صحافة تراجع عدد قرائها وتقلص إشعاعها بفل التحولات السياسية والاجتماعية

إصلاح الإعلام الحزبي يفرض قطع حبل السرة بين الحزب والجريدة

الإثنين 23 نونبر 2009 - 20:35

بعد أن كانت الجرائد الحزبية "دينامو" الحقل الإعلامي في المغرب، أفل نجمها منذ نهاية السبعينيات، وأخذت تحاول تلمس طريق يخرجها من نفق الركود.

توقفت جريدة "اليسار الاشتراكي" عند الصدور، منذ أزيد من سنة، وقبلها توقفت جريدة "الميثاق"، وحين وقع الخلاف داخل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وجد رفاق محمد بنسعيد صعوبة في مواصلة امتلاك جريدة "أنوال"، لأنها كانت في اسم محمد عواد، وليس في اسم التنظيم الذي يصدرها، وحين توفي علي يعتة وجد رفاق إسماعيل العلوي أنفسهم أمام، وضعية قانونية لا يحسدون عليها، فجريدتا "البيان" باللغتين الفرنسية والعربية، كانت في اسم زعيم حزب التقدم والاشتراكية. هذه التجارب، فرضت على الجرائد الحزبية التحول من جرائد تحمل مستنداتها القانونية أسماء زعماء أحزابها أو بعض مناضليها، إلى جرائد تصدر عن مقاولات إعلامية. هذا المسار فرضه برنامج تحديث المقاولة الصحفية، الذي أطلقته الحكومة المغربية، والذي خصص دعما عموميا مباشرا للمقاولات الصحفية.

تأهيل جريدة الاتحاد الاشتراكي، وجريدتي البيان وبيان اليوم، الذي ينهجه المشرفون عليها اليوم، يطرح آفاق الإعلام الحزبي، وضرورة فك الارتباط العضوي بين الجريدة والحزب، وقضايا أخرى، يتحدث عنها عبد الحميد جماهري، مدير تحرير الاتحاد الاشتراكي، محتات الرقاص مدير نشر جريدة بيان اليوم.

دور الجرائد الحزبية مازال قائما على ألا تظل امتدادا مكتوبا لبيانات الحزب

* لعبت الصحافة الحزبية في المشهد الإعلامي المغربي دورا رائدا لعدة عقود، فما موقع هذه الصحافة اليوم بعد ظهور ما يعرف بالصحافة المستقلة أو الخاصة؟

- ما زالت هناك حاجة إلى الصحافة الحزبية، أولا كمعبر عن رأي، ووجهة نظر حول ما يحدث في المغرب، وثانيا كمكون من مكونات هذه التعددية الإعلامية. لن أعود إلى بدايات ما كان يعتمل في الحقل الإعلامي في المغرب، ولكن يمكن القول إن المغرب ظل محكوما بثنائية إعلامية، من جهة هناك الإعلام السمعي البصري، المتجلي في الإذاعة والتلفزيون، الذي كان في ملك الدولة، حتى لا أقول القصر، ومن جهة أخرى كان هناك الإعلام المكتوب، الذي كان شبه محتكر من طرف المعارضة الوطنية، المتجلية في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، هذه الثنائية تكسرت في نهاية الثمانينيات، وبداية التسعينيات، حين عرف المغرب تحرير المشهد السمعي البصري، وكما تكسر احتكار الدولة لمجال السمعي البصري، تكسر أيضا احتكار الإعلام المكتوب من طرف الأحزاب السياسية.

هذه كلها قضايا إيجابية، إلا أن الأمور لا تتطور بالسرعة الكافية التي تجعل المجال السمعي البصري تطبعه تعددية حقيقية، تسمح لجميع التعبيرات المجتمعية بالظهور، ولذلك مازال للصحافة الحزبية دور في المشهد الإعلامي، من أجل التعبير عن وجهات النظر التي تعرفها الساحة السياسية، والأحزاب السياسية، في ظل الواقع الحالي، لا يمكن للأحزاب أن تضمن حضورها في المشهد الإعلامي دون جرائدها، لأن، المجال السمعي البصري لم يتطور بالشكل الذي يضمن حضور كل وجهات النظر، وأيضا لأن جزء من مكونات الصحافة المستقلة تكاد تحصر مهمتها وتحصر واجبها، في مهاجمة الأحزاب، فهي تأخذ مواقف من هذه التنظيمات السياسية، في الوقت الذي يفترض فيها أن تكون فضاء لعرض آراء الأحزاب ومواقفها وأفكارها وصراعاتها.

