جرت، أمس الثلاثاء، بمدينة تاوريرت، مراسيم تشييع جثمان مستشار صاحب الجلالة، الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه، الذي وافته المنية، مساء يوم الأحد المنصرم، بالرباط، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد .
وبعد صلاتي الظهر والجنازة بمسجد الإمام نافع، نقل جثمان الراحل إلى مثواه الأخير بمقبرة الرحمة، حيث ووري الثرى، في موكب جنائزي مهيب، حضره أفراد أسرة الفقيد، ومستشارو صاحب الجلالة، محمد معتصم، وأندري أزولاي، وعباس الجراري، وعمر القباج، ومحمد رشدي الشرايبي، عضو الديوان الملكي، ومحمد الكتاني، وفاضل بنيعيش، مكلفان بمهمة بالديوان الملكي، والحاجب الملكي، ومؤرخ المملكة، حسن أوريد، وعدد من أعضاء الحكومة، وزعماء الأحزاب السياسية، وشخصيات مدنية وعسكرية، وحشد كبير من سكان تاوريرت .
وعقب مواراة جثمان الفقيد الثرى، تلا محمد معتصم، مستشار صاحب الجلالة، برقية التعزية التي بعثها جلالة الملك محمد السادس إلى أفراد أسرة الراحل مزيان بلفقيه، والتي ضمنها جلالته أحر تعازيه وأصدق مواساته في هذا القدر المحتوم، ضارعا جلالته إلى الباري عز وجل أن يسكنه فسيح جنانه، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ويحسن جزاءه على ما قدم لملكه ووطنه وأمته، من صالح الأعمال، وصادق الجهود، وسخي العطاء، ويقعده مقعد صدق في جنات النعيم، مع عباده المخلصين، الذين قال في حقهم أصدق القائلين: "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويلقون فيها تحية وسلاما، خالدين فيها، حسنت مستقرا ومقاما ".
وأعرب جلالته "لكافة أفراد أسرة الراحل الموقرة، وأهله وأصدقائه، عن أحر تعازينا في هذا المصاب الجلل، وأصدق مواساتنا، في فقدانها لعميدها وسندها ونابغتها"، سائلا الله عز وجل أن يشمله برحمته وغفرانه، ويسكنه فسيح جنانه، ويحسن قبوله مع المصطفين الأخيار من عباده، ضارعا جلالته إلى الله جلت قدرته أن يعوضهم عنه جميل الصبر وحسن العزاء.
واستحضر جلالة الملك في هذه البرقية "بكل تأثر وتقدير، ما عهدناه في شخص الفقيد العزيز، كأحد مستشارينا الأوفياء، من خصال إنسانية نبيلة، شهامة وإباء، وتحملا للابتلاء، وتبصرا وأناة، واستقامة ورزانة، ومن المؤهلات الرفيعة لخدام العرش الأصفياء"، مضيفا أن المغرب فقد برحيله "أحد أبنائه البررة، ورجلا من رجالات الدولة الكبار، الذين قلما يجود الزمان بمثلهم، لما هو مشهود له به من كفاءة وتجرد وإخلاص في أدائه للواجب المهني، مكرسا حياته لقضايا الوطن بنظر حصيف، ومشورة صادقة، ووفاء مكين لمقدساته وثوابته".
سيظل الراحل الكبير، يضيف جلالة الملك، "خالدا في ذاكرة جلالتنا، وفي السجل الذهبي لتاريخ المغرب، بما أسداه لوطنه من أعمال مبرورة، وخدمات جليلة، في كل المسؤوليات السامية، التي أنيطت به، مستشارا نصوحا، لجلالتنا ولوالدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، ووزيرا مخلصا في عدة حكومات وقطاعات، مؤديا بأمانة وحكمة وحنكة، وخبرة واسعة، وتفان ونكران ذات، وتواضع لله، ما أنيط به من مهام وطنية كبرى. فكان نموذجا لجيل جمع بين الغيرة الوطنية الصادقة والمواطنة الملتزمة".
