حظي خبر وفاة المفكر المغربي، محمد عابد الجابري، الذي شيع جثمانه، ظهر أمس الثلاثاء، إلى مثواه الأخير، بمقبرة الشهداء في الدارالبيضاء، بتغطية إعلامية عربية كبيرة، في جميع القنوات العربية..
مقابل تباين مستوى الاهتمام بالخبر في القنوات المغربية، إذ عرجت القناة الثانية فقط على خبر وفاته، في نشرتي الأخبار باللغتين العربية والفرنسية، مع العلم أن الجابري يستحق الكثير من الاهتمام، لما أسداه من خدمة كبيرة للفكر المغربي، أما القناة الأولى، فقدمت آخر برنامج سجلته مع المفكر الراحل، فيما خصصت قناة ميدي 1 سات حيزا من نشراتها الإخبارية لاستعراض جزء من مسار المفكر الراحل، الشيء نفسه، قامت به إذاعة ميدي 1، التي استضافت على مدار اليوم مفكرين عربا ومغاربة، تحدثوا عن الراحل ومشروعه الفكري المتنور.
قناة الجزيرة القطرية خصصت جزءا مهما من حصادها المغاربي للمفكر الراحل، وأعلنت عن إعادة بث مجموعة من البرامج الحوارية، التي خصصتها سالفا، للمفكر محمد عابد الجابري، أما إذاعة هولندا فقد خصصت ليلة البارحة بكاملها للجابري، الشيء نفسه قامت به أهم الإذاعات العربية، والصحف العربية المكتوبة، التي كان الجابري يكتب صفحات للرأي فيها لسنوات، من مثل صحيفة "الاتحاد" الإماراتية، وصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية.
الصحافة المغربية المكتوبة لم تكن خارج الحدث، لأنها خصصت صفحات للمفكر المغربي الراحل، وافتتحت صفحاتها الأولى بهذا الحدث الأليم، وحاولت استعراض جوانب من مسيرته الفكرية، التي لن تغطيها صفحات الجرائد، لأن ما تركه من إنتاج فكري غزير، يحتاج إلى الكثير من الوقت، وإلى باحثين متخصصين لسبور أغواره.
بعد انتشار خبر وفاة المفكر محمد عابد الجابري، توالت الشهادات، والتصريحات في حقه من قبل مفكرين عرب، ومغاربة، وسياسيين مغاربة، إذ نعاه عبد الرحمان اليوسفي، ومحمد الأشعري، وعبد الواحد الراضي، كما أكد خالد الناصري، الناطق باسم الحكومة ووزير الاتصال المغربي، أن رحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري خسارة ليس للفكر المغربي وحده، بل للفكر العربي الرصين بالكامل.
وشدد على أن الجابري يعتبر مفخرة للمغرب وعلما من أعلامه الذين لا يمكن التقصير بحقهم. وقال "محمد عابد الجابري معلمة من معالم الفكر الوطني المغربي الرصين، والمغرب كله يعتز به، ولا يمكن أن نتصور أن الحكومة المغربية ستقصر في حقه، هذا شخص قدم الكثير للإنتاج الفكري الرصين للمغرب، وساهم في بلورة الإنتاجات الفكرية الرفيعة مغربيا وعربيا، وبفقدانه تكون ساحة الفكر الرصين قد فقدت معلمة أساسية من معالمها".
ونعى الجابري كذلك، هشام جعيط، الكاتب والمفكر التونسي، ووصف في تصريحات وفاة الجابري بأنها نكبة للفكر العربي والإسلامي، وقال "أعتبر وفاة الأستاذ الدكتور محمد عابد الجابري نكبة للفكر العربي والإسلامي، وإني أسترحم الله له وأعتبر أن عمله سيبقى قرونا عديدة كمركز للفكر العربي الإسلامي، لأنه قام بأعمال كبيرة في مجال الفلسفة الإسلامية ومجال الفكر العربي، وأعتقد أن العالم العربي كله يهتز لهذه الوفاة، لأنه رجل من أهم رجال الفكر في الفترة المعاصرة".