في حزب الاتحاد الاشتراكي، انطلق في فترة من الفترات، نقاش تبنته الأغلبية، حول ضرورة التفكير في مرحلة ما بعد جريدة الحزب، وتداول حول ما إذا كان ضروريا توفر الحزب على جريدة، وكان عدد من الإخوة يرون أنه لم تعد هناك ضرورة إلى جريدة حزبية، خصوصا أننا على أبواب تحول كبير، وعلينا أن نفك هذا الارتباط العضوي بين الحزب وجريدته. لكن اتضح في ما بعد ضرورة استمرار هذه التجربة، لأنها ستظل وسيلة للتعبير، وعرض الأفكار، وأيضا الدفاع عن المواقف، لأن العديد من المواقف القوية التي يعبر عنها الحزب، قد لا تجد لها صدى في الجرائد المستقلة.

فدور الجرائد الحزبية مازال قائما، كمكون من مكونات التعددية الإعلامية، وكوسيلة للتعبير، لكن هذه الجرائد مطالبة بأن تتغير نحو الانفتاح، أي أن عليها أن تكسر ذلك الارتباط المباشر بالحزب، حتى لا تظل امتدادا مكتوبا لبيانات الحزب، كما أنها مطالبة بالارتقاء بمهنيتها، وبضبط العلاقة بينها وبين الحزب، بمعنى أنها لا ينبغي أن تكون في ملكية شخص من الحزب أو في ملكية الكاتب الأول.

* في الساحة الإعلامية أصبح انتماء الصحافي إلى جريدة حزبية، بمثابة سبة، كما أن هذه الصحف تعاني الركود، هل لأنها غير منفتحة على مكونات المشهد السياسي المغربي؟

- الجريدة الحزبية هي جريدة "باطرون" كما هو الشأن بالنسبة للجرائد الأخرى، مع وجود فارق يتجلى في أن هذا "الباطرون" هو الحزب، وهي جريدة مستقلة، بمعنى ما لأنها غير تابعة لأجهزة الدولة، وهي جرائد مالكها واضح، ومصادر أموالها واضحة، ولا تتلقى أي أموال من تحت الطاولة، بل حتى محركاتها ومحفزاتها واضحة ومعلنة ورسمية ،ويعرفها الجميع ويتموقع على ضوئها الجميع. لكن المهنية ليست حكرا على الصحافة المستقلة، وما يمكن أن يلاحظ هو أن الصحافة الحزبية تشتغل وكأنها مطالبة أصلا بإعطاء الرأي فقط للحزب، وأنها تقدم موادها دائما من الزاوية السياسية المحضة، هذا في رأيي بقايا نزوعات قديمة، هي في طور الانقراض، لأننا اليوم مطالبون بالاحتكام إلى المهنية، بمعنى أن تتوفر في المواد المنشورة جميع عناصر الخبر، وأن يجري الحرص على التحري، وأن يتحلى الصحافيون بأخلاقيات المهنة، وأتساءل عما إذا كنت كل الصحف المستقلة تطبق هذه المبادئ.

