يتحملون لهيب الجوع أمام لهيب النار التي يقفون أمامها في مصانع الحديد والصلب، وآخرون يتحملون عناء الوقوف لساعات تحت أشعة الشمس، في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي، إنهم أصحاب المهن الشاقة الذين يعيشون أجواء خاصة، خلال شهر رمضان.
يقول شاب يعمل في مصنع الحديد والصلب بالحي الصناعي ببن سودة بمدينة فاس "إن مهنة الوقوف أمام الأفران الخاصة لصهر الحديد والصلب من أصعب المهن على الإطلاق وأشقاها.
مضيفا أن هذه الصعوبة لا يواجهها كل العاملين في مصانع الحديد والصلب، بل يواجهها أولئك الذين يقفون أمام الأفران بشكل خاص. ويذكر أن العاملين في هذه المهن يمارسون أعمالهم عشر ساعات يوميا أمام النار، يجري تقليص عدد الساعات إلى ثماني ساعات في شهر رمضان الكريم، علاوة على الوقت المضاف، الذي يرغم العمال على تأديته نهارا أو ليلا في رمضان، نظرا لضغط العمل .
ويؤكد الشاب نفسه أن كثيرا من العاملين في هذه المهن يعانون أمراضا، خصوصا الذين تجاوزوا الخمسين عاما، مضيفا أن أغلب العمال العاملين في هذه المهنة، تحديدا، يتعرضون لمخاطر، نظرا لصومهم والمجهود الشاق الذي يقومون به، ويقترح لذلك تقليل ساعات العمل في بعض الأقسام التي يتحمل أصحابها مشاق كبيرة.
يقول عامل بأحد الأفران لإنتاج الخبز بحي لابيطا، وهو شاب لم يتجاوز عقده الثالث "إن أغلب العمال يفضلون العمل في المساء، بعد الإفطار أو بعد صلاة الفجر مباشرة.
ويرى أن قدرة بعض العمال تقل في رمضان، إذ تحدث أزمة في العمال الذين يباشرون العمل أمام هذه الأفران، ما يستدعي رفع الأجرة لإغرائهم، ومع ذلك يقوم بعضهم بالإفطار في نهار رمضان، حتى يستطيعوا العمل في الصباح بأجر مرتفع .
يقر أحمد مناوي (عامل بناء) بأن ثمة عمالا في هذه المهنة يضطرون إلى الفطور وعدم إكمال صومهم، لشعورهم بالتعب والإعياء الشديدين، لافتا إلى أن ثمة أفرادا يتحملون مشقة الصوم، تنفيذا لتعاليم دينهم في أداء هذه الفريضة.
وعن كيفية التغلب على حرارة الجو اللاهبة يقول "العمل شتاء أقل قسوة من الفصول الأخرى، ورمضان هذا العام صعب جدا، لأنه تزامن وارتفاع درجة الحرارة إلى معدلات قياسية".
يؤكد مناوي أن ثمة صائمين يلجأون إلى العمل ليلا في المناطق قيد الإنشاء، مفضلين البدء بالعمل بعد صلاة التراويح، مستعينين بالأضواء الكاشفة، إذ يستمرون في أداء مهامهم إلى الساعات الأولى من الفجر، وقبل موعد وجبة السحور.
يروي حسن العوال تفاصيل يومه الرمضاني، قائلا: «بعد تناول وجبة السحور وأداء صلاة الفجر، ننطلق إلى عملنا نسابق نور الصباح، نبدأ ساعات العمل وتمتزج حبات "العرق" التي ترشح من الجبين مع المياه المستخدمة في أعمال البناء و"خلط" الاسمنت.
ويقول عمر الخادري (مقاول أعمال بناء) "ليس في استطاعتي التوقف عن العمل أثناء رمضان، لأنني في حاجة إلى تأمين لقمة العيش وتكاليف الإقامة والتأمين الصحي والإيجار والمأكل والملبس"، ويضيف عمر أنه يعمل في رمضان بحماسة أقل من الأيام العادية، متجنبا بذل جهد كبير، لئلا تخور قواه في ساعات الصوم الأخيرة.
ويرطب الحسين العيساوي (حارس بناية قيد الإنشاء) حرارة الصيف بطرق بدائية، مستخدما قطعة قماش يضعها في إناء ماء ثم يضعه على وجهه، أثناء نومه على سريره في خيمته التي نصبها بجوار البناية آملا في أن تساهم نسمات الهواء الباردة في التقليل من وطأة حرارة الطقس، ويوضح الحسين العيساوي أنه يستيقظ في الصباح الباكر لمتابعة عمال البناء وحراسة البيت والمعدات، مؤكدا أن مهماته في الحراسة لن تثنيه عن أداء واجباته الدينية.