وذكر جعيط أن أهمية الجابري تكمن في إرثه العقلاني، وقال "صحيح أن الجابري أثار مشكلة الفكر العقلاني لدى العرب، وهذا أمر مهم جدا، وأعتبر أن ذلك يخص هذا الجيل والأجيال المقبلة، وإن له لذلك أهمية كبيرة فيرحمه الله رحمة واسعة"، على حد تعبيره.
أما حيدر إبراهيم، رئيس تحرير مجلة "دراسات سودانية"، الذي تعرف على الجابري عن قرب خلال إقامته بالمغرب، فقال لإذاعة هولندا عن الجابري الإنسان "الجابري هو مفكر يعيش حياته للفكر، ويبدو أن كل الحياة أصبحت بالنسبة له مسألة إنتاج أفكار، يعني حتى عندما تجده أو تقابله في الحياة اليومية، يبدو لك وكأنه مهموما بعيدا عن هذا اليومي، وأنه يعيش مع أفكاره حقيقة، فقد كرس كل حياته للفكر والتفكير".
أما عن مزاوجة الجابري للتفكير الرفيع والنضال السياسي فقال حيدر إبراهيم"فعلا الظروف الخاصة بالمغرب في تلك الفترة لم تكن تسمح للمفكر أو للفيلسوف بأن يعيش في ما يسمى بالبرج العاجي، كانت هنالك قضايا مرتبطة بمسألة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يضاف إلى ذلك وجود بعض الأحزاب التقدمية في المغرب، التي كانت تفسح المجال لكوادر ليست مهتمة بالنشاط السياسي فقط، وإنما مهتمة بالفكر أكثر من اهتمامها بمسألة المسار والحركية، لذلك وجد الدكتور الجابري فرصته في حزب الاتحاد الاشتراكي، وأصبح من قاداته ومن المنظرين الأساسيين في الحزب".
نجيب الحصادي، أستاذ الفلسفة في جامعة بنغازي بليبيا، رأى أن الجابري سيبقى منه الكثير قائلا "الدكتور الجابري أغنى المكتبة العربية بأعمال تأصيلية أساسية على المستوى الفلسفي، وأعتقد أن النهج، الذي أتبعه الجابري نهج متوازن به قدر كاف من العقلانية، وفيه قدر كاف من العناية بالتراث العربي، والأهم من ذلك أنه مع الجابري بدأت تتكرس فكرة المدرسة والتيار، فهناك تلاميذ للجابري وأنصار لنهجه تحديدا".
وأكد الحصادي أن المدرسة المغاربية، التي يمثلها الجابري خير تمثيل، نهلت من التراث الفلسفي الفرنسي، بينما لم يعن المشرق العربي وخاصة مصر بهذا التراث، وهو ما أكده المفكر المصري محمود أمين العالم، في ندوة الفلسفة في مائة عام، الذي قال في الندوة وفقا للحصادي "إن الفلسفة الحقيقية في الوطن العربي تمارس في المغرب".
يذكر أنه شيع ظهر أمس الثلاثاء، جثمان المفكر المغربي محمد عابد الجابري، إلى مثواه الأخير بمقبرة الشهداء في الدارالبيضاء، بحضور العديد من الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية المغربية، على رأسها القيادي الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي، وعبد الواحد الراضي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، ورئيس مجلس النواب، اللذان حضرا أول ما سمعا الخبر إلى منزل الراحل، هما وبعض أعضاء المكتب السياسي بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى جانب العديد من المفكرين والباحثين من أصدقاء المفكر العربي والفيلسوف المتنور، وطلبته، أمثال عبد السلام بنعبد العالي، وسالم يفوت، ومحمد الدكالي، وعبد الإله بلقزيز، وآخرين.
جرت بعد ظهر، أمس الثلاثاء بالدارالبيضاء، مراسيم تشييع جثمان المفكر المغربي الكبير، محمد عابد الجابري، الذي انتقل إلى عفو الله، أول أمس الاثنين، عن سن تناهز 75 عاما.
وبعد صلاتي الظهر والجنازة بمسجد الشهداء، نقل جثمان الراحل إلى مثواه الأخير بمقبرة الشهداء، حيث ووري الثرى، في موكب جنائزي مهيب.