هناك نوع من الإغراء بالنسبة للصحفي في العلاقة مع الصحف المستقلة، فأن تكون صحافي يشتغل في مؤسسة غير حزبية، فذلك يولد الشعور ضمنيا، بالتحرر من أي التزام أو "وصاية" أو أي مرجعية، وأعتقد أن رهان الرفع من مردودية الصحافة الحزبية، وانتشارها، لا يتوقف فقط على الشرط المهني، بل يتجاوزه إلى الشرط الاجتماعي، نحن نعيش ظروفا صعبة، فالجرائد الحزبية، ورغم ما يقال، تصل ديونها إلى ملايير، ومستويات تغطية كلفتها ضخمة، والمقاولات الصحفية اليوم في المغرب لا توظف إلا ما تحتاجه بشكل ضروري وملح، بينما تنضاف إلى الجرائد الحزبية وظائف اجتماعية، باعتبارها ظلت توظف مناضلين، وعائلاتهم، وإن كان هذا الأمر أخذ يتقلص اليوم، لكن الوظائف الاجتماعية الملقاة على عاتق الصحافة الحزبية، غالبا ما تعرقل التسيير المعقلن والراشد لهذه المقاولات، واليوم أصبح أمام خيار تحقيق قفزة نوعية في اتجاه التطور، وإلا سوف تحكم على نفسها بالموت الرحيم أو القتل الذاتي.

* قواعد المهنة تلزم الصحافي بالحياد، فكيف يمكن للصحافة الحزبية أن تحترم هذا المبدأ خصوصا بشأن بعض القضايا السياسية؟ ثم، هل يمكن اعتبار أن عدم انفتاح الصحف الحزبية على باقي مكونات المشهد السياسي، ناتج عن الاتجاهات السياسية التي تتحكم في الجريدة، باعتبار ارتباطها بحزب معين؟ كما يمكن اعتبار اشتغال الصحافة الحزبية على نقاشات سياسية محضة، وتقديم طروحات ووجهات نظر حول القضايا السياسية والمجتمعية، فيه جانب إيجابي، اعتبارا أن هذه الصحافة لا يشغلها هم الإثارة كما يمكن أن يلاحظ بالنسبة لعدد من الصحف الخاصة؟

- أعتقد أن جزء من الجواب يتضمنه السؤال، فالانتماء إلى الحزب والاشتغال على مواقفه وأطروحاته، يعطي الانطباع بالتحيز لمواقف معينة أو جهات بذاتها، ونحن في هيئة تحرير جريدة الاتحاد الاشتراكي، نعيش نقاشات حول المواد التي تنشر، ونحرص على ألا تكون المقالات منحازة، أو تفتقر لبعض عناصر الموضوعية والتحري واستحضار جميع وجهات النظر، ونقاشاتنا داخل هيئة التحرير، وعلى عكس ما يروج، تكون أكثر حدة، لأن هذه النقاشات تكون محكومة بثقل الخمسين سنة، الذي راكمناه، ولا يحضر هذا الثقل بشكل إرادي بالضرورة، بل أحيانا كثيرة بشكل لا إرادي، إذ أن الصحافي وبحكم انتمائه إلى هذه المدرسة، يكون ميالا، أحيانا، إلى اتخاذ الموقف قبل الخبر، وقبل التحري، وقبل تطبيق المهنية.

يجب أن نكون صريحين للغاية، ونعلن أن 80 في المائة من الصحافيين، لم يتلقوا تكوينا مهنيا، إذ هناك مفارقة عجيبة، تتجلى في أن صحافيي الجرائد الحزبية درسوا قواعد مهنة الصحافة بعد امتهانهم حرفة الصحافة، وليس قبل ذلك، لكن المهم هو أن تنظر هذه الصحافة إلى واقعها بعين نقدية، فهناك العنصر البشري، وهناك الإيقاع الذي فرضته الصحافة الجديدة، عن حق أو عن غير، وهي معطيات يجب أن تتعامل معها الصحافة الحزبية دون أن تفقد روحها التي هي روح بيداغوجية، وتطمح إلى تربية الرأي، لأنها ظلت دائما تصارع من أجل بناء الديمقراطية، فهي لا تمارس داخل الديمقراطية، ولا تمارس فقط من أجل مجد المهنة، أو مجد المهنية، بل تصارع من أجل بناء المجتمع الديمقراطي التعددي. من مصلحة الصحافة الحزبية أيضا التعددية، لأني لا أعرف حزبا لا تعتمل داخله ثلاث أو أربع أفكار حول الموضوع نفسه، فداخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحتى نكون صرحاء، ليس هناك تحليل واحد وأحادي للقضايا، وليس هناك خط أحادي، وينبغي على جريدة هذا الحزب أن تعكس هذه التعددية. وإذا أضفنا إلى ذلك انشغالات الحزب باليسار، فعليها أن تكون جريدة تعكس هذا الهاجس، دون أن تكون انتقائية، تكتفي بعرض مواقف الفصائل الأكثر قربا من مواقف حزبها، وبذلك تساهم في نشر الأفكار النبيلة للسياسة وللتعبير والإعلام، كي لا يبقى هاجس الإثارة هو المتحكم.

