أم الربيع يعود إلى مجراه الكبير وينتقم من سكان مشرع بن عبو

الثلاثاء 02 مارس 2010 - 09:29

ما وقع ليلة الأحد إلى الاثنين 22 فبراير 2010، في مشرع بن عبو، بإقليم سطات، بشهادة سكان ومسؤولين في المنطقة، لا يمكن اختزاله في كلمة "كارثة"..

ليس لأن فيضانات نهر أم ربيع شردت عشرات الأسر، وخلفت خسائر مادية مهولة، أو لأن فيضانات عاصمة الشاوية أكثر دمارا من مثيلتها في الغرب، بل لأن هذا الحادث "الانتقامي"، كما وصفه عزيز البريمي، مدير وكالة الحوض المائي لأم الربيع، كشف واقعا مريرا، مغيبا عن أجندة المسؤولين بسبب التقصير والإهمال، بأن الفيضانات باتت قادرة، اليوم ومستقبلا، على محو قرى ومدن بكاملها، من خريطة هذا الوطن.

كان "مشرع بن عبو" في سنوات الاستعمار، وإلى حدود سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عبارة عن نقطة مرور صغيرة مهمشة، عند قنطرة وادي أم الربيع، توجد فيها منازل، تعد على رؤوس الأصابع، في الضفة اليمنى للنهر.

إلا أن المكان ما لبث أن تحول إلى قرية، أو "فيلاج"، كما هو متداول بين سكانه، دون احترام لأم الربيع، الذي عاد من بعيد، بعد أن أخفى وجهه الغاضب، وقدرته التذمرية، لعشرات السنين، مرغما من قبل "عدوه" اللدود، الجفاف، الذي فرض عليه الانكماش وتقليص صبيب مياهه، تاركا المجال لأبناء "عبو"، ليشيدوا منازلهم، ومستشفاهم، ومركزهم للدرك، ومؤسساتهم التعليمية الابتدائية والإعدادية، فى المجرى الطبيعي للنهر، دون حسيب أو رقيب. فبعد طول غياب، عاد النهر لرسم مساره، وانتزاع أرضه "المستعمرة" بقسوة، بوسائله الذاتية، التي لم تتغير، ولم ينفع الزمن ولطف أبناء عبو، في ترويضها.

والنتيجة، هي تشرد عشرين أسرة، وضياع الأمتعة المنزلية، والوثائقه الشخصية، وتدمير، أو محو كلي، للثانوية الإعدادية عبد الكريم الخطابي، التي لم يهنأ أبناء مشرع بن عبو بها، إذ لم يمض على بنائها سوى ثلاث سنوات، وبالتالي، حٌرم 210 تلاميذ من الدراسة، لأجل حدده بوشعيب التاقي، مدير الثانوية، في أسبوع، لأن الدخول إلى المؤسسة الجديدة بات يتطلب الاستعانة بمراكب صيد السمك، التي نجت من كارثة الفيضان، إضافة إلى نفوق أزيد من 200 رأس من الماشية، من ماعز وأغنام وأبقار، وإتلاف أراض زراعية، علاوة على حالة الخوف والهلع، التي تسيطر على الأطفال والنساء والمسنين.

من جهتها، حرصت السلطات المحلية، والدرك الملكي، والوقاية المدنية، على ضمان الأمن، وتفادي خسائر في الأرواح، والسهر على إيواء المنكوبين، والأهم من هذا كله، هو تكتل وتآزر صغار وكبار أبناء مشرع بن عبو في ما بينهم، إذ بدت المدرسة الابتدائية، التي لجأ إليها السكان مثل خلية نحل، يسهر فيها الكل على راحة الكل، لكن هذا لا يمنع من طرح سؤالين، هما، من المسؤول عن الكارثة؟ ومن سمح ورخص ببناء مؤسسات عمومية ومنازل في منطقة خطيرة على ضفاف النهر؟

حملت "المغربية" هذين السؤالين إلى السكان والمسؤولين في مشرع بن عبو، فكانت الأجوبة عبارة عن تقاذف للمسؤولية، فالسكان يعتبرون أنهم كانوا ضحايا لغياب التواصل بينهم وبين السلطات، التي لم تخبرهم في الوقت المناسب، لينقذوا تجهيزاتهم وأثاثهم المنزلي، بينما تعتبر السلطات أنها قامت بدورها، ولم تكن تتوقع هذه الكارثة.