وتليت بهذه المناسبة الأليمة، آيات بينات من الذكر الحكيم على روح الفقيد، كما رفعت أكف الضراعة إلى الله العلي القدير، بأن يتغمد الراحل بواسع رحمته، وأن يشمله بمغفرته ورضوانه، وأن يجعل مثواه فسيح جنانه، ويتلقاه بفضله وإحسانه في عداد الأبرار من عباده المنعم عليهم بالنعيم المقيم.
وتوجه الحاضرون بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بأن يطيل سبحانه وتعالى عمر جلالته ويحفظه ويحيطه ويكلأه بعنايته الإلهية، وأن يقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وبصاحبة السمو الملكي الأميرةللا خديجة، ويشد أزر جلالته بشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة. كما رفعت أكف الضراعة إلى العلي القدير بأن يمطر شآبيب الرحمة والرضوان على روحي جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني.
برحيل عبد العزيز مزيان بلفقيه، مستشار صاحب الجلالة، يكون المغرب فقد أحد رجالات الدولة وخدامها الكبار، الذي واكب عن كثب أوراش التطور والإصلاح والتنمية، التي شهدتها المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية .
وأدى الراحل، الذي وافته المنية مساء يوم الأحد المنصرم، بالرباط، مختلف المهام التي انتدب للقيام بها، منذ تعيينه غداة المسيرة الخضراء منسقا بالعيون لمجموع مصالح وزارة الأشغال العمومية والمواصلات بالأقاليم الجنوبية، عطاء موصولا لم ينضب معينه، وما يزال متواصلا في الأطر والكفاءات، التي عملت إلى جانبه وتحت إشرافه .
بذل الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه طيلة حياته جهودا خيرة في خدمة بلده، بتفان وإخلاص، وسعي دؤوب، بهدف تكريس نهضتها ونموها على مختلف الأصعدة، وعمل بجهد حثيث من أجل إشعاعها وتبويئها المكانة التي تستحقها .
إن الذين عملوا عن قرب مع الراحل، في مختلف المناصب، التي تحمل مسؤولياتها، عرفوا فيه المسؤول المقتدر، الذي نهض بالمهام الموكولة إليه بكل جدارة، لذلك فإن كل مشيعيه وناعييه أكدوا أن الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه هو رجل الدولة الكبير بكل المقاييس، قدم أبهى صور وسمات التفاني والتضحية، في القيام بالواجب خدمة للوطن في سبيل تكريس رفعته وازدهاره.
وأجمعت عدة شهادات في حق الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه، أن الفقيد كان أحد أبناء المغرب البررة، الذين تشبعوا بروح الوطنية الحقة. وأكدت شخصيات اشتغلت إلى جانب الراحل لدى بلورة تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية، وكرئيس منتدب للمجلس الأعلى للتعليم، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الفقيد الذي تولى تدبير ملفات مهمة جدا بحكمة وخبرة قل نظيرهما، أسهم في إرساء لبنات المغرب الحديث، وبذل مجهودا كبيرا في سبيل بناء مدرسة وطنية بهوية مغربية وبمواصفات كونية.
ففي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بهذه المناسبة المحزنة، قال محمد سعد العلمي، الوزير المنتدب المكلف بتحديث القطاعات العامة، إن المغرب فقد برحيل الأستاذ مزيان بلفقيه رجل الدولة المحنك، الذي مزج الخبرة العالية بالوطنية الصادقة، مشيرا إلى أن عمله وإخلاصه في خدمة بلده تواصل منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، إذ عمل مديرا للأشغال العمومية بالأقاليم الصحراوية المسترجعة مباشرة بعد تحريرها، كما أشرف، في ظروف صعبة، على شق الطرق وإقامة البنيات التحتية الضرورية، ليتدرج بعد ذلك في مناصب المسؤولية، إلى أن أصبح مستشارا لجلالة الملك .
كان الفقيد، يضيف سعد العلمي، الرجل الوطني المتمسك بالمصالح العليا لبلاده، والخادم لها، والمشرف بعد ذلك على تهييء الملفات للأوراش الكبرى، التي شهدتها وما تزال تشهدها المملكة.