* يلاحظ، بعد ظهور الصحافة المستقلة، أن الصحافة الحزبية تخلفت وبدت وكأنها تبدل جهدا كي تلتحق بالركب، إذ لم نألف أن تفتح الاتحاد الاشتراكي بخبر حول حادثة سير أو جريمة قتل، بل عهدناها تفتح بمقالات سياسية قوية..

- لهذه المسألة ثلاثة مستويات، وبالفعل هناك جانب التأثر بالأفق الذي صنعته الصحافة المستقلة، فنحن في مجال ضيق، عدد القراء قار، إذ ظل يراوح 500 ألف، وإن كان يزيد مرة طولا وأخرى عرضا، وبالتالي ففي هذا الفضاء المغلق يحدث التأثر، والتأثر المتبادل، ويمكن أن يكون في بعض الأحيان بشكل إيجابي، كأن تقدم صحيفة مستقلة على خطوة أكثر جرأة، على المستوى المهني والتحري، وربما على مستوى الموقف السياسي، وبالتالي فالتأثر هنا بهذه الصحف يصبح إيجابيا، وأحيانا يصبح هذا التأثر سلبيا، كأن ينحصر في ما ورد في سؤالك.

يمكن القول إن من أزمة السياسة في بلادنا، أنها لم تعد قادرة على خلق الحدث يوميا. وبيتملكني الإحساس بأنه كلما أقدمنا على خطوة متقدمة في اتجاه النقاش السياسي المتصاعد والمستمر، إلا وتملك الخوف والتوجس الطبقة السياسية، ونعود إلى الهدوء، وكأننا نردد "الكالم أمولاي الكالم أمولاي "، وكأن هناك خوف متواتر من النقاش السياسي والحركية السياسية.

إلى جانب ذلك، هناك جوانب عاطفية وتفاعلية وانفعالية مع الحدث، إذ قد يتكون لدى المسير للجريدة أن هذا الخبر، أو هذه المعلومة ستجد صدى لدى الرأي العام، أو أن هذه المعلومة أو تلك من حقوق الرأي العام، ينبغي صونه.

ارتباطا بالموضوع، نلاحظ الإقبال على الجرائد المستقلة، لكن حين يتعلق الأمر بقضايا جدية، يتحول هذا إقبال إلى الجرائد الحزبية، لأنه معهود فيها إعطاء توضيحات وتفسيرات، إلى جانب أنها لا تنساق نحو الإثارة، بل تحرص على التحري، لأنها تحكمها التزامات سياسية، كما أنها تعمل على التوجه نحو العمق، دون تحيز، فضلا عن أن صحافي المنتمي إلى الجرائد الحزبية يكون أكثر حصانة من بعض الانزلاقات...

* أو على الأقل لديه خلفية سياسية واضحة، توفر له نوعا من الانسجام مع الذات ..

- فعلا، حتى لا يجد الصحافي نفسه أمام مهنية بلا جذور، وإن كان هذا الذي نسميه مهنية بلا جذور مفترى عليها، لأنه في كل الأحوال، هناك رؤية للأشياء وللعالم والمحيط، وحتى في تلقين قواعد المهنة نظل نؤكد على ما يعرف في المهنة بزاوية المعالجة..

