرف، أمين وطني للجامعة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، لـ"المغربية" إن الراحل كان من رموز الحركة النقابية على المستوى الوطني، إذ تزعم النقابة منذ حوالي 55 سنة، ومارس مهامه في الظل، وكان لا يظهر إلا في خطابات فاتح ماي. وكان الراحل، حسب الغرف، من المناضلين الذين لا يحبون أن يكونوا في الواجهة، فقاد عددا من النضالات، وحقق بذلك مكاسب مهمة خاصة لفائدة طبقات العمال. واعتبر الغرف وفاة المحجوب بن الصديق خسارة بالنسبة للحقل النقابي، لأن النقابة مازالت في حاجة إلى تبصره وتعقله وحسن تدبيره لعدد من القضايا العمالية.
وأضاف عبد المجيد الغرف أن الراحل كان من رموز الحركة النقابية الأصيلة، إذ عرف بدفاعه وتشبثه باستقلالية النقابة عن الأحزاب والسياسة، منذ تقلده مسؤولية ترؤسها، وظل متشبثا بانتمائه وقناعاته بالنضال على رأسها، إلى أن وافته المنية، وتوخى أن يسير الذين يتولون مسؤولية تزعم النقابة على منواله، بالدفاع عن عدم انتماء النقابة للأحزاب السياسية.
من جهته، قال مصطفى عديشان، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، إن الراحل، المحجوب بن الصديق، فقيد الشعب المغربي قاطبة، باعتباره من الجيل الذي دافع، بصفة مستميتة، عن القضية الوطنية في عدد المحافل الدولية.
وأضاف، في تصريح لـ"المغربية"، أن الراحل كان من جيل الحركة الوطنية ، ومن رواد الحركة النقابية بالمغرب، إذ خاص عددا من المعارك، في إطار نقابة الاتحاد المغربي للشغل، التي حققت مكاسب مهمة للطبقة العاملة، كما ساهم بنضاله في تعزيز المسار الديمقراطي. وأضاف أن الراحل كان معروفا بالجدية واستحضاره للمصلحة الوطنية، كما كانت له علاقات طيبة مع الأحزاب السياسية، وعرف بأنه رجل قانون، وله القدرة على إقناع الآخرين. وذكر عديشان أن الراحل، عرف، أيضا، بحنكته وقوة شخصيته، وتعلقه بالنشاط النقابي.
ومن حزب الاتحاد الدستوري، قال محمد المحمدي العلوي عضو المكتب السياسي، في تصريح، لـ"لبمغربية"، إنه تلقى بحزن وأسى كبيرين، معتبرا أن "المغرب ودع أحد أهرامات ورواد العمل النقابي المغربي والعربي، المحجوب بن الصديق، الذي أنار بفكره الطريق لجيل ما بعد الاستقلال".
وأصاف "شخصيا، لم أكن أعرف الراحل المحجوب بن الصديق معرفة قوية ومهمة، تمكنني من التعبير عن رأيي فيه بشكل عميق، كل ما أعرفه حقيقة، انطلاقا من شهادات ومواقف تاريخية قرأتها أو سمعت بها، هو أن الراحل من الزعماء، الذين واكبوا فترة الاستقلال، منذ البداية إلى اليوم، وهو من رواد الحركة النقابية في المغرب، وفي العالم الثالث، إضافة إلى علاقاته بالنقابات الدولية في أوروبا وأميركا. وعرف عنه، كذلك، شجاعته الأدبية، ومواقفه الموضوعية الخارجة عن الحسابات السياسية، من أجل الدفاع عن الطبقة العاملة المغربية. وقال المحمدي العلوي "قرأت وسمعت عن خدمات جليلة قدمها الرجل للوطن، وهذا الرحيل ترك فاجعة وصدمة في الساحة النقابية المغربية، وهي خسارة مني بها المغرب في أحد رجالاته، ففقدانه سيترك فجيعة وأسى كبيرين في المشهد النقابي المغربي، بل حتى العربي، وكذلك في صفوف رفاقه، وكل من عرفه، باعتبار ما قدمه من نضالات وتضحيات جسام".
أحمد بوستة
اجتمع حشد من النقابين أمام مقر الاتحاد المغربي للشغل، بشارع الجيش الملكي، في الدارالبيضاء، صباح أمس الأحد، وبدت على محياهم مظاهر الحزن، إذ لم يكن اجتماع هؤلاء النقابيين بهدف المشاركة في حركة احتجاج، دعا إليها الاتحاد المغربي للشغل، لكن، لتشيع جثمان أمينه العام، المحجوب بن الصديق، الذي وافته المنية في أحد مستشفيات باريس، الجمعة الماضي، عن سن تناهز 88 سنة.