وببالغ التأثر، أكدت كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي، لطيفة العبيدة أن فقدان الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه يشكل خسارة كبيرة لبلده، ولأصدقائه ولذويه، واصفة الفقيد برجل دولة من العيار الثقيل، كرس حياته لخدمة المصلحة العليا للوطن، سواء إلى جانب جلالة المغفور له الحسن الثاني، أو تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وأضافت العبيدة، في تصريح مماثل، أن الراحل عرف بالحكمة والتواضع، والتروي، والقدرة على الإنصات، واحترام الآخر، وهو ما جعله يحظى باحترام وتقدير الجميع، مبرزة في هذا الصدد، العمل الذي قام به خلال ترؤسه للجنة الخاصة بالتربية والتكوين، التي شكلها جلالة المغفور له الحسن الثاني بهدف صياغة ميثاق وطني للتربية والتكوين.
وأشارت العبيدة إلى أن الفقيد تمكن بفضل هذه الخصال من صياغة هذا الميثاق في وقت قياسي، معتبرة صدور هذا الميثاق محطة تاريخية مهمة وضعت حدا للخلاف حول الاختيارات الكبرى في مجال التربية والتكوين ووفرت للقيمين على الشأن التعليمي مرجعية تحظى بإجماع وطني.
وشددت على أن الراحل عرف، أيضا، بوعيه الكبير بأهمية المدرسة في بناء وتطوير المجتمع الديمقراطي الحداثي، وكذا بعمله لفائدة الأسرة التعليمية، إذ كان يترأس مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين.
واعتبرت أن خصال وسيرة الفقيد تشكلان نبراسا لمواصلة المسيرة الإصلاحية، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس من أجل رقي وازدهار المغرب.
من جهته، قال عبد اللطيف المودني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتعليم، إن الراحل خصص جزءا كبيرا من حياته للمدرسة المغربية، وكان همه هو بناء مدرسة وطنية بهوية مغربية وبمواصفات كونية.
وأضاف أن الفضل يرجع للفقيد في إعداد الإطار المرجعي لإصلاح التعليم، الذي يجسده الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مشيرا إلى أنه كان مقتنعا بأن الإصلاح يسير بشكل متلازم مع تقويم الإصلاح والمنظومة التربوية، لذلك حرص من موقعه كرئيس منتدب للمجلس الأعلى للتعليم على جعل الهيئة الوطنية للتقويم آلية فعالة لتحسين مردودية المنظومة التربوية.
وأضاف أن الراحل، الذي كان يؤمن إيمانا قويا بالعمل الجماعي، كان يشتغل بطاقة فكرية خلاقة وبقدرة متميزة على إبداع الأفكار وابتكار الحلول.
وخلص إلى القول إن الراحل مزيان بلفقيه كان يمثل نموذجا للإنسان المتواضع، الذي يجسد في الوقت ذاته مواصفات الريادة المتميزة.
من جهتها، قالت رئيسة جامعة الحسن الثاني المحمدية، رحمة بورقية، إن رحيل مستشار جلالة الملك، مزيان بلفقيه يشكل خسارة كبرى للمغرب.
وأضافت قائلة "عرفنا الفقيد خلال بلورة تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية وكرئيس منتدب للمجلس الأعلى للتعليم فكان رجل دولة بالمعنى السامي للكلمة".
وأكدت أن الراحل كانت تحركه دوافع الوطنية وحبه لبلده، واحترام المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، مضيفة أنه "كان يجسد كفاءة وطنية كبيرة لها القدرة على تدبير ملفات مختلفة بدقة وصرامة قويتين، لكن بمرونة وحكمة في الآن ذاته".
وتميز الراحل، تقول رئيسة جامعة الحسن الثاني المحمدية، بالقدرة على الإنصات للآخر، ولكل ما هو إيجابي للدفع بالملفات كما كان الأمر بالنسبة لملف التعليم.