ولمصالح وكالة الحوض المائي لأم الربيع وجهة نظر مخالفة، تقول إن السكان هم من هاجموا النهر، واعتدوا على مجراه، وليس لأنها فتحت أبواب سد المسيرة دون سابق إنذار، لأن أبواب السد تفتح بشكل أتوماتيكي، بعد أن يصل منسوب المياه فيه إلى أعلى مستوياته.

ووصل صبيب واد أم الربيع إلى 4 آلاف متر مكعب في الثانية. ويوجد سد المسيرة على مساحة 13 ألف هكتار، ويصل طوله إلى 30 كيلومترا، وتصل قدرة التخزين فيه إلى 2 مليار و660 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 50 في المائة من مجموع حقينة أم الربيع، ويعد ثاني سد في المغرب، من حيث قدرته على خزن الماء، بعد سد الوحدة، على نهر سبو.

شهادات

المهدي الطالبي، من سكان مركز مشرع بن عبو:

هاذ الناس ما علمونا ما والو، ومنذ 24 سنة، ونحن نسكن هنا، ولم نر مثل هذه الكارثة، كل أمتعتنا أتلفت، لو أن السلطات أخبرتنا، كان بإمكاننا، على الأقل، إخراج أثاثنا، ولو كنا نعلم أن الوادي سيغمرنا، ما استقررنا في هذا المكان.

حبيبة حارس، متضررة:

حين بدأ فيضان مياه الوادي، كنا نسأل السلطات هل نخرج من منازلنا وننقذ أثاثنا؟ لكنها تقول لنا: مازال، بلاتي، إلى أن فاجأتنا السيول، في الليل.

بوشعيب التاقي، مدير الثانوية الإعدادية عبد الكريم الخطابي:

بعد أن غمرت المياه ثانوية عبد الكريم الخطابي، أصبح مركز مشرع بن عبو في بركة مائية، ونتيجة لهذا عطلت الدراسة، إذ توقف 210 تلاميذ عن الدراسة، ودخل 10 أساتذة في عطلة. وجدنا بعض الحلول، إذ سنستعمل حجرات دار الطالب، التي بنيت حديثا، لمواصلة تدريس بعض المستويات، خاصة المطالبين باجتياز امتحانات الموحدة، وسنحاول مواصلة الدراسة ابتداء من الأسبوع المقبل، والفيضان أتلف أرشيف المؤسسة والمعدات، وسنحاول استرجاع الملفات الدراسية.

محفوظ بن منانة، مسؤول عن مصلحة المياه في سطات

وصلت نسبة ملء السدود المجاورة لسد المسيرة، الجمعة الماضي، إلى 10 في المائة، ووقعت عاصفة رعدية في خنيفرة، فزادت كمية المياه، ليجري تفريغ السد أوتوماتيكيا. ويحدد قانون 10/95 الملك العام المائي العمومي بأنه أقصى حد تصل إليه حمولة الوادي، طالت المدة أو قصرت، وللنهر مجرى صغير وكبير، وحين تزداد حمولته، يصل إلى المجرى الكبير، وهناك أناس يزرعون ويبنون في الملك العام المائي العمومي.

حاولنا ما أمكن تصريف فائض المياه في سد المسيرة، بطريقة سلسة، قبل أن تصل السيول مشرع بن عبو، وكانت هناك نشرات إنذارية شبه يومية، في التلفاز وفي المذياع، لكن السكان تجاهلوا هذا، خاصة أنهم يوجدون في مجرى النهر".

سلام محمد، متضرر:

السلطات المحلية أدت، وتؤدي واجبها على أحسن ما يرام، إذ وفرت لنا الأغطية والأكل، ونشكرهم على مجهوداتهم، لكن نطالب بالسكن".

عزيز البرايمي مدير وكالة الحوض المائي لأم الربيع

الأضرار في الدور السكنية الواقعة قرب القنطرة القديمة لمشروع بن عبو، وفي عدد من المنشآت الإدارية والسكنية بالمنطقة، ناتجة عن عملية التفريغ الأوتوماتيكية لسد المسيرة، وليس بفعل التفريغ الإرادي للجهات المشرفة على تسيير السد، كما أن تسرب مياه السد ناتج عن عمل منشآت التفريغ الآلي للمياه الزائدة ، بعد بلوغ السد، لأول مرة، نسبة امتلاء 100 في المائة، بكمية 2 مليار متر مكعب. والأضرار مست المواطنين، لأن عددا من الدور توجد على طول مسار صبيب السد، إذ احتل الناس الملك العام المائي، خلال الفترات الماضية من سنوات الجفاف.








تابعونا على فيسبوك