* ومن خلال زاوية المعالجة تحضر الذات، بكل مكوناتها أليس كذلك؟

- في أحيان كثيرة، يحدد ما يعرف بزاوية المعالجة، خلفية الصحافي وقراءته للأشياء، إلا أنه من المفيد للصحافة الحزبية أن تتضح علاقتها مع الحزب، ولدي أمنية، ما ألبث أعبر عنها باستمرار، وأمنيتي هذه هي أن تصبح العلاقة الوحيدة بين الحزب والجريدة هي الافتتاحية، وما عدا ذلك، تصنع كل مواد الجريدة بطريقة مهنية، اعتمادا على التعددية الموجودة في المجتمع.

* تعتبرون الاستقلالية عن الحزب، إلى جانب المهنية، من قضايا التي يمكن أن تشكل رافعة للصحافة الحزبية، ما هي برأيكم القضايا الأخرى التي تستطيع أن تعيد لهذه الصحافة بريقها؟

- أعتقد أن مراجعة العلاقة مع الحزب قضية جوهرية، إلى جانب تجديد الجسم الصحافي، فكلنا شخنا، ويجب أيضا تضمين التكوين المهني الحقيقي في العمل الصحفي، ثم يجب أن يكون العنصر البشري في الجريدة الحزبية لا ينتمي بالضرورة إلى الحزب، حتى لا نصبح أمام وضعية تحدد الانتماء إلى الجريدة بالانتماء إلى الحزب أو العكس، وإن كان هذا الأمر بدأ التخلص منه، وإن بشكل ضئيل، وأتحدث هنا عن المستوى البشري والمهني، وليس عن المستوى السياسي، إذ يجب إعادة النظر في علاقة الصحافي بالحزب، بشكل جدري، حتى نتحول إلى مقاولة إعلامية. يجب أيضا أن تتوفر الوسائل المادية، صحيح أنه على المستوى الاجتماعي، يقال إن الصحيفة الفلانية طبقت كل ما طالبت به النقابة، ولكن ليس الجانب الاجتماعي وحده المهم، إذ أن وسائلنا وطريقة التسيير المادي والبشري والإداري مازالت عتيقة، فهي في غالبيتها، تخضع للتوازنات الداخلية أو التوازنات السياسية، ويجب الحسم مع هذا الأمر، من أجل إخضاع الصحيفة الحزبية لمنطق المقاولة، التي تتحكم فيها قيم المردودية وثقافة النتيجة.

* ما هي الإصلاحات التي ستخضع لها الاتحاد الاشتراكي؟

- نحن بصدد فك الارتباط العضوي مع الحزب، إذ أننا نفكر في تغيير اسم الاتحاد الاشتراكي، حتى لا يظل اسم الجريدة مشتق من اسم الحزب، ويجب أن أشير إلى أن اختيار اسم "جريدة الاتحاد الاشتراكي" كان له ظروف، فبعد اعتقالات سنة 1981، وتوقيف المحرر، انطلق التفكير، داخل الحزب، في إصدار جريدة، فقال عبد الرحيم بوعبيد، بحصافة، "سوف لن نصدر جريدة تحمل اسما، يجهله المغاربة، لنسمي الاتحاد الاشتراكي. نحن نفكر في تغيير اسم الجريدة، بعد أن نطلقها بتصميم وتبويب وشكل جديد، يعني بـ"ماكيت" جديد، ونحن مطالبون بإعادة النظر في الكتلة المادية والبشرية، وهنا أستحضر مقولة أحد رجال الأعمال، إذ قال لليوسفي، "لديكم تيطانيك عظيمة، لكنها تغرق"، فالجريدة بسبب كلفتها تغرق بالفعل.

* هل تفكرون في إطلاق عملية "المغادرة الطوعية"؟

- نعم، إن الأمر كذلك.