وخلصت بورقية إلى أن المغرب فقد برحيل المفكر محمد عابد الجابري وعبد العزيز مزيان بلفقيه علمين كبيرين رغم اختلاف مجالات اشتغالهما، إلا أنهما يلتقيان في كونهما حملا مشروعين كبيرين، واحد في مجال الفكر والآخر في مجال العمل التنموي.
من جانبه، قال الباحث والأستاذ الجامعي، محمد الطوزي إن الراحل مزيان بلفقيه "كان من أبناء المغرب البررة الكبار، الذين اشتغلوا في صمت، إذ أنه كان رجل دولة وليس رجل بلاط".
وأضاف أن الراحل أقر مكانة للمنهجية العلمية في العمل داخل مؤسسات الدولة، بجديته وتفانيه، مبرزا أن "التواضع الذي امتاز به قربه ممن اشتغلوا معه سواء من قريب أو بعيد، فاستطاع استمالة عدة طاقات كانت خارج المدار للعمل للصالح العام".
وأشار إلى أنه كان يتعامل مع أناس يحملون قناعات فكرية وسياسية مختلفة، وكان يحترم الاختلاف والتعدد، ويؤمن بأن التعدد نعمة للمغرب.
وبعبارات الوفاء والإكبار، قال مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في تصريح مماثل، إن الفقيد عبد العزيز مزيان بلفقيه كان واحدا من رجالات الدولة الوازنين، طبع بطابعه الخاص مسيرة التحديث والإصلاح والتغيير التي شهدتها وتشهدها المملكة.
وأضاف أن الراحل مزيان بلفقيه، الذي تقلد بحكم تكوينه كمهندس من درجة عالية العديد من المناصب في الحقل الإداري، كانت له علاقات وطيدة مع الجيل الحالي للإدارة المغربية، كما أنه كان دائم الحضور في العديد من المنتديات والجمعيات الوطنية، ولاسيما في الأنشطة التي كانت تنظمها جمعية مفتشي المالية، إذ كان يقوم في إطارها بتنشيط عدد من اللقاءات.
فقدت الساحة الوطنية، يقول الكثيري، برحيله شخصية كبيرة، ورجل دولة كبير بكل المقاييس، ستظل بصماته بارزة في عدد من المجالات والميادين، وفي أوراش الإصلاح والبناء والنماء التي شهدتها البلاد.
وأشاد الكثيري بدور الراحل في دعم أسرة المقاومة وجيش التحرير والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مذكرا بأنه كانت له مساهمة كبيرة في احتفالات الذكرى الخمسينية لعيد الاستقلال، وعودة جلالة المغفور له محمد الخامس من المنفى.
وبدأ الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه مساره المهني سنة 1968، بوزارة الأشغال العمومية، بصفة مهندس إعداد سد مولاي يوسف على نهر تاساوت. وعين سنة 1974، رئيسا للقسم التقني بمديرية الطرق، ثم رئيسا لدائرة الأشغال العمومية والمواصلات بالرباط. كما عين غداة المسيرة الخضراء منسقا بالعيون لمجموع مصالح وزارة الأشغال العمومية والمواصلات بالأقاليم الجنوبية.
وعند عودته إلى الرباط سنة 1978، شغل عدة مناصب، من بينها تعيينه في17 نونبر 1993، وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي. وفي7 يونيو1994، أعيد تعيينه وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي في الحكومة، التي ترأسها الراحل عبد اللطيف الفيلالي.
وفي 31 يناير 1995 كلفه جلالة المغفور له الحسن الثاني بمهام وزير الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر بالنيابة. وفي فبراير1995 عين وزيرا للأشغال العمومية، وفي 13 غشت 1997 عين وزيرا للفلاحة والتجهيز والبيئة، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية مارس 1998 .
وفي 24 أبريل 1998 عينه جلالة المغفور له الحسن الثاني مستشارا بالديوان الملكي.
وفي ثالث مارس 1999 عين من طرف جلالة المغفور له الحسن الثاني رئيسا للجنة، التي عهد إليها باقتراح مشروع لإصلاح نظام التربية والتكوين.