حضر المراسيم، إلى جانب أفراد عائلة الراحل، محمد معتصم، مستشار صاحب الجلالة، وأحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من أعضاء الحكومة، ومسؤولو أحزاب سياسية، وشخصيات تنتمي إلى عالم الجامعة والثقافة والإعلام، وجمع من أصدقاء الراحل. وبعد تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، رفعت أكف الضراعة إلى العلي القدير، بأن يحفظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ويقر عين جلالته بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية.
كما رفعت أكف الضراعة إلى الله عز وجل بأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويجازيه على ما قدمه لعالم الفكر والثقافة.
وبالمناسبة، تلا محمد معتصم، نص برقية التعزية، التي بعثها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى أفراد عائلة الفقيد محمد عابد الجابري .
وأعرب جلالة الملك، بهذه المناسبة المحزنة، لأفراد عائلة الفقيد، ولأسرته السياسية في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولكافة محبيه وأصدقائه من أهل الثقافة والفكر والإبداع، عن أحر تعازي جلالته وصادق مواساته، "في رحيل أحد كبار المفكرين المغاربة، الذين كانوا نموذجا عاليا في العصامية والجدية والاستقامة، والعطاء الفكري المتنور، المتميز بترسيخ منهج العقلانية، وقيم الوطنية والمواطنة الحقة، متحليا في كل عطاءاته وعلى مدى حياته، بمناقب المفكرين الأجلاء، في العمل والاجتهاد، ونكران الذات، وخصال المناضلين المخلصين، في الالتزام السياسي الصادق، بوحدة وتقدم وطنه، وخدمة قضاياه العادلة، بتفان وإخلاص".
وأكد جلالة الملك أن الفقيد العزيز سيظل خالدا في سجل الفكر المغربي والعربي، بما أنجز من أعمال فكرية قيمة، ومؤلفات رائدة رصينة، عن الثقافة المغربية والفكر العربي والإسلامي، امتد صيتها إلى كافة ربوعه، لما تميز به من إعمال للمفاهيم والمناهج العصرية، في تحليل وتقويم تراثه المعرفي والحضاري المشرق، ولما كان له من دور بارز بالجامعة المغربية، كأحد أساتذتها الرواد، والباحثين المرموقين، والمنظرين الأكفاء، ورجال الفكر التربوي والإعلامي، على امتداد أزيد من نصف قرن.
وفي كلمة بالمناسبة، أبرز الحبيب المالكي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن برقية التعزية التي بعثها جلالة الملك إلى أسرة الفقيد الصغيرة والكبيرة، تعبر عن أحاسيس المغاربة جميعا، وتترجم التقدير الكبير الذي يحظى به هذا المفكر العظيم.
وأضاف أن محمد عابد الجابري يعتبر هرما من أهرام العلم والثقافة ومنارة في مجال البحث والتفكير والإبداع، مبرزا أن الفقيد كان مناضلا وفيا ووطنيا غيورا، وأن المغرب فقد برحيله أحد رجالاته العظام .
تجدر الإشارة إلى أن الراحل، المزداد عام 1935، حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، التي عمل بها أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي.
وانخرط الجابري في خلايا العمل الوطني في بداية خمسينيات القرن الماضي، كما كان قياديا بارزا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ظل يشغل لفترة طويلة عضوية مكتبه السياسي، قبل أن يعتزل العمل السياسي ليتفرغ لمشاغله الأكاديمية والفكرية.
وخلف المفكر الراحل العديد من المؤلفات من بينها "نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي" (1980)، و"العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي" (1971)، و(نقد العقل العربي)، الذي صدر في ثلاثة أجزاء هي (تكوين العقل العربي)، و(بنية العقل العربي)، و(العقل السياسي العربي).
كما أصدر "مدخل إلى فلسفة العلوم : العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي" (1982)، و"معرفة القرآن الحكيم أو التفسير الواضح حسب أسباب النزول" في ثلاثة أجزاء، و"مدخل إلى القرآن الكريم"، إلى جانب العديد من الدراسات والمؤلفات في مجالات مختلفة.