لم يعد ممكنا مواصلة إصدار نشرات حزبية تحمل صوت الزعيم

تتولى إصدار الصحيفتين، (bayane S.A) على مستوى التدبير، هناك شركة اسمها، بيان اليوم باللغة العربية، والبيان باللغة الفرنسية، وتشرف كذلك على تسيير المطبعة. صحيح أن رأسمال الشركة يملكه الحزب، ويوجد مجلس مراقبة يترأسه الأمين العام للحزب، لكن المؤسسة يجري تدبيرها وفق مقتضيات عصرية وحديثة، وانسجاما مع ما تفرضه القوانين المؤطرة لعمل الشركات وضمن هذه الرؤية، فإن مجلس تسيير الشركة "ديريكتوا"، يتكون حاليا من مدير عام، هو بمثابة رئيس مجلس التسيير، وعضوين، هما مديرا نشر "بيان اليوم" و"البيان"، والثلاثة يتحملون مسؤولية تدبير الشركة بشكل جماعي ومتضامن.

ونشير إلى أن الجهة السياسية المالكة للمؤسسة اختارت هذه المرة، اعتماد تدبير مهني ومقاولاتي لإعلامها، بغاية النهوض به وتطويره، ولذلك كانت قد نشرت إعلانا في الصحف لتوظيف فريق مسير، تتوفر لديه الخبرة والمهنية اللازمتين، وهذا في حد ذاته أسلوب جديد في إدارة إعلامنا الحزبي المغربي، ونحن من جهتنا التقينا وتدارسنا الأمر بيننا، وبلورنا رؤية موحدة للمشروع، ثم تقدمنا كفريق لدى المعنيين بترشيحنا المشترك والمتضامن، وكان إلى جانبنا مرشحون آخرون، وبعد جلسات عديدة مع مالكي الشركة، ومناقشات دامت شهورا، وقع اختيارهم على مشروعنا، وجرى تعييننا رسميا، يوم 20 يونيو 2009، ومنذ ذلك الوقت باشرنا فحص مختلف ملفات الشركة، ودراسة أوضاعها بتفصيل، مع تأمين الإصدار اليومي للصحيفتين، في أفق التأسيس لانطلاقة مهنية جديدة لهذه العناوين، وهو الأمر الذي نوقع الكشف عنه متم شهر نونبر.

منذ أول أسبوع لنا في المسؤولية بادرنا إلى تنظيم حوارات صريحة مع ممثلي مختلف فئات العاملين، توجت بالتوقيع على اتفاقات مشتركة، صارت تلزم كافة الأطراف، وبات بذلك الجميع اليوم معبأ للنهوض بالمؤسسة على مختلف الأصعدة.

من جهة ثانية، قمنا بإجراء بعض التوظيفات داخل المؤسسة وفق ما تسمح لنا به الإمكانيات المالية المتوفرة، وذلك من أجل تحسين هيكلة المؤسسة وتعزيز جودة التأطير الداخلي، كما تمكنا من حل بعض الوضعيات المستعجلة، التي كانت بقيت عالقة منذ مدة، وننكب الآن على توفير ظروف عمل لائقة في المؤسسة من خلال الانتقال إلى مقر جديد، وتحسين العتاد التقني المعمول به.

وهدفنا من كل هذه المبادرات هو جعل المؤسسة تنخرط في أسلوب عمل جديد ومغاير تماما، يقوم أولا على المهنية، وأيضا على جدلية الحقوق والواجبات، وهذا الأسلوب نال استحسان ورضا الصحافيين وباقي العاملين، لأنه كان دائما في صلب قضاياهم المطلبية.

على مستوى مضامين عملنا الصحفي، نسجل بارتياح، تعبير مالكي المؤسسة عن رغبتهم وقناعتهم بالحاجة إلى صحافة مهنية، ذات جودة وتنافسية، وبالتالي فهم لا يريدون نشرة حزبية أحادية الرأي والتفكير.
وبناء عليه، فإن صحيفتي "بيان اليوم" و"البيان" (بالفرنسية) منفتحتان على كافة الهيئات السياسية والنقابية والمجتمعية، وقد لاحظ القراء ذلك منذ مدة، وليست لنا أي خطوط حمراء على مستوى الإخبار ومتابعة ما يجري في الساحة الوطنية. ولكن هذا العمل المهني الذي لا نختلف فيه عن باقي الصحف في المغرب وخارجه، لا يمنع من أننا نريد جعل الصحيفتين ذات حساسية سياسية وفكرية واضحة في التعاليق وفي الخيط الناظم لعملنا المهني. وهذه المسألة ليست مناقضة للمهنية في شيء، وهناك صحف عالمية كبرى، لا تخفي حساسيتها السياسية.