من مختلف المناطق، حج عدد من أصدقاء ومعارف المحجوب بن الصديق إلى مقر الاتحاد المغربي للشغل، ليلقوا النظرة الأخيرة على جثمان الراحل، وهو يودع المقر، الذي احتضن لسنوات طوال لقاءات واجتماعات بحضوره، وتحت رئاسته.
صمت رهيب، وعيون حزينة، وآيات من القرآن تتلى داخل مقر الاتحاد المغربي للشغل، وحافلات مرابطة أمام المقر، ورجال أمن فضلوا الوقوف على بعد أمتار قليلة من مقر الاتحاد، في جو جنائزي، ساعات قليلة قبل دفن فقيد الاتحاد المغربي للشغل.
"البركة في راسك"، كانت هذه الجملة واحدة من العبارات، التي ترددت بشكل كبير بين الحاضرين، الذين كانوا يتبادلون التعازي في موت ابن الصديق، وفضل العديد من الحاضرين الانزواء بعيدا ومراقبة ما يجري في جو كئيب، إذ لم تكن تخلو أحاديثهم عن الراحل، وعن مستقبل الاتحاد بعد بن الصديق.
"يا إخوان، الله يخليكم، طلعوا للحافلة، راه الجنازة دابا غادي تخرج من الدار". هكذا تكلم واحد من منخرطي الاتحاد المغربي لشغل، كان يحاول جاهدا إقناع من حضر إلى مقر الاتحاد للصعود إلى إحدى الحافلات من أجل شد الرحيل إلى منزل الراحل، على اعتبار أن مراسيم الدفن انطلقت من بيت محجوب بن الصديق، وبعد تردد من قبل البعض، سارع العديد منهم إلى صعود الحافلة، في جو كله حزن وخشوع.
وإذا كان البعض فضل ركوب الحافلة، فآخرون ظلوا واقفين أمام مقر الاتحاد، في انتظار أن يمر موكب الجنازة أمامه، ليلقوا التحية الأخيرة على من شاركوه الهم النقابي بالمغرب. ويقول أحد مناضلي الاتحاد "راني واقف هنا باش يوريني شي واحد فين كاينة دار بن الصديق، نمشي ليها، في الحقيقة، راه الموت صعيب شوية، قالوا لي مات في فرنسا، الله يرحمو".
الدعاء بالرحمة للمحجوب بن الصديق كان يتردد على لسان مجموعة من المشاركين في الجنازة، من قبيل "الله يوليه برحمة الله، راه بن الصديق معروف بزاف".
ليس الرجال وحدهم من حلوا بمقر الاتحاد المغربي لشغل، لكن حضرت، أيضا، وجوه نسائية وأطفال، في منظر كان الحزن فيه هو سيد الموقف. وسيدرك هؤلاء الأطفال، بعد سنوات طويلة، أنهم شاركوا في جنازة رجل كان أحد الأرقام المهمة في الشأن النقابي الوطني.
تحركت الحافلات والسيارات في اتجاه منزل الراحل، وتحركت معها القلوب الداعية له بالمغفرة والرحمة، ولأسرته بالسلوان، وظلت آيات القرآن تتلى داخل مقر اتحاد المغربي للشغل، تؤنس من فضلوا البقاء داخل البيت الثاني للمحجوب بن الصديق، الذي ستظل جدرانه شاهدة عن ذكريات طويلة، وأحداث عاشها داخل هذا المقر، الذي كان يشكل خلية نحل لابن الصديق ورفقائه في الاتحاد، للتشاور والنقاش حول أبرز الأحداث العمالية النقابية، التي عرفتها البلاد.
حوار: مينة حوجيب
اعتبر محمد ضريف أن أمر خلافة الراحل المحجوب بن الصديق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل "محسوم منذ سنوات"، أي عندما باتت الأوضاع الصحية لهذا الزعيم النقابي غير مستقرة. وأكد ضريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، في حوار أجرته معه "المغربية"، أن كل المعطيات تؤشر على أن الخلافة ستؤول إلى الميلودي موخاريق.
