مقاهي لغير الصائمين

الأربعاء 16 شتنبر 2009 - 21:57
رمضان لم يغير من عادة المواطنين في ارتياد المقاهي.

في الوقت الذي تغلق أغلب المقاهي ومحلات المأكولات أبوابها قبل الإفطار خلال رمضان، هناك مقاه تبقي أبوابها مفتوحة، أمام زبناء من نوع خاص..

(زبناء) تضطرهم ظروفهم الصحية أو الدينية إلى التوجه نحو هذه المقاهي، التي اعتاد مسيروها استقبالهم، وتلبية حاجتهم الغذائية.

تكسر هذه المقاهي، في الدار البيضاء، كما في باقي المدن المغربية الكبرى، جدار الصمت الذي تغرق فيه الأحياء نهارا، وتضفي على الأماكن طابعا خاصا، ليس لشيء سوى أنها ترتدي حلة مغايرة لما يكون عليه الحال في الأيام العادية، بضجيجها الهادئ وسط هدوء الأحياء، ونوعية زبنائها الذين يبلغ متوسط سنهم غالبا الخمسين سنة.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة من صباح يوم دافئ، تنفس صبحه نسيما باردا، سكون المكان يشعرك أنك في مدينة أشباح، هرب سكانها وتركوها لمخلوقات من خارج هذا الكوكب، سيارات الأجرة البيضاء والحمراء، التي كانت وحدها تجوب شارع لالة الياقوات في الدار البيضاء، بدت ككريات حمراء وبيضاء، تجري في شرايين جسد مسن أنهكته دوائر الزمن، وفي الزاوية الخلفية للشارع، وبالقرب من حارس لدرجات نارية، الذي كان جالسا قرب الدرجات ينتظر محركات أخرى يحرسها، يوجد فضاء بدا كجحر نمل، أبى إلا أن يُخرج الحي التابع لجماعة سيدي بليوط من جموده وموته السريري، إنه مقهى "أكيمدن"، التي انتصبت بزجاجها الخارجي الداكن، وكراسها الحديدية المغلفة برداء جلدي، فاتحة أبوابها لزبناء من نوع خاص، أنهكتهم السنون ونال منهم المرض.

في رأس الزقاق، كان هناك جسد نحيل اعتاد المجيء إلى المكان، يخطو ببطء محاولا، دون فائدة، الإسراع، لكن حفر الرصيف والرائحة النتنة للنفايات حلت دون وصوله في الوقت المحدد، إنه الحاج إبراهيم (ع)، ذي الخامسة والخمسين من العمر، الذي سلبه داء السكري ابتسامته ونشاطه، أصبح من المألوف لديه انتظار صباح كل يوم للتوجه نحو المقهى، ولقاء أصدقائه من أبناء زمانه، لاحتساء قهوة بقليل من البن وكثير من الحليب، وبدون سكر، يقول الحاج إبراهيم بصوت ضعيف: "لا يمكنني أن أتصور كيف سيكون يومي دون الجلوس في المقهى، التي تربطني بها ذكريات جميلة"، ويضيف بخيبة أمل وانكسار: "كان بودي حتى أنا نصوم يومي كباقي الناس، لكن الغالب الله، ما كرهتش".

أمثال إبراهيم يعدون بالعشرات، تضيق بهم جنبات مقهى أكيمدن، وينشغلون بقصصهم وتجاربهم الشخصية، بينما يغرق مسيرو المقهى في تلبية طلبات الزبناء، الذين يكون بينهم أجانب من ديانة مختلفة، محمد يعمل نادل في المقهى أوضح قائلا: "اعتدت على العمل في نهار رمضان، كما أن الأجواء هنا تساعدني على العمل، ولا أحس كيف يمضي اليوم"، تستمر الجلسات في هذه المقاهي إلى أوقات طويلة، ولا يُفرق لمة الأصدقاء حول موائد تفتح شهيتهم للأكل، والخوض في أحاديث مطولة، سوى قرب أذان صلاة المغرب في بعض الأحيان.

مقاهي تسرق الأضواء

وفي الليل تسرق المقاهي، خلال رمضان، الأضواء، وتتحول إلى الوجهة المفضلة لكل من أعياه الصيام بالنهار، وينشغل مرتادو المقاهي في رمضان، ومعظمهم من الشباب، بشرب الشيشة، وسماع الأغاني، ومتابعة الأفلام الأمريكية، وفي هذا الصدد قال عبد الله الشاوني: "أدير المقهى مع شريك آخر، ونحرص على عدم فتح المقهى أمام الرواد إلا بعد الإفطار، وبعد أن يكونوا قد أدوا صلاة العشاء، ونستمر حتى موعد السحور قبيل صلاة الفجر، كما نعلق لافتة تحدد مواعيد العمل لاستقبال الزبائن".

وأوضح الشاوني أن "شهر رمضان يمثل بالنسبة لنا موسما سنويا للكسب، حيث ننظر إلى المقهى باعتباره مشروعا استثماريا، يساعدنا في تحقيق دخل أكبر، ونقدم ألوانا من الطرب الأندلسي، والتواشيح الدينية التي تضفي على ليالي رمضان طابعا مميزا".

الليل في المقاهي، خلال رمضان، له خصوصية، لا يشاركه فيها أي شهر آخر، فهو الشهر الوحيد الذي يتحول فيه ليل المغاربة إلى نهار، يضج بالحركة حتى ساعات الفجر الأولى. ياسين (ش)، 25 سنة، يؤكد أنه لا فرق بين أيام رمضان أو غيرها بالنسبة إليه، موضحًا أن ارتياده للمقاهي ليس وليد اليوم، ولا يقتصر على رمضان فقط، ويضيف: "تعودنا أنا وأصدقائي على هذا الأمر، ولا يمر يوم دون أن نحتسي فنجان قهوة أو نشاهد مباراة لكرة القدم"، لكن ما أن يقترب أذان الفجر حتى يتغير حال المقاهي وتستعد لإغلاق أبوابها في انتظار ليلة جديدة.




تابعونا على فيسبوك