فقط، إن خطنا الفكري والسياسي، سنمارسه في التعليق وفي التعبير عن المواقف، وسنحرص على تقديم الأخبار لقرائنا، كما سنحرص على احترام التمايز بين الأجناس الصحفية، وعدم الخلط بينها، كما هو رائج اليوم في العديد من صحفنا الخصوصية، وسنسهر على عدم المس بأخلاقيات المهنة، كما هو متعارف عليها كونيا، وعلى ممارسة مهنية عادية تعزز مستوى المسؤولية في عملنا، ولا تحرمنا من حقنا في استثمار ما راكمه شعبنا، من أجواء الحرية والانفتاح.

إننا على يقين أن المغرب اليوم في حاجة إلى صحافة قوية واسعة الانتشار، ليس مغربيا فقط، بل خارج الحدود أيضا، صحافة بجودة مهنية عالية، وأيضا بمضامين جدية عالية، ونحن يحدونا الأمل والطموح لبلوغ هذا الأفق، وامتلاك مكان واضح ضمن هذا النوع من الصحافة، الذي نتمناه لبلدنا.

لم يعد بالإمكان اليوم، لا مغربيا ولا عالميا، مواصلة إصدار نشرات حزبية، لا تحمل سوى صوت زعيم الحزب، أو صوت التيار النافذ، وتكون أداة تنظيمية، أكثر من كونها صحيفة، هذا الواقع لا يقود سوى إلى إضاعة الوقت وتبذير المال، فالمطلوب اليوم امتلاك صحف مهنية عالية، يصنعها مهنيون، دون أن يمنعها ذلك من إعلان اصطفافها السياسي والفكري الواضح.

وهذا الرهان يفرض اليوم، جعل صحف الأحزاب، التي ترغب في التطور، تدبر كمقاولات صحفية حديثة، وتدار مواردها البشرية على قاعدة القانون، وثنائية الحقوق والواجبات، مع الحرص على تشغيل مهنيين، واحترام الحقوق المادية والاجتماعية للعاملين.

يفرض الرهان كذلك، على الدولة إسناد هذه الصحف، كمرحلة انتقالية، من أجل حل مشاكلها المتراكمة منذ سنوات، فضلا عن حل بعض القضايا، التي تعني كافة الصحف، مثل التوزيع والإشهار والقوانين المؤطرة للمهنة وغيرها، آنذاك، سنكون كلنا، ساعدنا بلادنا على امتلاك إعلام مكتوب، في مستوى صورة المغرب الجديد، والمسؤولية في كسب الرهان المذكور، لا تتحملها الدولة وحدها، بل أيضا الأحزاب القريبة من هذه الصحف، التي يجب عليها أن تعي خصوصية هذه المهنة، وطبيعة زمنها الخاص، وأيضا المطلوب من الصحافة في مغرب اليوم.

وهنا لا بد من لفت انتباه الجميع إلى أننا لا نريد تفضيلا، أو امتيازات من الدولة، بل إننا نسجل بامتعاض، وبكثير من الغرابة، كون صحف مثل صحيفتينا، بنفسها الوطني المعروف، هي التي يحجب عنها الإشهار اليوم، وهي التي تعيش مشاكل مع مواردها البشرية، ومع الصناديق الاجتماعية، وذلك في مقابل صحف أخرى مستجدة في الساحة، هناك الكثير مما يقال حولها، تغدق عليها الأموال من كل جهة، بشكل غريب، ومع ذلك لا تؤدي ولو سنتيما عن صحافييها. أين المنافسة الشريفة هنا؟.




تابعونا على فيسبوك