* ماذا يعني رحيل المحجوب بن الصديق للحركة النقابية؟
- المحجوب بن الصديق وجه سيذكره المغاربة لوقت طويل، ولا أقول إن جيلا واحدا فقط سيذكره، بل أجيال كاملة، باعتباره وجها صنع العديد من الأحداث، منها، أنه كان من الذين انتفضوا في لحظة من اللحظات على حزب الاستقلال، الأمر الذي أدى إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، سنة 1959. وسيذكر المغاربة، أيضا، المحجوب بن الصديق زعيما نقابيا بامتياز، فلا أحد يمكن، اليوم، أن يذكر الاتحاد المغربي للشغل بمعزل عن اسم المحجوب بن الصديق. ورغم أن الصورة النقابية لهذا الرجل هي التي تكرست في الأذهان، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب أنه لعب دورا حزبيا في التاريخ السياسي المغربي، حين مشاركته في تأسيس وقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ففي سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حين يذكر اسم هذا الحزب، كان يقفز إلى الأذهان اسم شخصيتين بالأساس، هما عبد الهن إبراهيم، والمحجوب بن الصديق.
* الآن، وبعد رحيل المحجوب بن الصديق، بعد استمراره قائدا للاتحاد المغربي للشغل، لمدة نصف قرن، لمن ستؤول الخلافة في هذه المركزية، وكيف سيجري تدبير انتقالها؟
- عندما نتحدث عن خلافة المحجوب بن الصديق، لابد أن نستحضر معطى أساسيا، يتمثل في أن العديد من الانتقادات، التي وجهت لهذا الزعيم النقابي، كانت بسبب استمراره على رأس الاتحاد المغربي للشغل، ومع الأسف، فأولئك الذين انتقدوا المحجوب بن الصديق، وبرروا انفصالهم عنه باستمراره على رأس هذه المركزية النقابية، أعادوا إنتاج سلوكاته.
الأكيد أن سؤال الخلافة قد يطرحه البعض، لكن طرحه ينبغي أن يصاحب بنوع من التحفظ، لأن أمور الخلافة، في نظري، جرى الترتيب لها في حياة المحجوب بن الصديق، إذ من الأكيد أن الأوضاع الصحية للمحجوب، خلال السنوات الأخيرة، كانت غير مستقرة، ما شكل واقعا ساعد قيادات جديدة على فرض نفسها داخل الاتحاد المغربي للشغل، لذلك، مسألة الخلافة محسومة، ولن يتأثر الاتحاد المغربي للشغل بغياب المحجوب بن الصديق.
* هل الشخصية التي حسم أمر الخلافة لفائدتها، هو الميلودي موخاريق؟
- بكل تأكيد، وهناك أشخاص آخرون سيكون لهم دور بارز في هذه المركزية، لكن الجميع يعرف من الذي ظل في السنوات الأخيرة يدبر شؤون الاتحاد المغربي للشغل.
سؤال الخلافة تطرحه وفاة القادة، والمحجوب بن الصديق قائد نقابي، ظل على رأس الاتحاد المغربي للشغل، كأول مركزية نقابية مغربية، منذ تأسيسها في 20 مارس 1955، ولذلك، ستطرح وفاته السؤال البديهي: من سيخلف هذا الزعيم النقابي؟ ومن سيتسلم مقاليد سلطة تدبير أقدم نقابة في المغرب؟
قال عبد القادر أزريع، الفاعل النقابي المغربي، عن سؤال الخلافة إن "الإخوان، في الاتحاد المغربي للشغل، سيعتمدون المعطيات التنظيمية، والتفاعلات، التي ستطرحها المرحلة الانتقالية"، واعتبر أن دعوة المجلس الوطني للانعقاد قد تشكل أول محطة في حياة الاتحاد المغربي للشغل لما بعد المحجوب بن الصديق.
وأبرز أن "المنطق يفرض أن يتحمل أحد أعضاء الأمانة العامة مسؤولية تدبير المرحلة الانتقالية، في انتظار الإعداد لعقد مؤتمر وطني عاد"، مشددا على أن ذلك هو التصور الأسلم، واستبعد الإجراء التنظيمي، المتمثل في الدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي، داعيا المسؤولين في هذه المركزية النقابية إلى عدم نهج مسطرة المؤتمر الاستثنائي، وإلى جعل هذه المرحلة من عمر الاتحاد المغربي للشغل مناسبة لطرح قضايا مستقبل الحركة النقابية، وإعداد أوراق وتصورات حول التدبير النقابي، بما يأخذ بعين الاعتبار التحولات، التي تعرفها الساحة النقابية على المستوى الدولي.
واعتبر أزريع أن وفاة المحجوب بن الصديق ستترك فراغا كبيرا، رغم ما يقال حول تجربته، على مستوى تدبيره لهذه المركزية، واستمراره على رأسها لمدة نصف قرن. وقال إن المحجوب بن الصديق كان له وزن كبير، وساهم في الحركة النقابية المغربية بشكل فاعل، من خلال حضوره القوي على مستوى التدبير، وباعتبار ارتباطاته، كواحد من الذين حضروا معركة الاستقلال، مع قادة نقابيين من تونس والجزائر.